أنور الخطيب: الوطن في كتاباتي ذاكرة ناقصة وهذا يؤلمني

جريدة الجريدة-الكويت

أنور الخطيب: الوطن في كتاباتي ذاكرة ناقصة وهذا يؤلمني

• يصدر ديوانه «المغيب الناجي من التأويل» قريباً

 

في رصيده الأدبي 14 رواية وثلاث مجموعات قصصية وثمانية دواوين شعرية آخرها «المغيب الناجي من التأويل» الذي يصدر قريباً، فضلاً عن دراسات أدبية… تشكل في مجملها وطن الأديب الفلسطيني أنور الخطيب الذي حطّ رحاله فيه بعدما فرضت لعبة «الكبار» في العالم وعبثهم أن يخسر شعبه أرضه ويولد قسراً خارج وطنه ويكبر من دون أن يتنشق رائحة التراب الذي يحتضن أجداده وجذوره. الغربة والحنين والقلق وعدم الانتماء والحرية وغيرها من المشاعر حركت قلم أنور الخطيب فأنتج أدباً صارخاً ومندداً بما آل إليه الواقع نتيجة السياسات والمصالح الضيقة، وضاجاً في الوقت عينه ببوح من العاطفة الجياشة التي تعكس ما يعتمر في قلبه من حب للجمال والعدالة وتوق إلى السلام… إنه باختصار أدب طالع من قلب المنفى مؤطر بغصة الغياب.

أنت فلسطيني الهوى والهوية ولكنك ولدت خارج الوطن، كيف ترسمه في نتاجك الأدبي؟

لا أعتقد أن لفلسطين صورة نمطية تقليدية واقعية في ذهني، لهذا لم أستطع تجسيدها كما يفعل الروائيون والشعراء الذين يعيشون داخل أوطانهم، لا أستطيع رسمها كما فعل رسول حمزاتوف حين تحدّث عن بلده داغستان، ولا مثل الياباني هاروكي حين تحدّث عن تفاصيل دقيقة في طوكيو. لا ذاكرة لدي في فلسطين، كل ما أملكه ذاكرة أبي وجدتي وأمي. أبي أفرغ ذاكرته متعمداً في ذاكرتي وأنا شاب صغير، معتقداً أنها الطريقة المثلى لبقاء الوطن حيّاً في الذاكرة، أما ذاكرتا أمي وجدتي فقد حصلت على البعض منها عن طريق الأسئلة.

إذا لوالدك دور مهم في تكوين ذاكرتك عن الوطن.

كان أبي فلاحاً يعيش في قرية اسمها «شعب»، وهذه القرية لم يعد لها وجود، مسحها الاحتلال الصهيوني واستبدل بها «شعب الجديدة»، وهي ليست في المكان ذاته التي بُنيت عليه شعب الأصلية. أبي قاتل العصابات الصهيونية في العام 1948، وخرج من فلسطين بناء على طلب جيش الإنقاذ الذي وعد بتحريرها ونكث بوعده، فضاعت «شعب» وظلّ أبي في مخيمات لبنان حتى وفاته في العام 1978. ذلك هو محور كثير من رواياتي الأولى وأشعاري، خيانات وغربة وأسئلة لا تنتهي. آخر عمل كتبته كان بعنوان «شوق مزمن»، وكتبت الناقدة سهام أبو العمرين عن الرواية ووصفتها بأنها «دفاع مستميت عن الذاكرة». الوطن لدي وفي كتاباتي ذاكرة ناقصة، وهذا يؤلمني جداً كروائي وإنسان.

الحلم والمنفى

ما هو مفهوم الوطن بالنسبة إليك؟

مفهوم الوطن لخصته في قصيدة «حديث المورفين في معنى الوطن» حين قلت: «خذوا كل الشعر يا سادتي، وامنحوني فراشة في وطني، أطاردها ولا ألتقطها..». هو الطفولة المرتجاة في مرتع الحلم.

للحلم مكانة بارزة في نتاجك، هل هو برأيك هروب من الواقع المؤلم أم معين تنهل منه رؤية جميلة للحياة؟

الحلم غذاء الروح الوحيد للمبدع المتسربل بالمنافي، هو الأداة الوهمية للبقاء على قيد الأمل، يختفي تارة فتكتئب حروفي، ويظهر تارة فأرسم الوطن على وجه قمر مكتمل، الحلم مؤامرة نخيطها نحن المشتتون لندّعي أن لنا وطناً في ظل تآكله يوماً بعد يوم نتيجة الخراب الوطني الذي يتفشى في جسد القائمين على قضية وطني. لكن لا مفر من الحلم، ولا منجاة من الانتماء إلى وطن حتى لو كان في الذاكرة، حتى لو تحول إلى تجارة رابحة. الحلم يخلق توازناً بين الحياة والموت، ويجنّب الإنسان إلى حين من أمراض الإدمان والإصابة بالهستيريا.

إلى أي مدى يجدر بالأديب إقامة توازن بين الواقع والتحليق بعيداً في الحلم؟

الكتابة، خصوصاً في عالمنا العربي، هي تحليق في الحلم، يعيد الأديب صياغته كلما ضاق الخناق على حريته وخيب السياسيون آماله وأفشوا الفساد والانقسامات في المجتمع حتى يسودوا، وهذا الحلم مشتق من الواقع، أي بمعنى إعادة تشكيل الواقع ليرضي طموحات الأديب بعد أن يسلط الضوء على قذارة ما نعيشه من تراجعات وهزائم واصطفاف إلى جانب الأعداء. وأعتقد أن الكاتب العربي فشل في تحقيق هذا التوازن، فهو إما يمارس سادية في تعذيب شخوصه أو يرسم واقعاً يستحيل تحقيقه إلا في جمهورية أفلاطون أو في الجنة، وبهذا يكون قد فقد الواقع والحلم معاً. أنا ككاتب فلسطيني لا أحلم كثيراً في كتاباتي، بل أوثق واقعي بطريقة أقرب إلى الفانتازيا، باستثناء كتاباتي العاطفية التي تشكل فيها المرأة ملاذاً آمناً من بشاعة الواقع.

قلق وجودي

هل تنعكس غربتك عن الوطن في رسم شخصياتك؟

شخوصي غرباء غير منتمين، ضجرون في بحثهم عن وطن يليق بهم، وهم عشاق استثنائيون لا تصدق حبيباتهم مستوى عشقهم، لأنهن لا يتنازلن عن مفهوم الأنثى الضيق، وقد عبرت عن هذا في رواياتي «ند القمر» و«سماء أولى جهة سابعة» و«فتنة كارنيليان»، وظهر الضجر متجلياً في روايتي ما قبل الأخيرة «الكبش».

تنبض كتاباتك بقلق وجودي، هل هو نابع من خشية على الذات أم من الا تلتقي أرض أجدادك أبداً؟

أنا قلق بطبعي، ولا أدري إن كان بفعل اللاوطن أم بسبب الجينات، ولهذا أتعامل مع كل شيء على أنه مؤقت، وهذا المؤقت ربما يكون بسبب الغربة والمنفى واللاوطن أو الوطن الذي لا يحترم آدمية الإنسان، ثم أن الكاتب قلقٌ بطبعه، ولو لم يكن قلقه وجودياً لما كتب وطرح أسئلته التي لا تنتهي. ينبع قلقي من إيماني بعدم وجود حقائق مطلقة، وإنجاز كامل المواصفات، وامرأة كاملة المواصفات. ثمة أمر غائب يؤرقني، أحياناً أعلم ما هو، وأحياناً أدعي أنني لا أعلم ما هو، وهو تحايل آخر على الذات لتبقى مشغولة بالأنا الجمعية.

هل ثمة اختلاف في نهجك بين كتابة الرواية والقصة والشعر؟

لا ألتزم منهجاً محدداً في كتابة الرواية أو الشعر، أنا تلقائي بشكل كبير في الرواية والشعر، وتتجلى التلقائية أكثر في الشعر لأن الرواية لا بد من أن تكون مدروسة. لهذا أتعذب حين أنخرط في كتابة رواية لأنني أخسر جزءاً كبيراً من تلقائيتي، منهجي هو صدقي الذي أحرص عليه لتصل الكلمة صافية إلى القارئ.

أين يكمن البوح أكثر بين هذه الأنواع الأدبية الثلاثة؟

البوح هو البوح، قد تختلف اللغة وإيقاع الكلمات والسرد. أكتب الرواية بضجر وقلق كبيرين مغلفين بالهدوء، وأكتب الشعر حين تعجز الرواية عن استيعاب عاطفتي، قد يكون للشعر فتنة أكثر، لأنه يخلصني من أزمة داخلية وفكرة متورمة تدور في رأسي كثور منهك.

للغربة والليل والطفولة مكانة بارزة في شعرك، لماذا هذا التركيز عليها وإلامَ ترمز؟

أكتب الشعر حين تزدحم روحي بالغربة، وغالباً ما أكتبه في الليل، وأكتب الشعر بروح طفل، لهذا يظهر طفل أطال السهر في ليل الغربة. الليل غربة، والطفولة عمرٌ أفتقده، وحنين دائم ومزمن إلى أمي.

«المغيب الناجي من التأويل»

يصدر لك قريباً ديوان جديد بعنوان «المغيب الناجي من التأويل» (دار مداد للنشر والتوزيع). ماذا تقصد بالعنوان؟

هذا الديوان هو الثامن في سلسلة إصداراتي الشعرية. المغيّب هو الغائب بفعل إجباري، هو المُهجّر، وهو المنتقل إلى الفكرة الأسمى، وهو في ذلك كله واضح وحقيقي وشرعي ومشروع، ولهذا يعتقد أنه لا تأويل له سوى ما يبدو عليه.

تتنوّع القصائد بين الحنين والغياب والمعاناة والحب والمرأة والأرض، فهل هو عصارة تجاربك ورؤيتك في قضايا الإنسان المختلفة؟

بالتأكيد، قلت عن الحنين في قصيدة تحمل الاسم ذاته «هو اكتمال الصدى في عيون العاشقين»، وفي هذا الصدى يحضر الغياب والمرأة والأرض والحب والشوق. نشرت ثمانية دواوين لكنني كتبت قصائد ونصوصاً شعرية تملأ عشرة دواوين جميعها تناولت ما تفضلت من تنوع.

القصيدة المعرفية

في شعر أنور الخطيب نبضات فلسفية، فهل هي نتيجة تراكم ثقافي معرفي أم تساؤلات لم يجد لها أجوبة بعد؟ يقول في هذا الشأن: «أعتقد أنها نتيجة الاثنين معاً، وأنا أميل إلى القصيدة الحاملة للمقولات والرؤى، أي القصيدة المعرفية، أنا لست شاعر مناسبات ولست انفعالياً ولست إيقاعياً. أميل إلى قصيدتي النثر والتفعيلة، وإن حضرني الإيقاع في لحظة ما في القصيدة لا أغض الطرف عنه على أن يكون تلقائياً».

http://www.aljarida.com/articles/1539530155425701800/

أنور الخطيب: لا أعرف معنى دقيقاً للوطن.. والمنفى جَرّح روحي

شاعر وروائي فلسطيني يغزل وَجَعه ويبحث عن غابات لم يمسسها بشر

أنور الخطيب: لا أعرف معنى دقيقاً للوطن.. والمنفى جَرّح روحي

خضوع القادة للكيان الصهيوني؛ وتفوُّق 12 مليون يهودي على 300 مليون عَربي؛ والانقسام الفلسطيني فانتازيا قذرة وحقيرة

ألوذ بالكتابة لأنها الأكثر حماقة وجُبناً في زمن الزِّنا بأطهر القضايا

خضوع القادة للكيان الصهيوني؛ وتفوُّق 12 مليون يهودي على 300 مليون عَربي؛ والانقسام الفلسطيني فانتازيا قذرة وحقيرة

اتحاد الكُتَّاب العرب مؤسسة تُشبه جامعة الدول العربية في عَجزها ورجعيتها وتخلُّفها، وزعماء اتحادات الكتاب يُشبِهون الميليشيات الموالية للأنظمة

أصْغتْ لبَوحه: حورية عبيدة

 

قادِمٌ مِن برْد المنافي؛ طاعنٌ في غربته، يتلو سورة الحُزن المُصَفَّى، يتساءل -متمرداً غالباً وراضياً نادراً- مَنْ أَذِنَ للوجع الدفين أن يتمدد في صدره! لكن؛ ما إن تلوحُ له زيارة لبنان؛ إلا وتتملَّكه فرحة طفل متلهف؛ لحظتها تتهلَّل أوتار صوته وهو يزفّ إليّ الخبر: “اليوم ستعانق عيناي فلسطين”، حينها يقتنص بكاميرته اللحظة الحُلم؛ من فوق أعلى صخرة في الجنوب اللبناني؛ مٌطلّاً على وطنه؛ شاهراً علامة النصر؛ بروحٍ دأبتْ على التمرد والانعتاق، وسْط رُكام التدني والأوهام والمتاهات والزَّيف والضياع، قابضاً على ستة عقودٍ عُمْر حُلمه؛ ومنفاه؛ واغترابه؛ وآلامِه؛ ولهفِه؛ وشغفِه؛ ويقينِه؛ وصمتِه.. ففي لغةِ المنافي تصير لغةُ القواميس أصغر مِن شهقة حزنٍ، لكن يبقى في فمه ماءٌ تحَجَّرَ ينتظرُ أجراس العودة.

قدَرٌ تأبَّطهُ؛ ومضى به إلى حيث لم يشتهِ، فوطِئ قلبُه أشواكاً أدْمته.. التقيتُه ليتحرَّر مِن أوجاعه؛ فباح وكأنه لم يبُح! فقد جاء في عصرِ مَن يجيدون الصراخ والنّفاق والمُتاجرة، ولا يجيدون تلبية النداءات أو الإصغاء وممارسة الحقيقة، أردتُ تقريب صورته للقارئ فزادَها غموضاً! حين ترفَّع عن الكلام عن عطائه الأدبي الباذخ ومؤلفاته؛ ما بين روايات؛ ودواوين شِعرية؛ ودراسات نقدية؛ غير مئات المقالات في الترجمة والشأن الأدبي والثقافي، لأنه لا يُجيد الجهاد في سبيل الانتشار على حدِّ تعبيره، بل ويرفض الكلام عن الأدب والشِّعر والرواية العربية! فغدَتْ الكتابة عنه أكثر صعوبة! لذا لم أجد بُداً مِن تركه يبوح ويغزل “وجعَه” الذي رافقه مذ ولادته في الغربة وأضحى مِن رعاياه؛ فصار غولاً يقتاتُ رُوحه، وباتت فواصل صمْتِه المُثقلة بالهواجس تستحقُ الإنْصات.

-“المشهد” تحاور الأديب والروائي والشاعر والمُترجم والإعلامي الفلسطيني “أنور الخطيب” الذي بادرني بقوله: هل تعلمين يا سيدتي؛ ودَدْتُ أن أفقدَ لُغتي، والأغنيات التي تتردد في جمجمتي، وأسماء الشعراء والزملاء، والمدن والقرى التي أقمت فيها أو زرتها، ومحتوى الكتب والصحف التي التهمتها، والكتب التي دونّتها سِيَّما شخوصها، ومكان وتاريخ مولدي، والنساء اللاتي عرفتهن باستثناء، لأملأ دهاليز الذاكرة بالطيور المهاجرة؛ تحطُّ قليلاً في مواسمها، تحكي لي طقوس الإفطار التقليدي في بلادها، والعُرس التراثي في مساءاتها، والموت غير المُسبَّب في نزاعاتها، وتترك لي حكمتها في أضعف ركنٍ من الدماغ، ثم تطير إلى الفضاء الضرير.

*وددتَ أَلَّو أخذْتَ زاداً مِن النِّسيان؟

-بل الفَقْد بكامل أبَّهته، كأنّي ما نطقتُ يوماً، وما سمعتُ شيئاً أبداً، ولم أقابل أحداً، ولم أقرأ، ولم أكتب، ولم أعمل شيئاً، ولم أعرف مدناً أو أصدقاء أو نساء، أبحث عن البياض الكامل، عن ذاكرة جنينٍ لم يخرج مِن رحمِ أمِّه، أو ما قبل النُطْفة، ربما إلى الفكرة العُذرية، والتصور البِكر، والغابات التي لم يمسسّها بشر، ولا بأس أن تكون الحيوانات قد مرت بها أو تقطنها.

يتملكُكَ قِسطٌ وفير مِن الأذَى..

-الأذى مُفردَة بسيطة، فأنا أشعرُ بالتلوث، ككرةٍ ممتلئة بالغبار البكتيري والجرثومي والنووي لم تنفجر بعد، أو دعيني أقول كحصّالة جمعتُ فيها غضبي الذي كان يجب أن أترجمه إلى صراخٍ ولم أفعل، دجّنتُ فيها قهري الذي كان عليّ أن أترجمه إلى شتائم ومسبات ولم أفعل، خبأتُ فيها قنابلي التي حقَّ لي أن أُفجِّرها ولم أفعل، جمعتُ فيها مشاعر حُبٍ كان يجب أن أبوح بها لأصحابها ولم أفعل، أشعرُ بتلوثٍ حنيني وحناني، هل تعلمين يا سيدتي لو جسدنا هاتين الكلمتين إلى حالاتٍ حتماً ستنفجر الكُرة.

*وبعد أن تنفجر الكُرة؛ ويخلو لك وجه العالَم أبيض طهوراً؛ ماذا ستؤسّسُ؟

-أُأَسِّس؟! لا أحِب هذه الكلمة، لأنها تعني تأسيساً للقَيد، كما فعلوا بالشِّعر والنَّثر والحُبِّ والأوطان، تعني الروتين والتقليد والعادة؛ وكلها تقتل أي زائرٍ جديدٍ إذا رفض التأطير والإلتزام، مَن قال أنَّ الشِّعر وزْنٌ وقافية؟! وأن المسرحية فقط على خشبة مسرح؟! وأن الوطن تحدّه البحار والجبال والوديان؟! لقد مَنح الإنسان لذاته هوية ليست له، وانتماءً لمكانٍ ربما لم ينحدر منه، فمن يعلم على وجه الدقة الجغرافيا الأولى التي أتى منها؟ كما منح لذاته إلهاً؛ وفي الواقع نصَّبَ ذاته إلهاً وقتل باسمه! المعرفة القطعية تدَمر صاحبها ومجتمعاتها، وتبتر الإبداع وتعتقل الرُّؤى، لهذا لا يحق لي التأسيس إلا لنَفسي فقط؛ ولمرحلة محددة، أُلغي بعدها ما أسَّستُ، ولا ألزِم به أحداً، لأن كائناً آخر قد يأتي من أي فضاء آخر يؤسس معايير أخرى، وقِيماً أخرى، وفي النهاية لا ثبات في الحياة، فالبياض مطلوب بين كل حقبة وأختها، والتراكم الطويل مُضرّ؛ باستثناء تراكم العلوم.

*”الوطن”.. ماذا يعني لكَ؟

-لا أعرف معنى دقيقاً للوطن؛ سِوى أن المنفَى جرّحَ رُوحي كثيراً، فكادتْ تنزف مِن جهاتها السِّت، ولدتُ في المنفَى أو الشتات، وكبرتُ؛ وكبُر معي المنفَى حتى صار غولاً يقتاتُ عليّ، حتى الآن أتعامل مع كل شيء تعاملاً مؤقتاً، مع البيت وأثاثه؛ والعمل؛ والأصدقاء؛ والزملاء، مع الحُب والكتابة أيضاً، أستعجلُ إنهاء روايةٍ أو قصيدةٍ أو مقالةٍ، وأُعيد كتابتها أكثر مِن مَرة؛ ثم أُحرِّرها منّي لأبحث عن انشغالٍ آخر أتآمرُ به على المنفى، أهربُ مِن عينيه الجاحظتين المحمرتين دائماً، أفرحُ قليلاً لنشر رواية أو ديوان؛ ثم أَنهمكُ في مآلاته، فكيف يمكن لغريبٍ أن يُؤسِّس مكتبة؟ وكيف يمكن لمنفيّ أن يتعامل مع مهنة الكتابة كوطن؟ لا يا سيدتي، الكتابة ليست وطناً، بل ملاذ آوي إليه وأختبئ فيه منّي، ففي ظل الفساد الثوري؛ وغياب القيادات التاريخية؛ والانبطاح والزنا بأطهر القضايا الوطنية والإنسانية؛ تقلُّ الخيارات، خاصة في هذا الزمن الموبوء بالارتهان للآخر، لستُ من الذين يفجِّرون أنفسهم (لأموت) أو يُدمنون المخدرات (لأنسى)، فالكتابة أقل ضرراً؛ وأكثرها حماقة وجُبناً، لأن الكِتاب يحتاج إلى رعاية كبذرة القمح، والرُّعاة عَنَّا مشغولون بالمال؛ والسُّلْطة؛ والعلاقات؛ والمهرجانات.

*كيف تنظر لإصداراتك الأربعة والعشرين؟ وهل تراها خفَّفتْ غُربتكَ وشقاء ذاكرتك؟

-غالباً ما أنسى أنِّي ذلك الكاتب صاحب الرصيد الكبير مِن الكتب رغم عدم تفرغي للكتابة، فقد عملتُ أحياناً 16 ساعة يومياً، كنت أجْترح الوقت لأكتبَ، هرباً مِن الشعور الأليم بالغربة، فالغربة ضعفٌ؛ أُداويه بالصمت والهدوء، وكغريبٍ يسعى ليكون مؤدباً يراعي أصول الضيافة والمضيف، فالوطن قوة مهما كان شكله؛ فقيراً أو صحراء بلا جبال ولا غابات ولا بحيرات ولا أنهار، ما يؤرقني افتقادي لما أعتز به في الوطن، فأنا لم أر بساتين يافا؛ وسور عكا وبحرها؛ ولا سِحر حيفا، ولا ذاكرة لي في مساجدها وكنائسها وشعبها، ولا أقيم علاقة مع خيالاتي وأوهامي، لكنني أتمسَّكُ بهذا الوطن المُسمى “فلسطين” وإن لم أره، فلا أعرف سِواه ولا أشتاق إلّاه، ورثته عن ذاكرة أبي التي صدَّقتها وآمنْتُ بها، لكن الحقيقة التي لا يريد أحدٌ مواجهتها أنَّ الوطن يبتعد كل يوم، اللاجئون يُهاجرون نحو جنسياتٍ أخرى، وفي المنفى يتذكرون أوطانهم أكثر! يرتدون الكوفية؛ ويخرجون في مظاهرات، والقيادات والمؤسسات الفلسطينية صدَّقتْ كذبة “الدَّولة؛ رغم أنها تعمل تحت عيني الاحتلال! وتماهَى المثقفون في الداخل مع تلك الكَذِبة، ويتعاملون معنا -نحن اللاجئين- كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، حتى أنهم لم يجتهدوا في تكوين فروع لاتحاد “الكُتَّاب الفلسطينيين” في الشّتات، وحين يزور وفدٌ من الأمانة العامة –والتي مقرها “رام الله”- الإمارات أو غيرها؛ فإنهم لا يتواصلون مع أحدٍ؛ إلا مع مَن يلبي مصالحهم! لذا لا أفرح لحضورهم؛ طالما ينتظرون منِّي البحث عنهم، والأمر ذاته مع السياسيين، كذا السفارات الفلسطينية التي لا تعتبر نفسها مسؤولة عن اللاجئين!

*لكن لُبنان يصْغي لكَ ويحْتفي بكَ..

-لُبنان بلد المَولِد والمَنشأ؛ حين أزوره يَحتفي بي، بينما لا تلتفت المؤسسات الفلسطينية لحضوري! لأنّي لا أنتمي لأي تنظيمٍ أو حزبٍ؛ فلا يكفي أن أكون فلسطينياً!.. لبنان يعج بالمنتديات والصالونات غير الرسمية، وأنا مَدينٌ لهم برعايتهم الجميلة الحضارية، وأَدينُ للإمارات أيضاً احتضاني سنواتٍ طوال بحُبٍّ ورُقي، حيث أنجزتُ معظم كُتبي، والمؤسسة الثقافية الرسمية تتفهمني ككاتب فلسطيني لديه هواجس ومواقف، وفي لبنان أزور أهلي الميتين في مقابرهم، أُحدِّثهم عن نَفْسي، أسألهم عن صحتهم، أزور قبر أمي، وأبكي كما لو أنها مُسجّاة أمامي وفارقتها الرُّوح اللحظة، وقد وهبتها روايتي “شَوقٌ مُزمِنٌ” أُحاورها فيها وأستمع إليها.. ولا بأس إن اعتبرها النقاد سيرة ذاتية مع بعض الفانتازيا؛ فحياتنا –يا سيدتي- سلسلة مِن الفانتازيا.

*فانتازيا؟!

-نعم؛ فخضوع القادة للكيان الصهيوني فانتازيا، وتفوق 12 مليون يهودي على 300 مليون عربي فانتازيا، ووجود متعاملين فلسطينيين مع استخبارات العدو والدول الأخرى فانتازيا، واستمرار اعتماد اللاجئين على الأونروا فانتازيا، ووجود سفراء لدولةٍ لا وجود لها فانتازيا، ووجود وزراء يُصرون على مناداتهم بلقب “معالي” فانتازيا، رغم أن هذا “المعالي” يتحول إلى نكرة على المعابر الصهيونية، وسير القيادات الصغيرة بصحبة مرافقين فانتازيا، والانقسام الفلسطيني فانتازيا قذرة وحقيرة.

كل هذا يمنعني مِن الجهاد في سبيل انتشاري كروائي وشاعر، فالساحاتُ ليست لي، والثقافات السائدة حالياً ثقافات بوليسية، وزعماء اتحادات الكتاب العرب يُشبهون الميليشيات الموالية للأنظمة، واتحاد الكُتاب العرب مؤسسة تشبه جامعة الدول العربية في عجزها ورجعيتها وتخلفها، تخيلي أن يقول أحد هؤلاء الزعماء أنه غير مرغوب بي في نشاطاته؛ فقط لأنّي لا أُداهن؛ وأمارس حقي في الرَّد، فيتم تجاهلي عمداً، لكنّي لا أكترث، فأنا أمارس الكتابة، والحمد لله أنها تتم بدون وسيط، أكتبني دائماً، وأزعم أنّي أمَثل الإنسان الفلسطيني المحتقن عاطفياً ووطنياً واجتماعياً، ولا أنتظر تقديراً أو جوائز من أحد، فأنا أكتب لأعالج نَفْسي بنفْسي، لأقول بما تبقى مني أنّي هنا؛ أنَّا هنا.. لهذا أمتنع عن الحديث عن الرواية العربية؛ وواقع الشِّعر العربي؛ والأدب العربي؛ والترجمات وغيرها، لأن هناك مَن يبعث عنصريته ويقول: ما شأنك بنا؟ نحن أحرار بمؤسساتنا.

فقط لهؤلاء الذين يطالبون بمحاكم أدبية تغربل السَّاحات الإبداعية وتصنِّف الكُتَّاب؛ أو تحرمهم مِن حقهم في التعبير، أقول: كفاكم دكتاتورية وممارسة لأمراضكم النفسية، الحمد لله والشكر للفيسبوك وتويتر واليوتيوب الذي حطَّم سُلْطتكم، اتركوا الشباب يكتب ويُعاقر الحَرف، سيبقى مَن له موهبة ويتراجع المُدَّعي، فدعواتكم -وإن سادها حِرصكم على الشِّعر والرواية- ما هي إلا استعراض السلطوية الدفينة، والغِيرة السَّمجة.

صحيفة المشهد- مصر

https://elmashhad.com/Post/details/94437/

قراءة في ديوان آيتي أن أكلم الناس بقلم باسل عبد العال

قراءة في ديوان آيتي أن أكلم الناس

       

باسل عبد العال*

اقفلوا باب اللغاتِ فلا أراني / ولا يراني أحد / الحرفُ طوع محنتي / خاشعٌ إذا ارتدّ، ماردٌ إذا سجد،/ ولا تقولوا / إنني أهوى التصعلكَ في السماوات العلى / أو إنني الفردُ الصّمد / آيتي؛ أن أكلّمَ الناسَ من شرفةِ الضوءِ/ أبعث فيهم دمي / أسرّب صوتي لطفلٍ / تلعثم في يومِ جمعةٍ / تنهّد في يوم أحدْ.
هكذا أنشد الشاعر الفلسطيني أنور الخطيب في ديوانهِ الأخير ” آيتي أن أُكلّم الناس ” الصادر عن دار مداد ، ،دولة الإمارات العربية المتحدة – دبي ، ويحتوي على 57 قصيدة ، عدد الصفحات 136.
آيتي أن أُكلّم الناس ، نتلمّس في القراءة الأولى للعنوان روحُ الجوهر الذي ينبثق من المعنى الأوّل لأيَّ كتاب يقع في أيدينا ، ولاسيما حين يكون العنوان جزء لا يتجزء عن المضمون ، الآية ، والناس ، والكلام ، وممّا لا شكَّ فيهِ ، أنَّ الملهم الأوّل في القراءة الأولى فيهِ ،هي لغة القرآن وحكمته أو وصيتهِ التي توقظ الباطني نحو الظاهري ، وتمزج الواقعي بالسّماوي ، هنا يأخذنا ديوان آيتي أن أُكلّم الناس إلى البحث عمّا يريد الشاعر أن يُكلّم الناس في آيتهِ / قصيدتهِ ، هل سيتلعثم في يوم جمعةٍ كما قال ، حيث يرتبك في النطق لأنّ التباساً ما حدث أثناء خطبتهِ ؟ أمَّ أنّهُ تنهّدَ في يوم أحدٍ، خوفاً واضطراباً من قلقٍ قادم ؟، هي أسئلة الجوهر الأولى في الديوان ، لذلك اختارها الشاعرعلى الغلاف الخارجي ، كلمات قليلة الإيقاع ، كثيرة المعنى ، ورؤى تطلق صراح الحمامات البيضاء الجميلة ، حيث الفضاء مفتوح للتأويل ، لاكتشاف الجمالي الذي يتوسَّد العفوي في النصوص .
قطّعوه ،
ونادوه فلم يأت أحد / آيتي أن أوقظ الطفل في كهفه / وإن لم يفق / أوقظُ الكهفَ في طفله / وإن لم يفق / أعيد الطفل إلى رحمه / فاقفلوا باب اللغات / في انتظار بعثه من الشتات / مبتهلا: مددٌ يا أنايَ مدد..
لم تسقط هذه الكلمات سهواً على الورق ، فقط. كي تسمّى شعر ، إنَّهُ الشعر الذي يحفر في الأثر ، حين تضيع الهوية في غياهب الشتات ، مِن أين جاء الطفل الذي كَبر وترعرعَ في المنفى ؟ هل هو مجرد رقم؟ يقفز هُنا وهناك بين أيدي موظفي المنظّمات الدولية ؟، ويكتشف في النهاية التراجيديّة أناه ، هو بالطبع نشيد الخطيب ، الشاعر الذي لا يكفُّ عن النبش في إسمهِ ، يقول :
أنا الشاعر الغريب المغرّب / العاشق المعشّق / المعذّب حد الطرب / أدوزن ليلي بريشة نجمة شاعرة / تنثرني على قميص نوم القصيد / بلا قافية ولا تفعيلة / وإنما / كخمرة ، من كأس روحها تنسكب .

أن يفتتح الديوان ب أ نا الشاعر الغريب المغرّب ، تكفي كي يُشعلَ أرض القصيدة بصدمةِ الأسئلةِ التي ذكرناها مُسبقاً ، أن يبدأ باشعال النّار في المعنى ، تلك هي جراح الهويّة التي دفعت شاعرنا إلى صياغةِ المقدّس أوّلاً ، فعناوين القصائد ” خيول اللهفة ” و ” مسقط الجباه ” و ” باب القيامة ” و ” أحد ما ” و ” شهيدة” و ” زنبق مر ” ألخ … ، و تفسيرَهُ الشعري لحروفِ ” ف ل س ط ي ن” ، كلُّها توحي بذاك المقدَّس المتشبّث بالقصيدة الأولى حتى الخاتمة. يقول :
فاءُ.. الفؤاد المتيّم بالفقد / فلٌ تبرعم فوق فمٍ / فاح في تجلّي الروح ..
ولامٌ.. تلوم تلال الخلايا على بعدها / وتلمّ السفوح / وسينٌ.. سنابك خيل اللسان استلّ صهيل الجروح..
وطاءٌ.. يطن بطين القرى، يطال ظلالاً تطول / توطّن طير القلوب طيّ الحقول،/ وياءٌ.. يمام اليتيم يئن بيقظة يرغول يافا / ويمشي بيمّ الحبيبة حتى يواري النزوح / ونونٌ.. نوّار نهد النهار، تنهّد،/ نزّ حنيناً من سورة التين…
حروف فلسطينهُ ترنُّ وحدها في عاطفيّةِ المُتلقّي ، هل لأنّها فلسطين فقط ؟. أمَّ أنّ تلك الفلسطين ، هي عزف منفرد بأصابع مِن نزيف؟ ليس تأويل الشاعر، فحسب ، بل هو أيضاً ، تأويل الذاكرة التي تستدرج الخيال إلى تأمّل فلسطينيّة الشاعر ، وَيختم :
حروف تحمل الفل والطين، والفن واللين / تعويذتي في لحظة التيه، سقوط النياشين/
أقوم إليها بليلٍ كأني أقوم لربٍ / وحين يوُسْوَس لي / أعوذ متمتماً: لكلٍّ فلسطينه / ولكلّي فلسطين .

هكذا كَلّم الشاعر أنور الخطيب النّاس في ديوانهِ السابع ، آيتهُ قصيدتهُ التي تعرجُ إلى النفس بخطوات الجمال الواثقة كالراقصة ، لغتهُ تسبح في ماءِ المرايا التي تعكس صورتهُ ، هذا أنا أنا / وتلك أنا الجماعة .

*باسل عبد العال/ شاعر وصحفي ثقافي مقيم في أبوظبي

https://thakafamag.com/?p=15480

مجلة الثقافة الجزائرية

قراءة في رواية شوق مزمن لأنور الخطيب بقلم د. سهام أبو العمرين

قراءة في رواية شوق مزمن لأنور الخطيب

بقلم: د. سهام أبو العمرين

   

نلتقي اليوم لنتحدث عن رواية “شوق مزمن” للروائي والشاعر “أنور الخطيب” الذي استطاع أن يؤسس خطابًا إبداعيًّا ذا خصوصية من خلال طرحه لقضايا تخص الذات الباحثة عن المعنى في عالم خرب. كاتب مهموم بقضايا الوطن والإنسان، مؤرق بأسئلة الهوية والوجود، مازال يعتنق الحلم ولم يتخل عن الأمل رغم تكالب الهزائم على جسد الوطن بفعل المتآمرين.
الوطن الذي يكتبه ويريده أنور الخطيب ليس مجرد “الوطن الفكرة” بل الكيان الواقع، هو “صباحات خبز في باحة الدار غير مغمسة بالمؤقت” كما يقول. والشعور بالمؤقت هو شعور يصاحب المنفي/ المبعد/ اللاجئ هذا الشعور الذي كثفه أنور الخطيب ليخرج لنا برواية “شوق مزمن” ذات البناء الهندسي المحكم والدلالة العميقة.
الرواية ُكجنس أدبي “عملية بحثٍ مستمر ” بحثٍ عن الهوية لتأصيلها، وعن المعرفة التي أضحت ضبابية غير يقينية، وعن الذات التي بدت منقسمة تائهة في عالم تتبدل قيمه وأعرافه، لتصبح الكتابة الروائية فعلا وجوديًّا يثير الأسئلة المعرفية وخطابًا منفتحًا تتعرى فيه الذاتُ الساردة وتتكشف، معبرة عن طموحاتها وأحلامها، ناثرةً هواجسها وفواجعها.
لم ينفصم الأدب ولا سيما الفلسطيني في أي وقت من الأوقات عن قضية الإنسان، فهما أمران متلازمان، فعلى مدار سنوات الصراع والمواجهة مع العدو الصهيوني كان الأدباء أكثر وعيًّا بمجريات الأمور منذ الفجيعة الأولى/ النكبة عام 1948التي طالت الذات الفلسطينية وشردت أبناءها ثم النكبة الثانية 1967 وبداية فصول تراجيديا الهزيمة العربية وإسدال الستار عن حلم الذات المنتصرة، إلا أن الأدباء غذوا الفكر العربي بوقود المقاومة، إذ أسهمت أعمالهم الأدبية شعرًا ونثرًا في النهوض بالدور البطولي المقاوم في الوطن وفي منافي اللجوء، فقدموا نقدًا لاذعا للواقع الذي أعادوا تشريحه رمزيًّا، إذا تمسك الأدباء بحلمهم بالعودة وتحرير الوطن برهانهم على المقاومة المسلحة إلى أن مجريات الأحداث كادت أن تقتلع أحلامهم إذ صدموا بخروج الثورة الفلسطينية من لبنان إلى أن ولد الحلم من جديد بالانتفاضة الأولى، ليتلاشى الحلم بعد عقد اتفاقية أوسلو لينقسم الأدباء بين مؤيد ومعارض لتجد الذات الفلسطينية نفسها تائهة وقد فقدت البوصلة بعدما ضلت الطريق نحو الوطن لاسيما بعد خيانة الأنظمة العربية والصراع الفلسطيني الفلسطيني.
تشابكت الخيوط وحادت الذات الفلسطينية عن الطريق ليعود السؤال طازجًا وملحًا بعد سلسلة من الهزائم كيف السبيل للوطن لهؤلاء اللاجئين الذين ضاقت بهم المنافي، يطرح “أنور الخطيب” روائيًّا هذا السؤال بتأكيده على حق العودة وحفظ الإرث والهوية الفلسطينية رغم تعاقب الهزائم، فإذا فرط السياسيون بالأوطان وتنازلوا عن حقوق المشتتين في بقاع العالم، فإن الروائي لازال يتلمس الحلم بالعودة لوطن حر خذله المتآمرون.
رواية “شوق مزمن” هي التجربة الروائية الرابعة عشر للروائي “أنور الخطيب”
يتكون النص الروائي من عشرين فصلا ، تقدم الفصول بشكل اللوحات المشهدية المستقلة بنائيًّا، ولا تعتمد على مبدأ الصيروة الزمنية بل تنثال الأحداث عبر وعي الشخصيات التي تجوب الزمان وتراوح المكان، وقد نسج السرد الروائي عبر تفعيل تقنية تعدد الأصوات وبالتالي المنظورات بتعدد الرواة، كانت السيادة لصوت “صابر عبد النبي” الشاعر الحكيم والذي يعد “أنا” لشخصية السارد الثاني “صلاح” الذي تدور حوله أحداث الرواية المركزية، ثم ينسج السرد بتتابع الأصوات/ الرواة الذين يدور حديثهم عن “صلاح”، ليكون صلاح مفعول الحكي وفاعله في الآن ذاته، هذه الأصوات هي: ” نجاة”، “الملازم أول عبد الله”، “سلمى”، و”فوزي”، و”أميرة”، و”العقيد زهرة”. وجميعهم تربطهم علاقة بصلاح في حاضر السرد وماضيه.
تأتي خصوصية رواية “شوق مزمن” للروائي والشاعر أنور الخطيب من الزاوية التي جسد بها المؤلف مأساة الفلسطيني المفجوع بتغريبته، حيث الذات الفلسطينية التي وجدت نفسها في مواجهة العالم غريبة في المنفى، فقد ألقى الروائي رمزيًّا أضواء كاشفة على الواقع المرير للفلسطيني في مخيمات اللجوء، بتفكيكه وتشريحه لواقعه وإعادة بنائه نصيًّا بلغة تقطر شاعرية وبرمزية شفيفة، غاص في الذاكرة الجمعية وكتب وطنه المخذول عبر كتابة حكاية السارد/ صلاح منذ أن تفتق وعيه المبكر بالانضمام لصفوف المقاومة الفلسطينية بصور، وسرد حكاية تعلقه الرمزي بأمه “أم الفؤاد” التي اختزلت معنى الوطن و التي توفيت بمرض “الشوق المزمن”, وقد تجاوز الروائي أسلوب السرد التقليدي وقدم بنية روائية تعتمد على تعدد الأصوات والمونولوج والاسترجاع ببعديه: القريب والبعيد، وتفعيل تقنية ضمير المخاطب التي وظفها الكاتب دلاليًّا ليستحضر عبرها الغياب في رغبة أكيدة لا لاستبقاء الذكرى لكن لتأكيد استمرار الماضي في قلب الحاضر والتأكيد على الهوية الباقية..
ثم تحدثت د. سهام عن العتبات النصية في النص، وقالت:
العتبات النصية هي أول ما يواجهه المتلقي، وهي دوال لها أهمية كبيرة بما تنسجه من خيوط تناصية مع دلالة المتن النصي، تكشف عن جماليات النص ومفاتنه، وهي علامات تغذي المتلقي ببعض المعاني التي تصاحبه مبدئيًّا قبل الشروع بالقراءة من هذه االعتبات: الغلاف، وعنوان الرواية، والإهداء، والعناوين الفرعية، والحواشي الجانبية والسفلية. والوقوف سيميائيًّا على هذه الدوال يسهم بشكل كبير في فض مغاليق النص بما تؤسسه من معان لها علاقة ببنية النص العميقة.
أولا -لوحة الغلاف:
علامة أيقونية تحمل رسالة بصرية، فالألوان وما تتضمنه اللوحة من خطوط ترسم ملامح وهوية النص، وتثير الأسئلة في ذهن المتلقي التي تصاحبه وهو يقرأ النص، ولوحة غلاف الرواية للفنان البريطاني “جورج فريدرك واتس”
ونرى في اللوحة امرأة معصوبة العينين و حافية القدمين وهي تجلس في وضع انحناء فوق مجسم للكرة الأرضية بينما راحت تعزف على آخر وتر تبقى في قيثارة مكسورة, تعبر عن تمسك الإنسان بالأمل ورفضه الاستسلام لليأس، فالمرأة مستمرة في العزف رغم أنه لم يتبق سوى وتر وحيد في قيثارتها.
إذا المعنى الأوليّ الذي يتحصل على المتلقي هو “الأمل” وهو المعنى ذاته الذي يؤسسه السرد، فأحداث الرواية التي تستعرض حياة “صلاح” في المنافي تنتهي بتأكيد حق العودة للفلسطيني لوطنه، وهي التيمة الرئيسية التي دارت حولها أحداث الرواية، يقدمها الروائي بشكل فانتازي عندما يلجأ لمقبرة والدته التي توفيت في المنفى يستحضرها بضمير المخاطب، في طقس رمزي لاستبقاء الذكرى واستنهاضها وسكان المقبرة الأموات من اللاجئين يدعوهم للعودة الرمزية للديار، فأضحت المقبرة عتبة لحياة جديدة.
وفي الغلاف تم تحديد الجنس الأدبي وهو كلمة “رواية” أسفل الغلاف من اليسار، وهذا ميثاق سردي قد أبرمه الكاتب مع المتلقي يؤكد من خلاله على أن أحداث العمل والشخصيات من صنع خيال الكاتب، وهذا ما أشار إليه الراوي منذ نسج السطر الأول من الفصل الأول المصاغ بصوت صابر: ” وجدتُ هذه الرواية على قبر أم الفؤاد…”.
على الرغم أن الإهداء قد يوحي للمتلقي، بعد أن يكون قد انتهى من النص، أن هناك خيوطًا سير ذاتية بين حيوات شخصيات الرواية والشخوص الذين أهدى لهم الكاتب نص روايته:
ثانيًّا- الإهداء:
جاء على الشكل التالي:
الإهداء
إلى: أرواح شخوص الرواية
أمي حاجّة وأبي محمد وأخي عاطف…
ولي…
والإهداء يكتبه المؤلف لا السارد وبالتالي نص الإهداء يقود المتلقي للربط بين الأسماء الواردة بالإهداء وأسماء شخصيات الرواية الرئيسين:
أمي حاجة – أم الفؤاد
أبي محمد – أبو القاسم
أخي عاطف – الفؤاد
لي (المؤلف)- صلاح/ صابر (ولعل صفة كون صلاح كاتبًا وصحافيًّا، وكون صابر / أنا صلاح وضميره شاعرًا يغري المتلقي بعقد هذه الصلة).
وهذا ما يجعل النص الروائي/ الخيالي يتعالق بعالم الواقع بأكثر من زاوية، ولعل أوضحها هو اشتراك الروائي والراوي في صفة كونهما منفيين عانا اللجوء ويحلمان بالعودة، فضلا عن الاعتراف المبطن في نص الإهداء بقوله “إلى أرواح شخوص الرواية”، ليصبح النص الروائي “شوق مزمن” نص مفتوح على الواقع يستدعيه ويجتره من جديد بثوب روائي محكم، لتكون الرواية وكما قدمها الروائي هي رواية كل منفي ذاق الإبعاد وعومل على كونه غريبًا.
ثالثًا – العنوان
عتبة النص الأولية ومفتاح دلالي لا يمكن تجاوزه، قد يقود للدلالة التي يؤسسها النص وقد يكون مضللا .
وتلغيز العنوان وتفخيخه دلاليّا يغري المتلقي بالقراءة، وخاصة إذا ما اعتمد على تركيب غير مألوف أو متجانس كهذا العنوان المكون من دالين، وإسناد الشوق لصفة “مزمن” يثير تساؤل المتلقي مبدئيًّا، كيف يكون الشوق مزمنًا؟ لا سيما أن دال “مزمن” غالبًا ما يرد مع دال “المرض” فيتلازمان “مرض مزمن”، جاء في المعاجم العربية حول دال “مزمن:
مُزمِن: (اسم) فاعل مِنْ أَزْمَنَ
“أزمن الشيء: مضى عليه الزمان فهو مزمن””وأَزْمَنَ بالمكان: أَقام به زَماناً، وأَزْمَنَ الشيءُ: طال عليه الزَّمان. يقال مرض مزمن، وعلة مزمنة.
أما الشَّوقُ: هو نزوعُ النَّفْس إِلى الشيء، أو تَعَلُّقها به.
وقد تردد العنوان بتركيبه كما ورد على الغلاف أكثر من مرة في المتن النصي، وأطل منذ السطور الأولى للنص الروائي في سياق اعتباره مرضًا أدى لوفاة “أم الفؤاد”، يقول السارد “صابر”:
“وجدت هذه الرواية على قبر أم الفؤاد، واسمها الحقيقي المنقوش بالخط الكوفي على شاهد القبر مريم بنت عبد المالك، وتحته ذُكر تاريخ ميلادها ووفاتها؛ 1925-2008، توفيت بمرض الشوق المزمن”.
الشوق الذي لازم “أم الفؤاد” وشخصيات الرواية بالعودة للديار لكنها ماتت بالمنفى، وشوقها كان شاهدا على فجيعة الفلسطيني الذي قضى نحبه وهو في حالة من الانتظار، يقول السارد مستحضرًا إياها في الخطاب عبر تفعيل تقنية ضمير المخاطب:
“الغرابة في أسباب الرحيل يا أمي، هناك أمراض لم أسمع بها من قبل، أو لم أكن أعلم أنها أمراض مثل: داء اللجوء، سرطان الغربة، فيروس النكبة، التهاب الخيانة العربية، متلازمة مجلس الأمن الدولي، سفلس الأخبار، إيدز المؤتمرات، ذبحة التصريحات، السكتة الشجبية، الشوق المزمن”.
اختزلت رواية “شوق مزمن” زمنًا واسعًا للفجيعة الفلسطينية المتوالية من خلال قصة حياة ” صلاح” الذي تمظهر في السرد باعتباره راويًا ومرويًّا، فهو فاعل الحكي ومفعوله لتعدد الأصوات التي تستدعي حياته كمادة للسرد، بدأ زمن الخطاب منذ مجيء رجل في الستين من عمره وهو “صلاح” لمقبرة تضم مجموعة من الأموات الذين عاشوا حياة النفي واللجوء. ليضع روايته فوق قبر أمه “أم الفؤاد” ثم بعد ذلك يبدأ في استنهاض هؤلاء في طقس فانتازي رمزي يحثهم على عودة أرواحهم لبيوتهم وحواكيرهم، في تأكيد على استمرار وجودهم الذي بات مهددًا من قبل مجموعة تريد هدم المقبرة لما شاهدوه من طقوس غريبة يفعلها أهل الأموات حيث حواراتهم معهم، يقول صلاح:
“أيها الأحبة والأقارب والأصدقاء والجيران والمعارف الأوفياء، أيها المواطنون الكرام، أما وقد استجبتم لدعوتي المفاجأة وغير الرسمية، فإنني أنحني أمامكم جميعا محييا صبركم الطويل على منفاكم الاختياري، مقدّرا لكم انسجامكم وتفاهمكم ووحدتكم وتعاطفكم مع بعضكم بعضا، ومحبتكم التي تتبادلونها مع كل شروق شمس وغروب قمر، وتناسيكم للصراعات والانقسامات مقسمين على التشبث بهويتكم الواحدة، وأشكركم على رعايتكم لأم الفؤاد في حضورنا وغيابنا. أنتم تعلمون أن الأرض التي تقيمون فيها ليست أرضكم، وإن حمل بعضكم القليل جنسية هذه البلاد، وهذه البيوت ليست بيوتكم، والأشجار التي تظللكم ليست لكم، باختصار، لا شيء لكم في هذه الجغرافيا المضيافة، ولهذا سيتم نقلكم جميعا إلى بيوتكم التي عشتم فيها، وسيأتي وقت من الدهر يظن زائر هذا المكان أنه لا يزال يضمكم، سنتركه لظنه الذي يجلب له القليل من الاستراحة من شوقه المزمن لكم، لكنه سرعان ما سيكتشف أنكم لستم هنا، بل إنكم الآن لستم هنا وإن حضرتم سريعا، بل إن حضوركم السريع يؤكد غيابكم عن هذا المكان وسكناكم في أوردة الروح، في تجليات قلبي وقلوب أحبائكم، أنتم موزعون في القلوب، ولهذا، ستحتفظون بنضارتكم أبد الدهر، وحين تحين ساعة الرحيل إلى موطنكم الأصلي ستقومون قيامة رجل واحد، تمتشقون لجوءكم، تحملون بقجكم وتمشون مع الهواء الجنوبي المتجه شمالا، هناك ستنامون بهدوء، وستتداخلون بالتراب والجذور وتسيرون في جذوع الزيتون، وتحلقون مع العصافير التي ستضحك كأطفال في شهورهم الأولى. والآن اقتربوا من هامتي واسكنوا عيني وذراعي وكفيّ لنثبت هذه المخطوطة على بيت أمكم أم الفؤاد، قد يلعب بأوراقها الريح، قد يبللها المطر، لكنها ستبقى تقلب أوراقها من البداية حتى النهاية ثم تعود من الصفحة الأخيرة حتى الأولى، سأتركها في رعايتكم وأمضي، وقد أعود فأقيم معكم إلى أن يُقرعَ جرسُ الله، فمدوا أياديكم لنهدي أم الفؤاد كتابها، فهو هدية الغائب إلى الغائبة، والحديث المؤجل حتى اللحظة”.
بضمير المخاطب الجمع يستحضر “صلاح” أرواح الغائبين الذي يشترك معهم في صفة الغياب “هدية الغائب (ويقصد نفسه للغائبة ويقصد أمه)، فالنفي عن الوطن هو الغياب، أما العودة فهي الحضور الذي يجاوز حدود الزمان والمكان، إنها عودة رمزية تؤكد على التشبث بالهوية وعدم النسيان، لتصبح المخطوطة/ الرواية/ الهدية هي أيقونة الاستمرار والبقاء والصمود بتأكيد حق العودة.
وينتهي زمن الخطاب في المكان ذاته وحديث “صلاح” مع أناه “صابر عبد النبي”؛ صلاح الذي اختبر حياة اللجوء وكان شاهدًا على الواقع المهترئ بفعل الهزائم المتلاحقة، وصابر “أناه” الشاعرة وصوته الداخلي الذي يستحثه على مواصلة المسير، وكما لو أن الروائي يؤكد على فكرة أن الشعر والإبداع هو الذي يخفف من مرارة الواقع لذلك ارتبط اسم صابر بدلالة صبره على الحياة و”عبد النبي” لكون الشاعر نبي الكلمات التي تجعله موجودًا وتؤكد على حضوره الفاعل: “أنا أكتب إذن أنا موجود”، ولهذا كانت شخصية صابر هو المحفز لصلاح والذي يراجعه ويعطيه أملا في الحياة.
أما زمن الحكاية فهو ممتد يغطي حياة صلاح منذ أن تفتق وعيه المبكر بالثورة لينضم هو وصديقه “مصطفى” في سن الخامسة عشر من عمرهما لصفوف المقاومة.
ثم تحدثت د. سهام أبو العمرين عن الموت والفقد بالرواية ودلالته ومستوياته، ودلالة “المقبرة” كمكان افتتحت به الرواية، وتحدثت عن دلالة المنفى وبعض التقنيات التي وظفها الكاتب مثل تقنية تراوح الضمائر “أنا- نحن”، ودلالة ضمير المخاطب، وتوقفت عند صورة اللاجئ في رواية شوق مزمن وأنها تجاوزت الصورة التقليدية للاجئ المهزوم لكن الروائي قدم لنا صوة اللاجئ المثقف الواعي المتمرد الثائر، والذي لم يقبل بأن يعامل معاملة دونية أو أن يكون مستغلا لجهة ما.
وأكدت أن تجربة المنفى للفلسطيني قد خلفت جرحًا غائرًا في الوعي والكينونة، وأحدثت تشظيًّا في الهويّة، فقد كانت النكبة هي الصدمة التي أحدثت شروخًا عميقة للذات الفلسطينية التي أضحت مشظاه ببن الانتماء إلى الـ (هنا/ المنفى) والـ (هناك/ الوطن الضائع) لقد وجد الفلسطيني ذاته في مأزق وجودي وتحول المنفى بتوالي الزمن ومروره وتوالي الهزائم إلى ظاهرة مرضية؛ تحول من حالة الوجود “المؤقت” إلى أن يترسخ ليكون في حالة الوجود “الدائم”، لتتشظى الهوية إلى هويات بعد تسرب الأمل في العودة.
لتصبح تجربة المنفى تجربةً إشكالية تقذف الذات إلى أتون الأسئلة حول المصير والهوية التي أضحت مشرذمة، لتسفر الغربة عن اغترابٍ مركب بالتحول من فضاء المعلوم للمجهول، من الحضور للغياب، لتعلق الذات في شرك الانتظار. ولا شيء يبقى سوى الذاكرة!
وأوضحت أن الكاتب وفق في تقديم صورة اللاجئ الذي عاش الغربة والاغتراب من خلال شخصية “صلاح” الذي جسد حالة تداخل الهويات وتشظيها من خلال حواره مع “أناه” صابر عبد النبي، والذي عكس الكاتب من خلاله قضية تعدد الهويات.
هي رواية ثرية تستحق الوقوف عندها نقديا لما تعرضه من مضمون صيغ في قالب محكم البناء والأسلوب.

بعد أن أتمت الدكتورة سهام عرض ورقتها فتح الباب لحوارات الجمهور فكانت أولى المداخلات للروائي محمد نصار، وقد استهل حديثه بتقديم الشكر الجزيل لصالون نون الأدبي لهذه الجلسة القيمة، وشكر آخر للدكتورة سهام على هذا الطرح
وقال: أنا قرأت الرواية، لكن حبذا لو أعطت الدكتورة إطلالة سريعة عن الرواية لمن لم يقرأها
ثم قال: كل الكتاب تناولوا اللجوء، لكن ما لفت نظري في رواية أنور هو اللاجئ المتمرد الرافض للظلم، فنجده في لقاء مع الضابط عبد الله يتحدث بغضب وانفعال
حتى الموت لم يكن موتا طبيعيا، إنما هو سلاح القتل، فالموت لديه مرفوض لأنه مون بسبب أفعال الآخرين
ونجده يسقط ما يريد قوله على لسان السائق الهندي، فيقول: عندما يركب معي أشخاص لفرح أكون سعيدا، وعندما يركب معي أشخاص لعزاء، أكتئب وأعود للبيت وأنام حتى اليوم التالي
وعن استخدام تقنية الحديث بضمير الأنا فيقول: هذه التقنية هي الأكثر قربا من القارئ

الروائية يسرا الخطيب قالت: قرأت الرواية مرتين، في القراءة الأولى وجدت تقاطعات كثيرة مما اضطرني لقراءتها مرة ثانية
تعامل الكاتب مع الموت الملحمي بشكل كبير جدا
لكن استوقفني أنه يمثل الفلسطيني بشخصية صلاح؛ ففقده للأم جعله في حالة بحث دائم، النساء عنده كثر، كما في رواية (البحث عن وليد مسعود) لجبرا إبراهيم جبرا، فهل هو إنسان غير ملتزم، أم أن فقد الأم يجعله يبحث عنها في تعدد النساء

الأستاذ محمود الغفري: قال لم أقرأ الرواية، لذا كنت لأتمنى على الدكتورة أن تحدثنا عن مضمون الرواية أكثر من الحديث عن التقنيات التي وظفها الكاتب في الرواية

السيد أبو حسام كلاب قال: علماء النفس وعلماء الاجتماع الإسرائيليين ينبهروا بشكل كبير من موقف الفلسطيني، فمهما اغتنى، وللمال والذهب اقتنى فإنه يعود للموت في الوطن
الفلسطيني يحافظ على إنسانيته، لأن من يفقد إنسانيته، فإنه يفقد كل شيء
وقال إن الرسول الكريم قال: (طوبى للغرباء) ونحن في الوطن غرباء
اختتم أبو حسام حديثه بقوله لابد من استحداث مصطلحات تتناسب مع الحال القائم

الأستاذ رضوان عاشور قال: تحدث الكثيرون عن الموت، ويحضرني في هذا المقام موقف عشته أنا في العام 1969، كنت في معسكر تدريب، جاء للمعسكر شخصين؛ أحدهما يلبس أفخم الثياب، كانت أزرار قميصه من الذهب، وشخص آخر بسيط وثيابه متواضعة، طلب منهم القائد أن يلقوا بأنفسهم في الماء المختلط بالتراب، الفقير رفض أن يلقي نفسه، بينما الغني ألقى بنفسه، وبعد أشهر رأيت صورته شهيدا، وهو من أثرياء الفلسطينيين في العراق

الكاتب شفيق التلولي: قال: أنا لم أقرأ الرواية، لكن من خلال ما سمعته أرى أن هذه الرواية تحاكي الواقع الفلسطيني، ونحن لا نحاكم الروائي على ما يمتلك من إحساس
ثم قال: هل يعيب النص أن يكون مفتوحا حتى لو لم يسمه رواية؟
الرواية تمتلك لغة شاعرية هامة استطاعت أن تجملها، وهي إحدى مواصفات الرواية الجميلة
في الرواية قيمة فنية مهمة وهي فكرة الإبعاد، كما أنها جاءت بتقنيات جديدة تدل على أن الكاتب متمكن
يبقى القول إن كل عمل له ما له وعليه ما عليه، والعمل الجيد هو الذي يحتمل أكثر من قراءة، قد تكون مفاتيح اللغة ومخرجاتها واحدة، لكنها ليست تكرارا
أخيرا أقول: إن الرواية تزخ بالدوال الهامة التي تحتاج لقراءة أخرى نقدية للنبش في المفردات
اختتم بتقديم الشكر لصالون نون على هذه الجلسة القيمة، وللدكتورة سهام لما قدمته من قراءة ناضجة

الأديب عبد الرحمن شحادة قال: تربطني بأنور صداقة قديمة، وأنا أعرفه وهو في زمن الطفولة، وأعرف أخاه الشهيد
أنور رغم أن دارس للغة الإنجليزية إلا أنه متمكن من اللغة وقد التحق كمدقق لصحيفة في دولة الامارات
بدأ كتاباته في العام 85م بالومضات ثم الشعر ثم النقد
وقال: كان يتمنى أن يزور فلسطين وحاولت التنسيق له أكثر من مرة إلا أنني لم أوفق في ذلك
اختتم حديثه بتوصية للجامعات التي تهتم بالكتاب والأدباء من الخارج ويهملون كتابنا الفلسطينيين، لابد أن يقرروا عمله في الجامعات

الأستاذ عبد الكريم عليان قال في مداخلته: جميل أن يكون لدينا جلسات من هذا النوع، وجميل أن بدأت الدكتورة حديثها عن الأصوات المتعددة بالرواية، لكن حبذا لو ركزت لنا على موضوع الرواية خاصة أنني لم أقرأها.

الأديب والروائي غريب عسقلاني كانت له مداخلة بدأها بالرد على بعض التعقيبات السابقة وقال فيها: علينا أن نفرق بين الدراسة الأكاديمية المحكمة التي تتبع منهجا محددا، فهذه لا تصلح للجلسات الأدبية
وإن كنت أوصي بأن يكون تعريف بالكاتب والكتاب والمنهج المتبع في القراءة
التعريف بالمدرسة الفكرية المتبعة لأن النص حمالا لأوجه: فهل هو قراءة نقدية أم سيميائية، أو هي قراءة وجدانية أو واقعية، فيُعالج بحسب المنهج النقدي
من وجهة نظري هناك اختلاف وآراء في متى يلجأ الكاتب لتعدد الأصوات، أرى أنه في حالتين:
– أن يتقاطع حدثين فينحاز لأحدهما، والشخصية الثانية يسرد الآخر، فيصبح تأويلين أو مقترحين
– تعدد الروايات على حدث واحد
ولو تساءلنا: لماذا الموت في الحالة الفلسطينية؟ ولماذا أصبح دلالة؟
قد يكون الموت استنساخ للتفاؤل الآتي، وقد يكون هو إبداعات لميلاد جديد وتوديع الماضي إلى الحاضر، فعلينا ألا نتوقف عند رؤية واحدة للموت
الخطيب يتحدث عن تيمة الموت بدءا من الأم (الوطن) والأم لا تموت لأنها أنجبته

الباحث محمد قال: قدمت لنا الدكتورة سهام قراءة نقدية زاوجت ما بين الأكاديمية والانطباعية، وعلينا أن نعي ما قالته الدكتورة ما دمنا كتاب.
أما عن العنوان فقال: (شوق مزمن) تضادين أخذنا بها لعوالم أخرى
وأضاف: أنا أرى أن الكشف يفقد النص لذته.
ولو تساءلنا: هل يكون الموت حياة؟
نعم الموت حياة بدليل أننا نهتف (باب الأقصى من حديد، لا يفتح إلا بدم الشهيد)
لقد انتقى الخطيب الألفاظ كصياد ماهر استطاع أن يعبر عن الحالة بدقة

بعد أن أنهى الحضور مداخلاتهم أجملت الدكتورة سهام ردها على ما سمعته فقالت:
معظم ما استمعت له يدور حول تيمة الموت، وأنور قارن بين اللجوء والموت
الموت لا يعني اليأس، كل الأفكار المنبثقة من الرواية هي سلسلة من الفقد، فيعبر عن حالة من الموات السياسي، فهو يريد أن يتخلص من هذه الحالة الفلسطينية المشرذمة، حاول أن يعود لكنها عودة رمزية/ فخاطبه هؤلاء الأموات الذين لهم ذاكرة ضاربة في الجذور، يحاول أن يبعث هؤلاء الأموات كطائر الفينيق الذي يعود من رماده ليحلق من جديد

أراد الخطيب أن يقول: إذا لم تعد للوطن، فلابد أن تعود رمزيا على الأقل
السؤال الأساسي هو سؤال الرواية، وليس سؤال الناس
ولم يكن الحديث كله سوداوية، فالغلاف يوحي بالأمل
وأضافت لا نستطيع أن نقول إن الرواية عمل خيالي تماما، فالإهداء يكتبه الكاتب وليس الراوي (أهدي الرواية لأرواح شخوص الرواية) وهذا يدل على أنها لأشخاص حقيقيون
هذا اعتراف ضمني من الكاتب يوحي للقارئ بأن هذه ليست رواية خيالية تماما، حتى وإن اعتمدت على البناء الخيالي، إلا أنها حياة كل لاجئ

أنا قمت في طواف على النص ولم أغوص فيه؛ حاولت أن أقرب النقد لذائقة العامة، ولو تحدثنا بمصطلحات نقدية نتهم بأننا نستخدم لغة مغرقة في الغموض، نحن نقربها ويبقى على المتلقي أن يقرأ النص

ثم قالت: اعتمد الخطيب على تسعة أصوات، كل راوي يحكي الحكاية من رؤيته الخاصة، لذا فهو لم يحتكر الرواية، واستخدم تقنية تعدد الأصوات ليحكي حكاية اللجوء
وقالت: هذه الرواية فيها أكثر من صوت نسوي، بدءا من جوسفين التي التقاها بالطائرة، لأميرة وياسمين وسلمى، هذه العناصر النسائية موجودة لأنه يبحث عن أمه في هذه المرأة
ثم إنه لاجئ أي أنه يعيش حياة مؤقتة، فهو غير مستقر لذا ينتقل من امرأة لأخرى
هو يعاني غربة واغتراب وجوديا في علاقته بالذات، فاغترابه عن الوطن عمّق اغترابه عن ذاته
بنية الرواية بدأت من المشهد الأخير (وصول رجل ستيني، يأتي للمقبرة ليحتفل بيوم ميلاده، ويدعو الأموات للاحتفال معه)
كان توظيفا جيدا لضمير المخاطب، خاطب أنه، وخاطب الأموات لأنه يريد الحفاظ على الذاكرة كي يخرج من حالة الموات

أما تقنية تعدد الأصوات فهو عندما يكرر (أنا) (نحن) وهذا ما أثار معلم اللغة العربية عندما تعرض لموقف في المدرسة؛ إذ طلب ألا يذكر اسمه لأنه لم يسدد الرسوم بسبب فقره، إلا أن المدير نسي وذكر اسمه، فأصابته حالة من الغضب، قال: نحن لسنا فقراء
فقال له: من أنتم؟
المنفيين كانوا كالأجسام الغريبة في الدول العربية
يقول رفضت أن أعيش حالة الاغتراب في أمريكا لأنني لن أستطيع أن أغضب بلغتهم، فاللغة هي الهوية، لكن سرعان ما اكتشف أنه في البلد العربي منبوذا كما لو كان في بلد غير عربي
لقد شظى نفسه إلى شخصيتين: صابر الذي يقوده بحكمة، وصلاح المندفع الذي لا يحب أن يعامل كلاجئ
أنور راهن على شخصية اللاجئ المتمرد، الثائر والمشاكس، يرفض أن يُقزم اللاجئ
كما أنه عالج قضية اللجوء لكن بنظرة غير عادية، كما فعل الكثيرون، لذا قلت أنه يستحق
اختتمت ردها بالقول: الناقد لا يروج لكاتب دون المستوى، فالناقد الجيد يروج لنص جيد، فلا أحابي أو أجامل لأغامر باسمي وأهز مكانتي النقدية، لقد تعرفت على المدارس النقدية، ولي رؤية، وعندما أجلس في هذا المكان فالجميع يعرف أن النص جيد.

  • الدراسة التي قدمتها الناقدة د. سهام أبو العمري في صالون نون الأدبي في قطاع غزة في 15 أغسطس 2018 .

رواية شوق مزمن لأنور الخطيب الفصلان التاسع والعاشر

 الفصل التاسع

                                       سلمى

(لا أحد هنا يسكن هذه الدور وحبيبك هنا في ساق تلك الجورية الحمراء)

لزمتُ بيتي المطل على الآخرة عشر سنوات، خمس منها سكنت فيها الشرفة بسبب حلم رأيته وآمنت به، جرحت خلالها زمني بسيف صدىء، ترقّبت في البداية تحليق شاهدَ يوسف حد الذوبان في اللامكان، لينهض قمر وسيم مفتول العضلات، ينفض عن جسده التراب ويعود، ويوقف نزف الدم في جسد الانتظار، يتمطى بكسل، يقفز من آخرته إلى دنياي، ويعيدني إلى الشرفة عروسا من جديد، نرتشف القهوة مع قبلات الصباح، أمام سكان الدنيا والآخرة.

لم اكن أملك معطيات حقيقية تجعلني أستمر في ذاك الجنون المحض سوى حلمي، تمنيت لو يتحرش بي أحد المارين ويسألني عن سبب التصاقي بالشرفة، ويغمزني بشقاوة رجل لعوب، فأنزع بعض الصمغ عن جدرانها.

مرت سنتان وعيناي ملتصقتان بالشاهد الأبيض، ومرت الثلاث الأخرى وأنا أراقب الداخلين إلى الآخرة والخارجين منها، أرصد حركة الناس في الشارع الضيق، تكدست لدي معلومات عن أوقات خروج الموظفين القليلين والعمال الكثيرين إلى أعمالهم، وأوقات مرابطة العشاق أمام بيوت النساء الأرامل والمطلقات والصبايا الصغيرات، شغلت نفسي أيضا بكتابة بعض الخواطر التي يسميها البعض شعرا، كتبت كثيرا حتى ملأت دفترا سميكا، اسميته “قرآن سلمى”.

توقفت سيارة غريبة عند غرفة فوزي العطية؛ حارس الآخرة، في الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر يوم الواحد والعشرين من أيار من العام 2016، ترجل منها رجل خمسيني أنيق ووسيم، سحب حقيبتين من صندوق السيارة بلياقة رياضي متمرس، ناوله السائق علبة كرتون كبيرة وانطلق مسرعا، دار حديث بين الزائر وبين الحارس، تخللته بعض الابتسامات والمصافحات الحارة.

حمل القادم الحي الجديد العلبة، توجه وحيدا نحو الآخرة، جلس قبالة أحد الشواهد، أخرج قالب حلوى، ثبّت شمعة في وسطه، تحدث كثيرا قبل أن يشعلها ويغني:happy birthday to salah .

ذاب بعض الصمغ عن الشرفة، غادرتها مسرعة، كأنني رأيت قمرا مفتول العضلات يتمطى بكسل، كادت سيارة يقودها عفريت أن تحملني إلى الآخرة، نجوت على طبق من الشتائم القذرة، قللت اندفاعي تدريجيا حين تخطيت البوابة وصرت في قلب الآخرة، مشيت مدّعية غرقي في الحزن، اخترت مكانا قريبا من الزائر، قال بصوت المستيقظ للتو من نوم طويل: (صباح الخير ياأمي..).

لم ألتفت ناحيته، مسحت ببطء وهدوء متناه سطح القبر بورقة تين كبيرة وخشنة، قال: (قالوا لي إنني بلغت الستين من عمري، وعليّ أن ألملمم ثيابي وأرحل، قسوت على قلب نجاة وغادرتُ مثل طائرٍ هرمٍ لا يأبه لطلقات صياد، وعدت..). سأل كمن يرى ما لا يُرى: (أتبتسمين؟!)

أرسلتُ نظرة خاطفة إلى القبر، لم أجد أحدا يبتسم، لامست نظرتي وجهه، حدثت نفسي: “يقول إنه في الستين ويبدو في أول الخمسين أو نهاية الأربعينيات، ذاك كان أول تخمين خاطئ يا سلمى..”.

تحدث صلاح كمن يجيب على حوار: (تعلمين أنني أكمل في هذا اليوم ستين عاماً؟ ذاكرتك لا تزال نشطةً ياعمري، ولهذا أحضرت قالب حلوى وفوقه رقم الستين (. ٦)؛ واحدٌ على رأسه نصف مظلة تتجه يساراً، تظلّل صفراً ينكمش أسفل جهة اليمين، كلّما مرت السنون ينبت من أسفل هذا الواحد برعمٌ هرمٌ يتطاول مائلا على استحياء، فإذا وصل طوله طول جاره غاب نصف المظلة، فينتظر جمرة تأتي من السماء لتستقر في الزاوية وتنفلق، ويهوي البرعم الهرم يمينا، وجاره الأكثر هرماً يهوى يساراً، فتأتي مجموعة من الناس تسوّي “الواحدين” حتى يأخذا شكل خطّين متوازيين، فيلقون عليهما قطعة من القماش المقوّى أو لوح خشب، ويحملون الصفر فيمددونه ويرسلونه نحو الغياب..)

رسمتُ عقدة بين حاجبيّ، حاولت فهم ما سمعت وفشلت للمرة الثانية، حتى أمه، كما يبدو اتهمته بالجنون، لكنه واصل: (كلا ياأمي لم أفقد عقلي، هي مجرد صورة رسمتها فقط، أطفأت الشمعة وغنيت لعيدي الستين، وها هو قالب الحلوى على سطح دارك، سأقطعه قطعاً صغيرة وأوزّعها على سكان الدور الأخرى، أعلم أن الغائبين يحبون الحلوى، وأعلم أن منهم من لم يتذوق “الغاتوه” طيلة حياته..).

لم أسمع صوتا يرد عليه لكنه أجاب كمن سمع كلاما يتعلق بالحارس: (طبعاً ياأمي، حسبت حساب الحارس، أحضرت له قالب حلوى ليحمله إلى بيته في المساء، هل ما زالت تتّبعين نظاماً غذائياً يستبعد الحلوى؟ الحلوى مسموحة هنا؟ ولا تؤذي المريض بالسكري؟ ولا شيء يرفع ضغط الدم هنا؟ ولا شيء يخفّضه أيضا؟ لا أوجاع هنا؟ هذه أخبار جيدة ياحلوتي، جميل أن الألم اللئيم الذي كان يتسلل إلى رئتيك ومفاصلك كاللصوص الحاقدة توقّف عن زيارتك إلى الأبد، والله كنت أعلم حجم وجعك في الليل، وكتمانه أمام أبنائك وبناتك والجارات في النهار، انتهى كل شيء الآن؛ لم يعد يصل أنينك الذاهبين إلى صلاة الفجر، غلبتك الخلايا المتوحشة الشرسة، وعجزتِ عن نهرهه عندما استشرست..).

اقتربت منه، التقطت قطعة “غاتوه” وركضت إلى آخر المكان، وضعتها على إحدى الدور، عدت ركضا والتقطت قطعة ثانية وجريت نحو الجهة اليمنى وعدت، ثم إلى الجهة اليسرى فمنتصف المكان، ركضت بسرعة من مكان صلاح وإليه عشر مرات حتى انتهى قالب الحلوى، وعدت إلى مكاني، لم يحدثني، واصل كلامه مع أمه: (اشتاقتك إحدى جاراتك، دخلت البيت وفتشت جوانب سريرك، وألقت الكيس المليء بالدواء في القمامة، وربما قالت “شُفيت أم الفؤاد تماما، لا حاجة لها بعد الآن للدواء”. والقط الأبيض السمين ذو الوبر الطويل الذي اعتنيت به منذ ولادته، ولازمك في كل الأوقات، أوقف مواءه الحزين، فقد الأمل وهجر البيت..).

يمر قط أبيض بسرعة بين الدور ويتقافز في الأمكنة وفوق الشواهد كلها ثم يختفى، يواصل صلاح: (والزهور التي كنت تسقينها كل صباح، وتتحدثين إليها كما كنت تفعلين مع صاحباتك، باتت تعاني من تصلّب في الشرايين، وبعضها أصيبت بكسر في عمودها الفقري..).

تحضر امرأة عجوز تحمل باقة كبيرة من الزهور مختلفة الألوان والأنواع، توزعها على سكان الآخرة، تقدم وردة لصلاح وأخرى لي، وبعدها غادرت بهدوء، يُكمل كأنه لم ير أحدا: (والفقراء المحبّون حدّوا من زياراتهم لغرفتك، والأقارب باعدوا بينهم وبينك، باتوا يلقون عليك التحية من بعيد خوفاً من عدوى الغياب، وطبيبك الذي قدمتِ له وردة الجوري قبل إجرائه لعملية في عينك لا يفتقدك كثيراً، مات، وبقيتِ وحدك، هل تشعرين بالعزلة الآن أيتها الجميلة؟).

أطل رجل بمريوله الأبيض وسماعات طبيب من البوابة الكبيرة، يقترب من دور كثيرة، كان يضع سماعته على الشاهد وينصت، يبتسم ثم يمضي إلى آخر، يدنو من صلاح واضعا سماعة على ظهره، يتقدم منّي فيلامس بها صدري، ينسحب وهو يتمايل منشرح الصدر! لم يأت صلاح بحركة، كأن ما رايته خفي عليه، ماذا يجري ياسلمى؟! مسحتُ دموعي بطرف قميصي، كان صوته واضحا جدا، سربت أكثر من مرة نظراتي إلى مكانه، وقفت وجلست مرات عدة علّه يشعر بوجودي، لكنه ظل مسترسلا في حديثه، لم أحاول رؤية ما يرى، كان ذلك عبثا.

نظفت صدري من الوساوس، وأذنيَّ من الأصوات واستمعت: (أعتذر عن غيابي الطويل يا سيدة قلبي، أود لو أستطيع الآن تقبيل جبينك دون خوف، لو أنحني وألقي برأسي المزدحم بالدروب ورجال الأمن والمحطات والمطارات بهدوء على كفك البيضاء، وأغمض عينيّ لثوانٍ على خطوط العمر، لو أمسّد قدميكِ لعلّ مفاصلك الخشنة ترتاح… لماذا تطلبين مني عدم الاعتذار وقد غبتُ عنك أربعين سنةً بنهاراتها ولياليها؟ هل لأنني كنت أزورك كلما سمعتُ صوتكِ المجروح على الهاتف؟ أو كلّما قلتِ لي: “اشتقتك ياضوء العينين..؟”. أذكر أنني حين همستِ في أذني على الهاتف بخجلٍ شديد: “اشتقتك ياضوء العين..” _لم أسمعك من قبل تعبرين عن شوقك لأحد بهذه الكلمة_ سافرتُ في اليوم التالي، واصطحبتك في الصباح إلى المشفى، زرع الطبيب عدسةً في عينك اليمنى، وحين أزلتِ الرباط بعد ساعةٍ قلتِ لي: “الآن أراك بوضوح أكثر ياضوء العينين”، تحرك ماء عينيّ من فرط حنانك وذكائك، كانت نفسك شامخة كملكات الغيم، تأبى طلبَ ما تحتاجه حتى لو كان من ابنها، ذاك الشموخ الذي أتعبَ كل المحيطين بك، ومنهم أبو القاسم، هل تشتاقينه!؟

-…………………..

سأتجاوز سؤالي، علمتُ فيما بعد أنك كنت تكابدين ألماً في رئتيك ولم ألتقط إيماءاتك؛ كنت تتأملين شجرة اللوز من فتحة الباب الواسعة بصمت حزين، سألتك عن شرودكِ فقلتِ بهدوء ناسكة: “يبدو أن الشجرة هرمت، ولم يعد الهواء يصل إلى صدرها لتعطي المزيد من الزهور..”، اعتقدتُ، وكنت غبياً في اعتقادي، أنك قلتِ شعراً، ألست من أسرةٍ يتوارث أبناؤها الشعر مع الجينات؟ أخواك كانا يرتجلان الشعر، ومعظم أبنائك يتعاطونه، رغم اختصاصاتهم في الطب والقانون والهندسة، لم أفهم أنكِ كنت تلك الشجرة، قبضتِ على جمرك لأيام طويلة، حتى خانك جهازك المناعي وفقدتِ قدرتك على المقاومة، فقلتِ: انقلوني إلى المستشفى، أشعر بسكاكين في رئتي..”، أعتذر عن غبائي، لعنة الله على الشعر، لو كنت أعلم لمنحتك رئتيّ الاثنتين، أقسم لك ياألمي أنني حين تذكرت التاريخ الدقيق الذي نقلوك فيه، كنت أشعر فيه بالاختناق.. أعتذر عن تعطّل جهاز استقبالي لألمك المقدس، إحساسي المفاجئ بالاختناق لم يكن له أي سبب سوى ألمُك، كان عليّ أن أسافر، لكنِّي لم أفعل، فالغربة أمَّارةٌ بالنسيان والتغابي والتواطؤ..).

وقف القادم من الغياب كمن يستعد للصلاة؛ يداه مسبلتان، عيناه تحتضنان الشاهد النظيف، اقتربتُ منه مسافة دارين، سالت دموعه على خديه وفمه المرتعش، توقف عن الكلام، أرسلت السماء رذاذها، بللت شعره والشجرة القريبة منه، انحنى كخطوة صلاة أولى، أسند كفيه على ركبتيه: (عليّ الآن أن أقدم اعتذاري بروحٍ منحنيةٍ أمام دارك، لك ولله، لأنني لم أصلّ عليك، هربتُ من كل تلك الطقوس التي كانت تؤكد غياب ظلك، واختفاءَ نظراتك من النافذة نحو شجرة اللوز، أعتذر أكثر، وأطلب المغفرة عن الهلع الذي سكن ركبتيّ حين أوصلوك إلى هذه الدار، سامحيني ياصاحبة القلب السماوي لأنني لم أسهم في بناء دارك، وفي حَملِك إلى حجرتك الضيقة، ربما رفضتُ فكرة أن يشاركني أحد في حملِك، اعتدت حملَكِ وحدي، تتكئين على كتفي، وأكون عكازتك الوحيدة ياعمري، اغفري لي ياطفلتي عدم اصطفافي في الخارج مع الأهل والأقارب والجيران، بعد انتهاء مراسم إيداعك في دارك، كان الطابور طويلا، والمارُّون به أطول بكثير، خرجت لأن الطابور سيبدأ بالتناقص حتى أجد نفسي وحيدا، بعد أن يكون الجميع قد عانقوني، خفت أن أعانق نفسي وأمشي كالماشين.. تركت الناس واقفين وهربت سريعاً، اختبأت خلف جدارٍ بعيد، كتبت اسمك على حجر أملس، كتلميذٍ يتهجّى الحروف في اليوم الأول في الصف الأول في المدرسة الأولى، سالت دموعي على الحجر حتى جَرَفَتْ اسمك، أدركتُ عندئذٍ بأنني الساكن الوحيد على الكرة الأرضية، فعدت كي آنس بالغياب، وجدت المودّعين قد فارقوا دارك، ففارقتها أيضا، هل رأيتِ كم كنتُ عاقاً وقاسياً؟ اعذريني ياسمائي الرحبة، الطفل الذي ارتداني عجز عن فهم ما حدث، احتلّني الخواء ياأمي، تملّكني إحساس بالون أطلقوه في سماء لا يعرفها..).

يستقيم ثانيةً، يمسح وجهه كأنه قرأ الفاتحة، يجلس، يلتفت يمنة ويسرة يهمهم: (أستأذنك ياأمي، لا أحد يجب أن يلفت انتباهي غيرك، أشعر بوجود كائن يشاركني زيارة المكان..).

انكمشت على ذاتي، بدأت أدّعي تنظيف القبر غير مكترثة لحديثه، درت حول المساحة الصغيرة ذاتها، أترقب اللحظة التي سيتجه فيها نحوي معاتباً متسائلا، جهزت نفسي لإجابات مثلا: “أنا حرة في هذا المكان، لي فيه ما لك..”، لكنه استمر: (هنالك امرأة تجلس إلى جانب إحدى الدور البيضاء، يبدو أنها هناك منذ وقت، تمسح الغبار وتزيل أوراق الشجر اليابسة، تتحدث ولا أستطيع سماعها، تبتسم وتشير إلى الدور المحيطة بها مرة، وإلى السماء مرارا، إنها الآن تشير بإصبعها نحوي، أو نحوك، أو نحو دارك، وربما إلى شجرة اللوز، أو المكان الذي يقبع فيه الحارس، أو إلى الثكنة أو المدينة أو بحرها، أو إلى جهة الغرب أو الجنوب. قلبي يحدثني ياأمي أنّي أعرفها، لكنّي لن أدعها تسرق منّي لحظاتك، كنت أتمنى العودة النهائية من سفري لأجدك في البيت أول من يبتسم لي، أول من يعانقني، نشرب شاي الوصول، ثم نتعشّى، وبين كل لقمة وأخرى أضع حبة زيتون في فمك، وتخجلين من الدلال كعادتك، فتبعدين وجهك وتتناولين حبة زيتون من بين أصابعي، ثم نشرب الشاي ثانية، ونتحدث في كل شيء، وتكونين آخر من أراه قبل نومي………

-……….

كلا ياقلبي لم أغادر، لكنّي لاحظت على سطح دارك آثار مجموعة من الحلزونات وخراج عصافير! الحزن يُعمي ياأمي، استأذن عينيك قليلا، سآتي بالماء وأغسل سطح دارك ليستعيد لونه الناصع، سأقلّم الياسمينة أيضاً بروحي وكفّيَّ، وأهذّب أوراق وردة الجوري الوحيدة التي يميل كأسها بحنوٍ على دارك كأنها تتوسد صدرك..)

انتابني شعور بانتهاء حواره مع أمه، وسيجلب الماء ليغسل دارها ويمضي إلى حال سبيله، قررت المغادرة بعد ذهابه لإحضار الماء. تقابلت نظراتنا عند البوابة، قال لي: (كيف حالك ياسلمى..). قالها كأننا تسامرنا على الشرفة ليلة أمس، هل يقرأ هذا الرجل الوجوه؟ هل يعلم الغيب؟ هل هو ملاك؟ عدت ورقصت بين الدور البيضاء كما الظلال، راقبني حتى انتهيت، ثم اقترب مني وقال: (بعد هذه الرقصة ستعودين إلى البيت، وستجدينه هناك، بعضلاته المفتولة ووسامته المعهودة..).

اقتربت منه كالمأخوذة، تولدت لدي رغبة في عناقه، قرأ سؤالي على وجهي فأجاب: (هل تعلمين أن لا أحد هنا يسكن هذه الدور، لقد نبتوا مع الأشجار والزهور، وحبيبك هنا في ساق تلك الجورية الحمراء، وهو في بيتك، يعتقد الناس أنهم نقلوا أحباءنا إلى هذا المكان، لكنهم لا يعرفون أنهم نقلوا أشجارا مقطوعة، بينما الأشجار الحقيقية بقيت في البيت، حين تعودين يا سلمى، لا تخرجي إلى الشرفة، ادخلي البيت وانظري جيدا إلى ما بعد المكان، ما بعد الأريكة التي كان يجلس عليها، ما بعد قمصانه وسراويله وعلب سجائره، ما بعد صوره، تعطري بعطره وتمددي على سريره واغمضي عينيك، ستشعرين بذراعيه القويتين يضمانك، بقاؤك خمس سنوات على الشرفة يعني أنك تتنفسينه وتتناولين طعامك معه، عودي إلى البيت، وارقصي له كما رقصت قبل قليل..).

رسم لي حلما جميلا، لكنه لم يعد إلى البيت ليحلم كما اقترح علي: (أنا لم أكن في البيت لعشرات السنين، لهذا لم تعد، لا تزال هنا في كأس تلك القرنفلة، سأحملها عما قريب، وسأعود.. اذهبي ياسلمى حتى أحبك أكثر، بالمناسبة؛ هل اكتشفت من قتل يوسف؟).

لا أدري إن كنت أسمع صوته أم صوتي، كان يحرك شفتيه ويغوص في عينيّ ويشير بيده إلى الورد وزهور شجر اللوز، ربما كان يقول لي: “لا تتنصتي على الآخرين في هذه الدنيا، لا أحد يسمع أحدا هنا..”.

تركني واتجه نحو حارس الآخرة، تبعته ثم واصلت سيري، وجدته ينظر نحوي حين خرجت من الشرفة، أشار بأن أقفل الشرفة وأدخل. ففعلت؛ وبدأت ترجمة أشعاره بجسدي.

…………………..

الفصل العاشر

فوزي

(الموسيقى لا تزعج سكان الآخرة..)

كنت عاطلا عن العمل، ككثيرين من أبناء المخيم. شاركت في إيصال أعز أصدقائي إلى الله عصراً، اشتقته فعدت عند المساء بعد مغادرة آخر فرد من أسرته؛ أمه التزمت الصمت حتى منتصف الليل.

في الصباح، اصطحبت معي مسجلا ألقمته شريط نجاة الصغيرة، واحتسيت القهوة فوق داره الأخيرة، بينما كانت نجاة الصغيرة تغني “عيون القلب”، الأغنية التي أدمن كلانا على سماعها في الصباح، خلافا لكل الذين يبدؤون نهارهم مع صوت فيروز الملائكي. صببت فنجانيّ شاي، وحرقت رئتي بالنيكوتين الرخيص، لم أشعر بالسكين وهي تجز الوقت ببطء.

زرته في المساء، كان النسيم منعشا مثيرا للشجن، تبادلت معه أطراف الحديث، حدثته عن زوجته وأبنائه الصابرين وبناته الصامدات، وخروج ابنه للعمل بهمة وإصرار، حدثني عن صعوبة تأقلمه في داره الجديدة، قال إن كل شيء شاسع كالضياع، والعالم الجديد فيه أكثر من أربع جهات، كل جهة محاطة بأجرام سماوية تختلف عن أختها، لم أطلب منه الاستفاضة بالشرح، فتفسير الظاهر ممنوع في عالمه، غادرت في آخر الليل حين انتهت أم كلثوم من غناء “أقبل الليل”.

لم آبه لتعليق زوجتي حين عبّرت بفرح: (رائحتك تشبه ريحان الموت..).

في الصباح وجدتني أحمل قهوتي وسجائري وجهاز التسجيل، وأجلس قبالته، حضرت أخته صبحية، دُهِشت لدى سماع أغنية فيرز “ردني إلى بلادي”، جلستْ قِبالتي فصار صديقي بيننا كملاك، اقترحت: (لم لا تقيم هنا عمو فوزي؟)، سيستأنسون بك في غربتهم الأبدية، وستجد من تتحدث إليه في السياسة، جميعهم رحلوا بداء المنفى..).

كانت صبحية في الثلاثين من عمرها، قارئة نهمة، تتابع الأخبار كالعجائز، تبدي رأيها كالحكيمات، لم تبك أخاها كما تفعل الأخوات كلما مر خيال الأخ في الذاكرة، كانت تجلب معها كل يوم وردة وحبة كاراميل، تتركهما قرب الشاهد وتمضي.

قدحت في رأسي الفكرة، صرت أنهض في الصباح الباكر، أتوجه إلى الآخرة بصحبة قهوتي ومسجلتي، ألقمها بالأغاني الوطنية؛ “ردني إلى بلادي وزهرة المدائن لفيروز، ووين الملايين لجوليا بطرس”، وكاسيت لأشعار مظفر النواب سيّما قصيدته عن القدس، وأطرب حين أسمعه يصرخ: “أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة!؟”، وأحيانا كنت ألقم المسجل بكاسيت قرآن، حين يأتي ساكن جديد، خجلت حين بدأ الزوار بمنحي المال، لكنني اعتدت العطاء، وصرت أعمل عند مؤسسة يفقهها قليلون.

استهجن زوار آخرون الاستماع للأغاني في الآخرة، اتهمني بعضهم بالعربدة، وبعضهم بالتطاول على السكينة الأبدية، وهددني آخرون بالطرد والقتل. لكن كثيرين أيضا لم يعترضوا، ومنهم أقارب من الدرجة الأولى لسكان الآخرة، خاصة أنني كنت أضع أغان حنونة جدا أبكت كثيرين، وهكذا امتهنت إبكاء الناس!

تردد رجل على زيارة المكان، كان يوبخني في كل مرة ويطلب الإخلاء؛ فالأغاني حرام، والتكسّب من وراء الأموات حرام، ووجود النساء حرام، دار حوار بيني وبينه، سأنقله هنا متجنبا وصف ملامح القرف والاستصغار التي كان يرسمها على وجهه:

هو: لماذا تشغل الموسيقى في الآخرة وتزعج سكانها؟

أنا: هل شكا لك أحد منهم وعبّر عن انزعاجه؟

هو: كلا؛ كيف سيحدثني؟

أنا: وكيف علمت بأنه مزعوج؟ عليك أن تذهب هناك أولا وترى إن كان السكان يستمعون إلى الموسيقى أم لا، وحسب ظني أنهم يستمعون، أليست الموسيقى من صنع الله؟

هو: كيف؟

أنا: ألا تسعد حين تستمع لزقزقة العصافير عند الصباح؟ ألا تهدأ روحك وأنت جالس أمام شلال مياه؟ تلك هي موسيقى الله، ونقلها الإنسان إلى شريط واسطوانة وقرص ممغنط.

هو: وأنت؛ هل عبر لك أحد السكان عن سعادته بالموسيقى والأغنيات؟

أنا: نعم؛ وأشاهدهم يرقصون أحيانا في الليل، تعال الليلة وسأدعك ترى..

هرب الرجل كالملسعوع بلحيته الطويلة وثوبه القصير.

لم أغضب حين تناهي إلى علمي تلقيبي بـ “أبو الموت”، لم أتعامل مع المكان كموظف أو عامل، لم أكن أنتظر آخر الشهر لأحصل على راتبي، ولم أكن مديوناً لأحد، وكنت أحمد الله كثيرا عن قرب، وأشكر الموت الذي يهب الحياة.

ذكرني صلاح بالساعات الطويلة التي جلستها قبالة صديقي على مدى سنوات، الفارق بيننا يكمن في استخدامي للغناء والموسيقى كلغة تواصل، ربما لم يكن لديه الوقت الكافي، طغت الأحاديث على جلساته، حدث أمه كأنها متجسدة أمامه.

كانت صبحية تزورني في أوقات متفرقة، تحدثني بعد أن تنتهي من استعراض أخبار العالم، عن هؤلاء الوحيدين النائمين وحدهم في عراء الزمن، في البداية كانت بعض مفرداتها صعبة الفهم لرجل مثلي لم يتخط المرحلة الإبتدائية، لكن تكرار مجالستي لها فتح لي مسارات في الأرض والسماء وصلت حد الكشف.

يحلو لي استعادة مشهد قدوم صلاح؛ توقفت سيارة غريبة أمام غرفتي، نزل منها رجل أنيق ونظيف جدا، هرعت للمساعدة حين فتح السائق صندوق السيارة، رحّب القادم بي: (أهلا بك يافوزي، ما زلت قويا ما شاء الله، لا تندهش أنت رجل مشهور..).

شكرني بلطف لمساعدتي له، ثم واجهني: (أنا ابن أم الفؤاد..).

هزّزت برأسي آسفا: ( أهلا بابن “أبو القاسم” .. حمدا لله على سلامتك..).

أخبرني وهو يتنهّد أنه قادم من سفر طويل دام أربعين عاماً، لم يزر المكان بعد انتقال أمه إليه، وعاد ليرتاح من التنقل، وينظف روحه من غبار الترحال، أعجبه إنصاتي باهتمام بالغ، استأذنني: (أود السلام على أم الفؤاد، وسأترك حقائبي أمانة لديك، وسيكون لنا لقاءات كثيرة..).

منحته الخصوصية التي ينشدها، حضرت سلمى بعد دقائق، حاولت تنبيهها بعدم الاقتراب من الزائر الجديد، قالت إنها رأته من شرفتها يحمل قالب حلوى، وهي تحب طعم حلوى الأموات، حذرتها من استخدام كلمة “أموات”: (هذا الرجل كما يبدو يتصرف مثلي في أول عهدي بالمكان، حين كنت أحضر وأستمع للموسيقى، وأتوقع أن يدور حوار طويل بينه وبين أم الفؤاد..).

بدهشة: (هذا ابن أم الفؤاد؟!)، وسارت نحوه.

ناديتها بصوت خافت: (سلمى..)، لم تجب، ربما كانت فراشات الفضول تحيطها.

سمعته وهو يحدث أمه كالأطفال، تركها وطلب مني دلو ماء وإسفنجة ومقصا، دار حديث سريع بيننا، والتحق مرة ثانية بأمه، كنس سطح دارها، أزال الأوراق الميتة، حمل الاسفنجة، بللها بالصابون الذائب في الماء وواصل حديثه: (الماء لن يكون بارداً، لن تشعري بقشعريرةٍ أبداً، بيتك دافئ، وشوقي حار، سأتعامل مع وردة الجوري كمزارع كعاشق، سأتحول إلى نسيم وأمسح كؤوسها ورقةً ورقةً، سأنفخ عليها من رئتيّ المشتاقتين لرائحتك، هل تذكرين حين كنت ألتصق بك خلال أيام زيارتي؟ كنت أشم رائحة طفلٍ حديث الولادة، وأخاف من تلك الرائحة، فأخرج إلى ساحة البيت حين يغمرني خوفي، وأشعل سيجارة، أتأمل نبتة الميرمية، وأكبت غصّةٍ أكبر من حنجرتي، فأغسل وجهي من أقرب دلو ماء، ثم أعود لألتصق بك ثانية، لأسمع سؤالك دون أن تنطقيه: “كم مرة تغسل وجهكَ في اليوم يا بني..!”. لا تقلقي يا أم الفؤاد، بالمناسبة، كيف هو الفؤاد الآن؟ … نعم؛ ابتسمي هكذا يا جميلة الجميلات، اشتقت لابتسامتك الساحرة التي لم تتحول إلى ضحكة، لكنِّي كنت أسمعها عاليا كتصفيق أجنحة الحمام.. في قلبي كلام كثير يا غاليتي، لن أدعك تشعرين بالوحدة بعد اليوم، أنا الزائر الدائم يا دمعة القلب. الآن تبدو دارك وكأنها شُيّدت قبل لحظات، أذكر حين أُقفِلَ الباب عليك كيف أنني عدت أدراجي كطفل تائه فقدَ طرف فستان أمه، ذلك اليوم ضيّعت طريقي قصداً كي لا أعود إلى البيت، اسمحي لي ياحبيبتي، أريد أن أعيد للحارس دلو الماء والإسفنجة والمقص، نعم.. سأكرمه، تحت أمرك.. ما زلت تحتفظين بعاداتك المقدسة..).

عدت بسرعة إلى مكاني، رأيت صلاح يقطر منه الفقد، جلست على كرسي القش الصغير أمام غرفتي، أشعلت سيجارة، ادعيت تحضير فنجان شاي على طباخ الكاز “البريموس”، بكى بحرقة: (أنا لا أجيد التمثيل أخي فوزي، لكنني أشتاقها كثيرا، أحشد كل طاقتي لأرى وجهها على سطح دارها).

وضع في جيبي مبلغا من المال، ربما لتهدأ روحه، ترحمت على أم الفؤاد، وعدت لأسترق السمع: (عدت يا وجعي.. نعم بكيت، قلت للحارس: “هذه الهدية من الوالدة..”. ارتجفتْ شفتاه: “حتى وهي هنا تزرع الورود في القلوب..!”. “…………؟. لا تقلقي يا أمي، أنا كما تعلمين أحب المطر، لن أمرض، منذ ثلاثين عاماً لم يبللنني ماء السماء، في كل فصل شتاء كان الناس يصلّون صلاة الاستسقاء، مرة يستجيب الله ومرة يدير ظهره إليهم، الآن سيهطل المطر دون صلاة استسقاء، أريد أن تلتصق ملابسي بجلدي، أن اقطر حياةً وأنا بقربك، ربما تشق الأرض كمأة، هل تذكرين حين كنت أخرج للبرية بعد توقّف المطر الغزير، لأحضر لك الكمأة، كنا نسميه لحم الفقراء، وكنت تطهينه بالبصل وزيت الزيتون، وتسخنين الخبز وتقدمينه فنأكله مستشعرين طعم اللحمة، كأنني الآن أشم رائحته.

  • “………….؟”

  • نعم؛ أشعر بالجوع يا أمي، منذ سكنتِ هذه الدار لم يسل لعابي، لم تصفق معدتي لأي طبق طعام، يبدو أنني سأبقى جائعا حتى آخر يوم من عمري،

  • “……………!” كانت الساعة الرابعة عصراً، أحضرت لي زوجتي الغداء، سألتني عن سبب اهتمامي بالإصغاء لذلك الرجل، همّت بالاقتراب من مكانه، رجوتها ألا تفعل، قلت لها إنه يصلي، لم تستوعب، حاولت الدفاع عن المشهد، فسارعتُ: (ليس كل ما يبدو لنا هو جوهر الفعل..).طلبت من صلاح أن يتصرف كأنه في بيته، أشار لي بأن أخفض صوتي: (لو سمعتك أم الفؤاد لنهرتك، ستعتقد أن المقبرة بيتي، كانت عيناها تدمعان لمجرد مرورها بالمكان، تتذكر ابنيها الفؤاد والجميل وزوجها أبا القاسم وأخويها وأخواتها وجاراتها وحماتها، لم يبق أحد من جيلها يا أبو أحمد.. لم يبق..).رد: (لن أجعلك حزيناً..).سألني: (هل حصلت على الجنسية ياأبو أحمد؟). 

  • حركت رأسي ببطء إلى الأسفل، فسألني عن الشيء الذي تغير فأجبت: (لم نعد نحصل على المعونات، الإنسان يجوع حين يبدّل جنسيته..).

  • حدثته عن لذة خبز أم الفؤاد؛ كان يصلني طازجا منتفخا على شكل أقمار ساخنة، نظر حوله كأنه يتفقد المكان مرة أخرى، أخبرته أن أحد السياسيين قدم الأرض منحة لأهالي المخيم الذين حصلوا على الجنسية، لمؤازرته في موسم الانتخابات، فصّلت وأنا أضحك كالأطفال: (حتى عندما يريدون تقديم هدايا لنا فإنهم يهدوننا مقبرة!).

  • ربت على كتفه وأشرت إلى الطعام مُشجعا: (يبدو أنك خجول جداً ياأستاذ، أنا أحسب حسابي دائما لوجود ضيفٍ معي، فلن تنافسني على طعامي، وأنا اليوم سعيدٌ جداً بوجودك، أفرح حين يشاركني زائرٌ طعامي، وأحزن حين يرفض، تناولُ الطعامِ مع الآخرين يفتح الشهية ويقلّل من عاصفة الحزن في القلب..).

  • غادرت وهي تضرب كفا بكف.

  • لا؛ لم أذهب إلى البيت بعد، لست على عجلة من أمري؛ العجوز الأنيقة التي كانت تصر على الوقوف والمشي متكئة على عكازتها للوصول إلى بوابة البيت فاتحة ذراعيها عند وصولي، لم تعد هناك، غابت مع ابتسامتها وحضنها، رحلت، الرجل المبارك الذي تجاوز عمر جسدِهِ الستين، وعقله لم يتجاوز ثلاث سنوات، الذي كان يقتحم البيت لحظة حضوري، مات، بكيته وتذكرت ضحكته، كانت الفراشات تطير من بين شفتيه، وجارنا البسيط؛ أشهر أعزب في الحارة، الذي دأب على فتح نافذته كلما توقفت سيارة أمام البيت ويقفز منها عند حضوري، أصيب بخللٍ في ذاكرته، واختفى، قيل إنه عشق فتاةً في قريةٍ بعيدة، وضلّ طريق العودة، لم يسأل عنه واحد، لا أحد يسأل عن الثّملين بعزلتهم، لا أحد في البيت يا بيتي، ليس هناك من يسأل عن صحتي وعملي وأبنائي وغربتي أو يسخّن الطعام لي بعد عودتي ثم يغلي الشاي، لا أحد يتأمل وجهي خلسةً ليرى غزو السنوات الكافرة، أتذكرين حين قلتُ لك إنني أصبحت في الخمسين، كيف دُهشتِ كطفلةٍ عاشقةٍ تحب رؤية حبيبها شاباً مدى الحياة؟ قلتُ لك يومها مداعباً: “لا أدري، ربما أخطأ والدي في كتابة تاريخ ميلادي، وقدّمه عشر سنوات كي أدخل المدرسة”، أنكرتِ بصوت جاد: “كلا.. أبوك لا يزوّر شهادة الميلاد”.. هل علمتِ الآن لماذا لم أدخل البيت، لكنني سأضطر لدخوله اليوم، ألا تأتين معي؟! أقسم بالله أن أزهار القرنفل والجوري وياسمينة السور والكولونيا وشجرتي التين والزيتون سيزغردون لو عدتِ، وسيتدفق ماء البئر إلى الأعلى للترحيب بك، وسيعود قطك الأبيض حين يشم رائحتك، وستفتح البوابة نفسها بنفسها، ألا تأتين معي؟! الحارس يلوّح لي بذراعه ياأمي، إنه كما يبدو يدعوني لتناول الغداء، ولا شهية لي للطعام.. لن أتأخر..).

رواية شوق مزمن لأنور الخطيب – الفصل الثامن

الفصل الثامن

نجاة

إحرص على النظرة الأخيرة فصاحبها يتهيأ لرؤية الله

منذ أن دعَوْته إلى فنجان قهوة الشهوة ودعاني إلى موسيقى السكسفون الحنون، وأنا أتموّج مثل غيمة أفيون، حديثه عن الموسيقى ومرضه في صغره واحتضانه لأمه أدخلني إلى دائرته الخاصة جدا، اكتشافي لعريي وابتسامته الغامضة وموت عبد الحي أحداث حفرت هوةً بيننا وحالت دون نشوء علاقة حميمية تمنيتها، صلاح لم يقتحم أنوثتي رغم استسلامي، لكن ابتسامته كانت تحمل معنيين، الود والمكر، ككلامه ونظراته وحركاته، وموت عبدالحي الذي أكد التقرير أنه كان طبيعيا، أبعد الشبهة عن أي أحد وعنه، فالطبيب الشرعي يتعامل مع الجسد وليس النفس، والرعب قد لا يظهر في صور الأشعة المقطعية أو الصوتية، والأجهزة الطبية قد لا تصوّر الكوابيس التي تزور الإنسان قبل توقف قلبه عن العمل، ولا توثق الوجوه التي تحملق به وقد ترديه مغشيا عليه، ولا تسجل الأصوات التي قد تسبب له الصرع والحنق وتصيبه بأزمة، وبما أن التقرير سلّم بالوفاة الطبية، ولم يرصد علامات اختناق من أي نوع، فإنني توقفت عن البحث في سبب الوفاة، يحدث كثيرا أن يموت الناس فجأة، ويُرجعون السبب إلى “الموت الفجائي”، رغم أنه ليس فجائيا في أحايين كثيرة.

قررت مواصلة التعاطي مع صلاح رغم عريي أمامه، اكتشفت تلك الليلة نجاةً أخرى في ثيابي، مهيأة للانعتاق من أغلال جسدها وروحها، تواقة لحضن ساحر يسحبها لعوالم وسموات بعيدة.

دخل صلاح في نوبة بكاء حين تناهى إليه خبر وفاة عبد الحي، انتقل إلى مكتب الراحل الفارغ وحدثه بصوت سمعه كل الموظفين: (سامحني ياعبد الحي، كنت أحبك وأقدّرك، أمي سامحتك أيضا فسامحني..)، وانحنى على أوراقه فاحتضنها طويلا، ثم غادر مقر الصحيفة راكضاً وهو يناديه، لم يتبعه أحد، ولم يعد إلى الصحيفة ذلك اليوم.

فوجئنا في اليوم التالي بمقال بقلم صلاح، يتحدث فيه عن عبد الحي الأخ والصديق والزميل، وعن روحه الجميلة وشهيته للطعام وحبه للنكات، وعن تأنبيب أمه له حين نقل لها عراكه معه، وأنها تنازلت عن حقها، وأفهمته: (العبد لا يلعن، ولا تؤثر لعنته في الإنسان، أما لعنة الله هي التي تصيبه بمصيبة..)، فتصالح معه في اليوم التالي، عانقه عناقا كاد أن يخنقه. داعب عبد الحي صلاح مداعبا: (من يرى جسدك النحيف لا يعلم القوة التي تسكنك، من أين تأتي بكل هذا العزم يا صلاح؟).

أنهى مقاله: (إلى اللقاء ياصديقي، فإن قابلتك في جهنم سأعانقك كما تعانق النار نارها، وإن قابلتك في الجنة سأعانقك أيضا، كما يعانق البياض البياض..).

همهم الجميع؛ متى كتب صلاح المقالة؟ انطلقت عملية التحري، نفى رئيس قسم المحليات والمخرجون ومدير التحرير أن يكونوا قد استلموا مقالة منه، خضعوا جميعا للتحقيق بعد الانتهاء من الإجراءات الخاصة بتسفير جثة عبد الحي فأنكروا، لجؤوا إليه، سألهم: (هل تسببت المقالة بإحراج لكم أم لأهل مصطفى أو للطبيب الشرعي أو دائرة الأمن؟ وهل رفع أحدهم دعوى قضائية ضدي أو ضدكم؟ إن كانت الإجابة بـ “لا”، فلماذا كل هذه الهمهمات والأحاديث الجانبية، أنا أرسلت المقالة بالفاكس، واتصلت فأكد الموظف وصولها واضحة، وقام بإرسالها إلى رئيس القسم الذي استشار مدير التحرير، فوافق وأثنى على المقالة، حتى أن المخرج ابتسم حين وصلته، تمت العملية بسرعة الموت، أنا أؤكد وأنتم تنكرون، وستدورون في دائرة مفرغة، كأنكم لا تصدقون حبي للمرحوم، أو أنكم تخططون لاستمرار العداوة بيننا بعد سفره إلى الله، فهل عدم رؤيتكم لقلبي جعلكم لا تشعرون بنبضه؟!).

حضر صلاح مبكّرا إلى العمل على غير عادته، فوجئت به أمامي، تأملني فطأطأت رأسي، بادر على الفور: (جئت أعتذر عن عدم تلبيتي لدعوتك، وأعتذر أيضا لجرأتي في دعوتك لمكاني المفضل، تمنيت لقاءك، أبدع عازف السكسفون ليلة أمس، تمنيتك معي، بل تمنيت وجود زميل غاب عنا للأبد يوم أمس الأول، رغبت في وجوده كي تصفي الموسيقى ما تبقى من شوائب قليلة جدا في نفسينا، أنا صفيت روحي، وأرجو أن يكون قد نقّى روحه في اللحظة ذاتها، أرسلت له طاقتي النقية، فالكراهية التي ترافق الميت إلى حياته الجديدة تتحول إلى لعنات، لكنني استقبلت منه إشارات تلك الليلة، يبدو أنه صفّى روحه قبل صعوده إلى السماء، ولهذا استمتعت بالموسيقى، وشربت نخبه في غيابه.. لروحه الرحمة..).

اشتعلت روحي وكدت أن أصرخ بصوت لبؤة محاصرة: “كفاك كذباً”، لكنني التزمت الصمت. قال بصوت أراده ملائكيا: (يهمني أن أترك بصمة من نور في قلوب كل من أعرفهم، أنت فعلت ذلك في قلبي، وأرجو أن أكون أنا أيضا قد فعلت..).

أيقظ قطعان فضول الأنثى في سهول نفسي، شعرت باستدراجي إلى مساحته الضبابية مرة أخرى، لم أكن واثقة من مكره، تحدث كرسول قادم من مملكة أقواس قزح، كتمت رغبة الأنثى بالسعي وراء المعلومة، وسادت بيننا سنوات من السكوت.، كان يبعث المراسل بطلب إجازاته القصيرة والنادرة، وكنت أشم رائحته في ثنايا الورقة.

قررت الصحيفة إنهاء خدماته لبلوغه الستين، حزنت، ليس لفراقه، ولكن لأن كثيرين وصلوا عمر التقاعد ومددوا لهم الخدمة خمس سنوات أخرى، ساهمت تحقيقاته الصحفية ومشكلته مع عبد الحي ومقالته عنه، ومنعه من دخول العديد من الدوائر والوزارات ظلماً في ذلك القرار، كان يعلم أن المراسل لا يمكنه القيام بإنهاء إجراءات نهاية الخدمة، بدا أكثر نضارة وحيوية، كان يرتدي بدلة سماوية تحتها قميص شديد البياض، وحذاءً أنيقا يناسب أناقة بدلته، هذّب شاربه وصفف شعره بطريقة نجوم السينما، رائحته وحدها لم تتغير، وكذلك نظراته التي تخترق الوجوه وربما الجدران، حياني بأسلوب النبلاء؛ انحناءة خفيفة وابتسامة شفافة وجلس، انشغلت بترتيب وكتابة الأوراق المطلوبة لإبراء ذمته، كان ينظر من النافذة، مددت يدي لأسلمه الأوراق فلم يأخذها، التفت فجأة وقال: (لماذا زميلك مهموم حد البكاء؟).

كنا وحدنا في الغرفة ولا نطل على أحد: (من هو المهموم..؟).

أشار إلى الغرفة المجاورة، انتقلت مباشرة إلى غرفة إسماعيل، وجدته يحضن رأسه بكفيه ويحملق في سطح المكتب: (ما خطبك ياإسماعيل.. هل تشكو من أمر ما؟).

رفع رأسه ووجهه غارق بالدموع: (أمي في العناية المركزة، اشتد عليها المرض، يقولون إنه انتشر في جسدها، ودخلت في حالة إغماء..).

طلبت منه السفر فوراً لرؤية أمه، وعدت مسكونة بالفقد الملعون، فقد فقدت أمي بذاك المرض الشرس منذ عامين.

لم يستفسر صلاح عن إسماعيل، وجدته يتململ في مكانه، تقابلت عيوننا: (أمه في العناية المركز، ويبدو أنها في الرمق الأخير، انتشر السرطان في جسدها وفقدت الوعي..).

نهض صلاح كمن علقت نار في ثيابه وركض، شاهدته من نافذتي ببدلته الأنيقة يجري على غير هدى، ويغيب. عاد بعد لهاث طويل وعرق غزير: (أرجوك يا نجاة، أنا في عجلة من أمري للمغادرة، متعلقاتي بسيطة جدا، اصرفي لإسماعيل تذكرة سفر واخصميها من مستحقاتي، استنفد الرجل نقوده على علاج أمه، يجب أن يلقي النظرة الأخيرة على وجهها قبل أن تغمض عينيها إلى الأبد، هل تعلمين ماذا تعني النظرة الأخيرة وهي حية وتتهيأ لرؤية الله؟ ذاك الدعاء سيحصّنه طيلة حياته، لأنها ستتذكر لحظة خروجه من رحمها، وابتسامتها الأولى في وجهه، ودفقة الحليب الأولى التي بللت شفتيه، والحضن الأول، ورائحته الأولى، ستمنحها له ثم تغيب..)

سألت باستهجان: (كيف تعلم أنها ذاهبة إلى الله؟ قد تُشفى ويسعد بها لسنوات، لا تكن نذير شؤم ياصلاح..).

مسح عرقه عن وجهه: (ما نفع الحياة مع ألم النهايات، في داخلها خلايا تقضمها قطعة قطعة، تنهشها بلا رحمة، أنا نذير رحمة يا نجاة، ستتخلص من وجعها الذي لا يستطيع أحد تخيّله مهما تقمص روحها، وحدي أعرف هذا الوجع المبكي، لكن الأمهات لا يبكين أمام أبنائهن، أمي بكت على كتفي ليس من الألم، ولكن من كابوس رأت فيه أحدا يخطفها من دارها الأخيرة بدافع الحب، وفي حقيقته كراهية، من يحب لا ينبش قبر حبيبته، سارعي يا نجاة في تحضير أوراقي، مرّ أمامي مشهد كابوس أمي، هناك من يخطط الآن لحرق دارها وحرث ترابها وتكسير شاهد قبرها، هناك من يتآمر على الذاكرة المقدسة، سأسافر وأحميها، وأعيدها إلى البيت، لقد بلغ الفقد مبتغاه، أنا أفهم أننا مهددون في وجودنا، لكنني لا أستوعب أن نكون مهددين فيموتنا، وصلنا إلى مرحلة ما قبل القيامة، ما قبل إحاطة خصورنا بأحزمة ناسفة، دفاعا عن موتانا، هل تستوعب مخيلتك هذا المصير الملعون..؟ قلبي معك يا إسماعيل).

دخل إسماعيل فجأة المكتب، تعانق وصلاح عناق الأخوة: (ما أجمل رائحتك ياصلاح..).

أجابه: (هذه ليست رائحتي يا إسماعيل، إنها رائحة أمي، فاذهب إلى أمك دون إبطاء، التصق بها وانعم بحرارة جسدها..).

خرج إسماعيل راكضا، انتقلت عدوى صلاح، انتبابتني رغبة بالركض أيضا، والتوجه إلى أمي، لأعتذر لعينيها عن نسياني لها، وأقر بتفاهة التعايش مع فكرة الغياب والموت وانقضاء الأمر، شعرت كم كنت ظالمة وأنانية وناكرة للجميل، كيف استطعت الانشقاق عن رحمها والانضمام إلى جوقة الآخرين. اكتشفت فراغي وجفاف أمومتي وحدّة نبض قلبي، لهذا ربما لم أتزوج، عشت بمنافذ ونوافذ موصدة، لم يلحظ أحد الشباب أو الرجال شرفة في بنياني، لم ير بوابة لبيت روحي، ولا شرفة لغرفة قلبي، لم ير وردة تدل على حديقتي، فشل الكحل والعطر وأحمر الشفاه والذهب في استدراج غمزة رجل لغمازتي.

ارتبك صلاح وطأطأ رأسه، كنت وأنا محلقة في تأملاتي أعلق بصري علي وجهه، تجاوزت حزن إسماعيل وإلحاح من غادرتني روحي إليها: (كن لي يا صلاح، لا تسافر، أنا أحبك منذ خمسة عشر عاما، فاعذر منافذي الموصدة، أفتحها كلها الآن، ادخل أنت وأمك وأمي وأم إسماعيل، واسكني.. واسكنوني..).

تململ فعاجلته: (انتظر؛ لا تغادرني راكضا، سأركض معك لو فعلت، ولتقم الساعة..).

تذمّر بلغة الفقد المبكية: (أنا غريب، ولا أملك بيتا دائما لي، ولا مستقبل لعواطفي، الضجر يدمنني، ومزاجي متقلّب وملعون..).

برجاء: (أنا بيتك، ومستقبل فؤادك، والواحة التي تتململ فيها، والجهات التي يتقلب فيها مزاجك، اسمح لي بالدخول من خلاياك المشرعة على الحياة، الآن أدرك كيف شعرت بإسماعيل ولم أشعر به، وكيف كتبت مقالة في عبد الحي ولم يرها الآخرون، أؤمن الآن أنك الرائي بقلبك، وأنّي وجدتك، سأسافر معك أيها المنتشي بآلامك، هئنذي كما ترى، أصبحت أحب الشِّعر؛ والغرباء والمنفيين، أهملتك خمسة عشر عاما، وتجاهلت أمي أمك سبعين عاماً، وتجاهل أبي أباك عقوداً، فهل أنا جديرة بالتكفير؟).

أعاد لي ما كرهت: (هل تذكرين تلك الليلة، رقصتِ بكل ما ملكت روحك من انعتاق، عريتِ جسدك كأنني مرآتك، وحميتك من نفسي الأمارة بالعشق، ولم أقل لك السبب؛ نظرتك يا نجاة تشبه نظرة أمي وهي تعض على وجعها، سأذهب إليها وحدي، سيقودك قلبك إلى مكاني لو كان لي..).

انقبض صدري، ليته ظل محافظا على لعبة الإيهام، وإصراره على رفضه لدعوتي، لم أقل شيئا، اختلطت مشاعري وتناقضت وتشابكت.

نهض صلاح متوجهاً نحو الباب، وقبل أن يمسك المقبض قلت: (عظّم الله أجرك ياصلاح..).

التفت مذعوراً بعينين منفتحتين على الفقد، أسبلهما حين بحت: (توفي الملازم عبدالله قبل أسبوع..).

طأطأ رأسه وغادر ولم يعد.

صابر

اعتقد صلاح أن إثبات خروجه مع نجاة سيعيد إليها أنوثتها وسيسعدها، أراد إعادة ملكية المشهد، فهو حق لها وللاوعيها، لانعتاقها النادر من ذاتها. ظنّ أن تأكيده سيعيد لها توازن نبض قلبها، لم يتبادر إلى ذهنه أن المرأة العربية تعشق الوهم، تمارس في السر شهوتها وتنكرها حين تظهر للضوء.

حدثني عن فتاة قابلها في السنة الثانية من دراسته الجامعية، لم يكن بينهما حديث سابق رغم وجودهما في الفصل ذاته، عزلته الدائمة أغرتها، رسمت توحشاً ما في شخصه، وقفت أمامه فجأة واعترفت بحبها: (أنا على استعداد لمرافقتك إلى أي مكان لأثبت عشقي لك..).

زارته في السكن الجامعي بعد يومين، جمعتهما غرفة ضيقة في مبنى فارغ مكون من ثلاثة طوابق بسبب زيارة الطلبة لعلائلاتهم. احتست قهوتها ثم صعدت على السرير الصغير وبدأت بخلع ثيابها قطعة قطعة، خجل وارتبك وكاد أن يقترح الخروج والمشي في حديقة المجمع لولا عريها الكامل وترجلها عن السرير، وشروعها بطقس إغواء لم يفلت منه مثى وثلاثاً، حتى تمدد منهكا إلى جانبها وراح في نشوة النوم، نهض على أثرها فلم يجدها، وحده كان كما خلقته أمه.

أقبل عليها في اليوم التالي مبتسماً فرحاً: (لماذا رحلت أمس بهدوء لصة، استيقظت ورغبتي متوهجة هائجة؟).

رسمت عقدة بين حاجبيها: (عمّ تتحدث يا صلاح، أنا لم أحضر حتى أرحل، يبدو أنك تتوهم كثيرا..).

واسيته: ( لا تبتئس، ولا تغضب، النساء يعشقن الغريب عشقاً مؤقتا، يشتهينه عابرا مهما كان بارعا..).

يبدو أنه تذكر تلك القصة حين فعلت نجاة ما فعلته الطالبة الجامعية، وأراد أن يطمئنها في البداية، وحين أبدت استعدادها للرحيل معه ذكرها بالليلة المجنونة كي يؤكد لها التراكم الذي قد يتمخض عن استمرارية في مقبل الأيام، فانكمش قلبها ونفر، أرادت الاستمرار معه كامرأة لم يمسسها بعد، وتكون ليلة دخلة لا سابق لها، كأي امرأة توهم نفسها بالعذرية في ليلة زفافها حتى لو مارست العشق مع حبيبها عشرات المرات، وقد تبدي تمنعاً وخجلا.

لم يفهم صلاح معنى البداية، لم يدرك حاجة نجاة لتكون عروساً طازجة. نعت إليه موت الملازم عبدالله لتكتب نهايتها معه باسلوبها البدوي، الذي يومئ ولا يجهر. وكي ترسخ قرارها فلا تعود عنه، رسمت علامات استفهام جديدة على موت عبد الحي وبعده الملازم عبدالله، ولتؤكد على صواب كتابتها للتقرير الخاص بالمشاجرة التي وقعت بين صلاح وعبد الحي.

 

رواية شوق مزمن لأنور الخطيب -الفصلان السادس والسابع

     

الفصل السادس

صلاح

سلام على العابرين

سألني السائق الهندي عن وجهتي فأخبرته، كانت المسافة إلى المطار طويلة جداً، فملأتها أمي؛ تجرأت مرة وسألتها عن كيفية إتمام زواجها من أبي، طفَتْ ورود المراهقة على ملامح وجهها.

مسحتُ بسرعة دموعاً هربت غزيرة، بادرني السائق بلغةٍ إنجليزية مكسّرة ما معناه: (أمي أيضا ماتت، اصبر يا صديق..).

بدهشة: (كيف استنتجت أن أمي مَن ماتت..؟).

بثقة: (لا يذرف الرجل الدمع إلا على أمه..).

شرح لي كيف أنه لم يحضر مراسم حرق أمه، وتجنّب النظر إليها حتى لا يرى وجهها الزجاجي وعينيها المغمضتين إلى الأبد، بل أنه لم يلمسها حتى لا يتسلل بردها إلى روحه.

التقط مربعاً فضّيا يتدلى من رقبته: (هذه أمي.. كانت جميلة تضج بالحياة، تنقل الإحساس بالفرح إلى ناظرها فيبتسم..).

ابتسمت وترحّمت عليها بصوت مرتفع. قبّل الصورة وأقفل المربع الفضيّ: (لكن أمي بوذية!)..

ترحّمت عليها مرة ثانية، نصحني أن أفعل الأمر ذاته، أوصاني ألا أبكيها: (البكاء يؤذي الراحلين، يربك خطاهم وهم يحلقون نحو النور الأبدي..).

غرق وجهه بالدموع فذكّرته بلطف: (ألا يؤذي البكاء الميت؟)،

رد بصوت متقطع: (نعم يؤذيه، أمي ماتت قبل خمس سنوات، ودموعي تبللها وتنعش روحها، أما البكاء قبل الحرق فيؤذي يا سيدي..لا تبك..).

أحيا السائق رغبتي في ممارسة العمل كسائق تاكسي، لا لكي أنقل الناس إلى المطار في طريقهم لدفن موتاهم أو نقل أخبار الفقد، ولكن لأسمع أصواتا غير صوتي، فسيارات الأجرة صناديق الحياة الحقيقية، ولو لملم السائق الحكايا عن مقاعد سيارته لكتب الحياة كما دون زيادة أو نقصان.

قطع السائق شرودي بسؤال مدهش: (هل تمنيت يوماً أن تعمل سائقاً؟ أنا أفرح كثيرا حين أنقل عروسين ذاهبين في إجازة إلى بلدهما، أو شباباً مسافرين للتعرف على دنيا الله الواسعة، ولكن، أرجوك لا تسئ فهمي، أنا لا اشعر بالسعادة كثيراً وأنا أنقل المعزّين والفاقدين، حتى لو أكرموني بمبلغ إضافي، لأنني أعود إلى البيت فورا ولا أخرج منه حتى اليوم التالي، أسلم روحي للنوم، أستيقظ عند الفجر من ألذ ساعات النوم، وأذهب إلى عملي وأنا أترقب سماع قصةٍ جديدة..)

أعطيت السائق أكثر من المبلغ الذي سجله عدّاد السيارة، رفض الزيادة: (أنت أسأت فهمي، أحيانا أواصل العمل على أمل أن يصعد معي عروسان أو شباب مقبلون على الحياة، إن شئت أن تتصدق على أمك فافعل هذا بعد دفنها، ابتسم حين تتذكرها، ستشعر بك، وتقول “ابني سعيد بعدي”، رافقتك السلامة..).

التفتُّ إليه، كان يتأمل المربع الفضلي المتدلي من رقبتي، قبّله، ومضيت.

وضعت حقيبتي في الماسحة الضوئية، بإشارة بسيطة من العامل الأجنبي، خلعت حذائي وحزامي وساعتي، ووضعت الهاتف النقال وعلاقة المفاتيح والعملة المعدنية والذاكرة الإلكترونية في طبق بلاستيكي، دلفت من الباب الإلكتروني فأصدر رنينا، أومأ الشرطي لي بلا اكتراث بتكرار المحاولة، أصرّ الجهاز على رنينه كأنه يغيظني، طلب الشرطي رؤية إثبات شخصيتي، كنت على وشك أن أصرخ في وجهه متسائلا: “وهل الورق التافه هذا هو الذي يعرّف عني وبي؟”، كانت وثيقة السفر الأقرب إلى يدي، مسحني الشرطي بعينيه بحيادية، التقطت فكرةً مرت في ذهنه؛ بوضعي في الماسحة الضوئية، استبعدها حين لاحظ طولي، طلب مني الدخول إلى غرفةٍ خاصةٍ جداً، ونزع ملابسي كلها والمرور من باب إلكتروني داخلي، استجبت دون خجل، قلت في نفسي: (حين يخلع المرء حذاءه يهون عليه خلع كل شيء.. وأمام الجميع….)

رسم الشرطي عقدة وسط جبينه حين أصدر الجهاز رنيناً مرة ثالثة، ربما شك بأمرين: إما أن الجهاز قد أصيب بخرفٍ مبكّر، أو أنني أخفي شيئاً تحت جلدي.

تساءل بجدية كأنه في ورطة: (ما هذا الرنين الذي يصدر منك يا أستاذ صلاح؟).

أجبت بتلقائية: (ربما تجمّع الحزن حول عظامي فأصابها بالتكلّس، لا أعلم..).

قال متعجّباً: (لم أفهمك، ولا يمكن هذا، ولكن لملم أشياءك واستر نفسك وامض إلى أحزانك..).

وضعت حقيبتي على الميزان قالت الموظفة الفلبينية: (وزن حقيبتك أكثر من الحد المسموح بضعفين..). حملت الحقيبة فتحركت في يدي بسهولة، عقدت حاجبيها وطلبت بأدب جم وضعها مرة ثانية، لم يتغير مؤشر الميزان، فتحت الحقيبة بهدوء أعصاب، لم تر سوى عدد قليل من القمصان والثياب الداخلية والجرابات ووصلات كهربائية لشحن الهاتف والحاسوب وغيرهما. زمّت شفتيها الغليظتين واستدعت المشرف، فقام على الفور بحمل الحقيبة، تأملني وطلب منها إرسال الحقيبة إلى الطائرة، قال لها بصوت خفيض باللغة الإنجليزية: (كان في نيّة هذا الرجل وضع كل ملابسه في الحقيبة، كي يسافر ولا يعود..).

لم يكن أحد في انتظاري خارج الدار، الورود المصطفة أمام مدخل البيت صامتة، والقط الأبيض الحزين متجمد في مكانه، الهواء بارد ويحمل معه رائحة الريحان.

ترددت في الدخول، شعرت بأفعى تدخل من قدمي وتتسلل عبر أعصابي تاركة ركبتيّ مخدرتين، وخفقات قلبي تتسارع كصوت إبرة ماكينة الخياطة، تقدمت نحو غرفة أم الفؤاد بخطوات متلعثمة، وصلت الباب. قالت صبية كمن عثرت على أحد مفقود: (وصل صلاح)، وبكت بصوت عال.

غلّف الصمت الجارات والصبايا، شكلت العتبة الحد الفاصل بين الحقيقة والوهم، الغربة والوطن، الحضور والغياب، بين رحمي وأناي، اجتزتها متناسياً قضبان الحديد التي كانت تكبل رئتيّ.

أم الفؤاد ممددة تحت غطاء أبيض مكشوفة الوجه، غادرت الثمانين واستعادت صباها، غابت التجاعيد وحلّ لمعانٌ ساحرُ مكانها، رأيت جبيناً ناعماً كأنه قُدّ من الصباح، وعينين مقفلتين كأنهما زهرتا لوز ستتفتحان بعد قليل، اقتربت من الجسد المسجى كتمثال إلهةٍ مصنوعٍ من الفضة، تحسست وجهها بقلب أبٍ يتلمس نعومة وجه ابنته: (ما هذا الجمال يا أم الفؤاد).

صاحت النسوة الجالسات حول الجسد الملائكي، رفعتُ الغطاء، هممت لأقبل يديها كما كنت أفعل فور وصولي من السّفر؛ تورّمٌ أزرق وآثار حقن التغذية الوريدية، حضرتني صورتها حين اصطحبتها إلى المستشفى، وفشلت الممرضة في العثور على شريان لأخذ عيّنة دم، شكت أم الفؤاد للممرضة: (نشفت شراييني يا صبيّة..).

قبّلت كل مكان دخلت فيه إبرة في ظهر كفها، أعدت الغطاء الأبيض حتى رقبتها: (اتركوني مع أمي بعض الوقت..). عجزت عن نطق بحرف واحد، حضَرني صوت مدرس اللغة العربية وهو يشيد بموضوع التعبير الإنشائي الذي كتبته حول الأم: (ستفرح أمك كثيرا ياصلاح حين تقرأ لها ما كتبت).

هربت اللغة خلسة أمام المشهد القدسي، ذاك المقام كان يتطلب لغة الصوفيين والعشاق الإلهيين، لم أفكر كثيرا في إمكانيات اللغة، همست في سرّي، ورأسي إلى جانب رأسها، وكفّي بكفها:

(سلامٌ عليك ياسلامَ روحي/ سامحيني/ لا شيءَ معي لعينيك المغمضَتيْن/ لا طبيبَ لا دواءَ لا كأسَ ماء/ جئتُ من سفري المؤقّت لأشهدَ هذا الرحيل الطويل المعتّق/ ستخرجين في نزهةٍ أخيرةٍ بعد قليلْ/ لديّ سؤالٌ بسيطٌ خفيفٌ غير مؤلم: ألن تعبري بي؟/ افتحي عينيكِ مرّةً واحدةً قبل عبورِك بي/ اعبريني وقولي كلاما أخيرا لأشهدَ أنك قد بدأت بي وانتهيت بي/ حركي شفتيك طفلتي الكبيرةَ/ الفظي اسمي الصغير بقلبك الكبير/ اذكريني مرّةً واحدة كي أرسمَ المستحيلَ/ قد أغافلُ الموتَ/ أسرقُ منك بريقَهُ/ أدجّنه.. أقايضه/ أقلّها أبادلُ روحَك بي/ والله أبادل روحك بي../ بعد قليل سيقطفك العابرون من شجر البقاء/ يزيّنون السّماء لاستقبالك/ ها أنتِ تعبرين رغم استغاثةِ الطّفل بي إلى مطلق العبور/ وكفّايّ اللذان مسّدا أصابعَ رجليك طويلا سيسحلان كالرماد عن بيتك الخشبي المؤقّت/ هل أتبعك؟/ وددّتُ لو يُشترى الغيابُ لاشتريتُ مضجعَك/ لو أجنّ حتى أخطفَك/ لو تصيرين هواءً لأستنشقَك/ لو أعود طفلا فأبكي وأتبعُك/ وددّتُ لو لم تكوني، كي لا أكونَ فأجهلك/ بعد قليل ستعبرين عبورَ آيةٍ في الرياحين/ سيبكي خلفك الأطفال والرضّع/ القطط العصافير والورد والعريشة سور الدار، بئر الحديقة/ ستعبريننا كلّنا/ سنعود كأنّنا لم نعد/ وحدها عكّازة العمر ستبقى واقفة/ كلّما مسّها أحد يرتجف/ وسبحةٌ تحرك حباتِها وحدها/ تكوِّرُ ذكرَها على تكوُّرِها/ تحاور حبّةٌ حبّة/ تشم عطر كفّيْك وتلتحف/ ونافذة قرب سريرك كلّما أُقفلتْ/ تئن أنينَ السجونِ وتنفتح/ وليلٌ فاقد النطق خارج السور/ لا من يقول: “أضيئوا الطريق للعابرين لينكشف/ فمن أضاء دربك حتى تحجبي الأضواء عنا؟/ وماذا سأفعل؟.. صرت بلا مهنة/ لا شيء معي سوى فضاءٍ يضجُ بالذكريات/ سأفرده، ألملم من زواياه الحكاية/ أؤثّثُ أركانه بعينيك/ لا شيء معي لعينيك سوى عيني، قولي لهما: أضيئا الطريق للعابرين، سلامٌ عليك، سلامٌ عليك، سلامٌ على العابرين..)..

فوجئت بالصبية التي قالت (وصل صلاح) تربت على ظهري، قالت حين استويت واقفا: (سلام على العابرين..).

غطيت وجه أم الفؤاد فبدت كسحابة بيضاء، قرّبت وجهي مرة ثانية من وجهها وشممتها حتى آخر حدود رئتي: (وداعاً يا طفلتي، يا حبيبتي..).

…..

صابر

خالف صلاح وصية السائق الهندي وانفجر باكياً خارج غرفة أم الفؤاد، عانقه أخوه: (كلنا سنموت).

طالما نهشت هذه المقولة العمياء عقله في الصغر، وتركت ثقوباً لم تُقفل بعدُ حتى تلك اللحظة. اشتعلت النار في ساقيه وهمّ بالانطلاق في أزقة المخيم لكنه تراجع، اعتبرها علامة سيئة؛ فقدان الاستجابة لنداء عصبه علامة العجز والشيخوخة والرضوخ لفكرة (كلنا سنموت).

سحب دخان سيجارته ونفثها بهدوء قاتل، استهزأ بقصيدته التي همس بها لأمه، سمعتُه يقول: (الشعر مؤامرة حقيقية ومورفين الصراخ، سكنت روحي بعد ذاك المشهد الكاذب، كأنني بعت أم الفؤاد بقصيدة، كما يبيع الشعراء أوطانهم بقصائدهم الرثة التي تفوح خيانة وتدليسا، كما يبيع المتظاهرون قضيتهم حين يعودون بعد هتافاتهم في الأزقة والشوارع إلى البيوت أو البارات أو المقاهي أو لمقابلة عشيقاتهم كما لو أن مطالبهم لُبّيت، وأوطانهم نُظّفت من الفاسدين، أو كما تنسحب فرقة فنون شعبية من المسرح وتتجه إلى المطعم فيتندّر أعضاؤها على حركات بعضهم بعضا وعلى أخطائهم وأغانيهم الساذجة المكرورة، أو كما يترجل سياسي عن منصة منتفخ الصدر مترع الأحساس بأنه حرر عكا، وكل هؤلاء أيتام ولا يشعرون، وحدك تلوك الفقد يا صلاح، وحدك ترى رحيل أم الفؤاد ثقباً أسود يفتت الفرح وزهو الحياة، وحدك تتمزق للقب “لاجئ”، وحدك لا تتأقلم في الجغرافيا مهما كانت وارفة الطلال عليلة الهواء شهية النساء، وحدك تحيا في المؤقت، بيت مؤقت، فرح مؤقت، سيارة مؤقته، أثاث مؤقت، حتى امرأتك كانت مؤقتة وطلقتك حين أشعرتها بالمؤقت..).

واجهته: (لماذا تتناقض مع ذاتك وقد عشقت نساء بعدد أصابع يديك، حتى أنك تطلق على كل اصبع اسم امرأة عشقتها إلا نجاة، كانت خارج الكفين رغم معاشرتك لها، بينما احتفظ شاهدك باسم زُهرة رغم وهمها، ألا تسكّن بعض قلقي وتستقر، اغضب ما شئت، العن من شئت، لكن عليك أن تعترف بالمعضلة والكارثة والهزيمة وهول المؤامرة، ولا يكفي أن تقول لي ” الشاعر لا يُهزم، سلاحه الحرف الحاد والكلمة العاشقة في القصيدة، والجملة الصاعقة المربكة المخلخلة لنص المشهد في الرواية، وفي الواقع أنت تتعاطى المورفين، وتعاطيته قبل قليل وأنت تحضن جسد أم الفؤاد المسجى..).

لم يجبني، اندفع خارج الدار راكضا كذئب مسعور، سمعته يعوي كأن سكاكين تقطع رئتيه، ولم يعد حتى الصباح. استفسرت عن غيابه فقال: (ذهبت إلى ياسمين، ناديتها وكنت عالم بغيابها، وبكيتها كأنها حقيقة رحلت عن قمة الجبل، وحملت معها قصيدة لم أكملها بعد..)، واقترب من أخيه وأعلمه: (لا تقل ثانية كلنا سنموت، سأعيد أم الفؤاد إلى الحاكورة من جديدة، وستبقى نضرة كعرق الميرمية الأخضر).

…………………………………..

  الفصل السابع

الملازم أول عبدالله

(لا تأت على سيرة أم عاشق حتى لو كانت تحت التراب)

 كُلّفتُ بتجنيده، يتكوّن الملف الذي استلمته من ورقة واحدة، طُبعت عليها صورة لرجل يصعب تحديد عمره، توحي ملامحه بالوسامة والخجل، مكتوب فيها: (حضر إلى البلاد منذ خمسة عشر عاما، على الرغم من أنه كاتب وصحفي إلا أنه عمل في البداية مندوب علاقات عامة في شركة للحديد، ثم كاتباً ومترجم إعلانات في مؤسسة هندية، بعدها بستة أشهر عمل مدرسا للغة الفرنسية في مدرسة خاصة، انتقل بعد عام واحد ليعمل في الصحافة في جريدة غير منتشرة، شوهدَ في الفعاليات السياسية والاقتصادية والثقافية ومعارض التشكيل وحفلات الغناء والموسيقى وعروض الأزياء ومعارض السيارات ومسابقات الشطرنج، أجرى حوارات مع شخصيات بارزة زائرة على اختلاف تخصصاتها ومناصبها وجنسياتها، ذاع صيته وانتقل إلى صحيفة معروفة فزاد نشاطه وانتشاره خلال عامين فقط، ولفت الانتباه إليه كشاعر وروائي وكاتب مقالات فكرية وأدبية وفنية واقتصادية وسياسية، وتحقيقات ميدانية). وفي نهاية التقرير ملاحظة: (لهذا السبب نريد تجنيده، إنه رجل الأماكن كلها، يتحدث اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة، نريده أن يكتب تقارير عن زوار البلد، وأصدقائه ومعارفه).

لم تحدد التوجيهات آلية التعامل معه في حال موافقته، ولم تشر إلى الخطة ب؛ هل نستخدم لغة التهديد أم نأخذ في الاعتبار طبيعة عمله واشتغاله في الكتابة الأدبية.

اتخذت قرارا شخصيا وبدأت أراقبه؛ صلاح يزور الملاهي الليلية، يتناول قليلاً من الخمر، يراقص نساءً لا يعرفهن، لا يغادر حلبة الرقص إلا مُنهكا، غالبا ما يكون انسحابه بشكل مفاجئ، راقبته في المقهى يقرأ في كتاب صغير، أقفله فجأة وانسحب بسرعة كمن فاته موعد، وفي يوم آخر غادر المطعم قبل الانتهاء من وجبته؛ نظر إلى ساعته وانطلق، تبعته مرة لأعرف الموعد الذي يجعله يضحي بطعامه، تجوّل في معظم شوارع المدينة ليلا لأكثر من نصف ساعة، ثم اتجه إلى شاطئ البحر، أوقف سيارته ومشى حافيا نحو الشاطئ، صعد برج رجال الإنقاذ، أشعل سيجارة ومكث هناك كأنه يحرس البحر، مللت من انتظاره، فغادرت بعد ساعتين.

صلاح شخصية صعبة مزاجية وربما ضجرة، لا يرافقه أحد في مشاويره، لكن يسكنه طفل، تبعته مرة فقادني إلى مدينة ملاهي الأطفال، اتخذ ركنا وبدأ بمراقبة الأطفال.

اتصلت به وطلبت زيارته في الصحيفة، ادعيت امتلاكي موهبة الكتابة ونظم الشعر، رحب بي بحرارة، كانت الساعة السابعة مساء، غيّرتُ بعض ملامحي، حلقت ذقني وارتديت بنطالا وقميصا، وقدمت نفسي باسم عبدالرحمن. تأَمل ملابسي وقال: ( يبدو أنك متمرد، وهذه أولى صفة يجب أن يتحلى بها الكاتب والشاعر..). سألته بخبث: (هل تعني التمرد على السلطة؟).

تأملني بابتسامة حذرة: (ماذا تعمل؟).

لم أتوقع سؤاله، كان أقرب رد هو: (في التجارة).

عاجلني: (لا تبدو عليك هيئة التاجر، أخشى أنك تدعي الصعلكة..).

باستغراب: (وكيف تبدو هيئة التجار؟).

حدثني عن رجل اتصل به هاتفياً وطلب منه نشر قصة قصيرة مع صورته: (كان صريحا إلى درجة أنه لم يكتب سوى تلك القصة، تحدّى أصدقاءه بنشرها مع صورته، أرسل القصة مع سائقه النيبالي، لم تكن صالحة للنشر، طلبت منه إعادة كتابتها، وجهته إلى فقرات عليه إعادة صياغتها، وافق الرجل وأعادها بعد أسبوع، وجدتها قد تحسنت كثيرا، لكنها لا تزال بحاجة إلى المزيد من التوتر والابتعاد عن المباشرة، شجعته على مواصلة الاشتغال بها لقوة فكرتها، كانت قصة حب مختلفة، ويبدو أنه كتبها عن تجربة ذاتية، قال بلطف وتواضع إنه بذل قصارى جهده، فالتجارة لا تترك له وقتاً كافياً لتحسينها أكثر، وطلب مني تعديلها، ترددت كثيراً، وافقت حين أسرّ لي بأنه لن يكتب غيرها، فضحكنا على الهاتف.

اتصلت به في اليوم الذي نُشرت فيه القصة، فرح كالأطفال، قال إنه سيشتري خمسين نسخة من الصحيفة ويوزعها على أصدقائه ليعلن انتصاره في التحدي، لم أعدّل فيها سوى بعض الكلمات التي أثرت في طبيعة النهاية، فوجئت باتصاله بعد ثلاثة أيام طالبا مقابلتي أمام مبنى الصحيفة، لم يغادر سيارة الرولزرويس، اعتذر عن دخول المبنى، قدّم لي هدية رفضتها على الفور فأوضح: “في عاداتنا الهدية لا تُرفض، إلا إن كنتَ بخيلا..”، لم أسمع صوته منذ تلك القصة، كانت الهدية عبارة عن ساعة ثمينة جداً، هذا ما قال لي نسيبي العالم بأنواع الساعات..).

التاجر في نظره إذن هو من يأتي في سيارة رولزرويس ومعه هدية، وأنا زرته خالي الوفاض.

تلك القصة مدّتني بإمكانية وسهولة تجنيده، بصفته، كما اعتقدت، كاتباً يحب الهدايا، وربما المال، فاجأني سؤاله: (هل أحضرت نماذج من كتاباتك؟).

ادعيت: (نسيتها في مكتبي في الشركة..).

ابتسم: (أنت مُصر إذن، قلت لي أنك تكتب الشعر، لمن تقرأ من الشعراء؟)،

أُسقط في يدي، لم أكن أحب الشعر ولا الشعراء، خلافا لقومنا المهووسين بالشعر، حاولت التخلص من الموقف وجس نبضه: (ما رأيك لو أدعوك لتناول عشاء فاخر في فندق الشيراتون، ونتحدث بهدوء، أراك هنا منشغلا بأوراقك الكثيرة..).

شكرني: (أولا أنا لا أحب تناول طعامي في الأماكن التي يسمونها فاخرة؛ فميزانيتي لا تحتمل هذه العادة الرديئة، ثانيا أحتاج لثلاث أو أربع ساعات من العمل المتواصل هذه الليلة، حبذا لو تحضر معك في المرة القادمة بعض كتاباتك، وسأقدمك للعاملين في القسم الثقافي..).

كأنه أعلمني بانتهاء المقابلة، تجاهلت رغبته وسألته عن الوقت الذي يسمح له بتناول فنجان قهوة فصدمني: (الأصدقاء هم الذين يحتسون القهوة سويا في المقاهي، ونحن لم نصبح اصدقاء بعد..).

كان يحدّثني وهو يركز نظراته على عينيّ، بدأت اشعر بثقل في رأسي، فغادرته كالمنوّم، لم أصافحه، لم نتبادل كلمات الوداع، وسرت كآلة، استعدت يقظتي وقواي بعد دخولي السيارة، أشعلت سيجارة وحالي يتساءل: (كيف سأجند رجلاً كهذا!).

بحثت الأمر مع رئيسي في العمل وحاولت الاعتذار: (صلاح يحتاج رجل أمن ذا خبرة عالية..).

رد بقسوة: (هذا اختبار لك لتواصل عملك في هذا المجال، إن فشلت سننقلك إلى العمل الإداري الروتيني..).

قررت التعامل معه بقسوة إن تطلب الأمر، فهو في النهاية غريب حضر ليكسب رزقه، انتظرت أسبوعين حتى طال شعر ذقني، تابعت خلالها كتاباته، ذُهلت حين نشر مقالا بعد لقائنا بيومين، تحدث فيه عن “الأقنعة التي يرتديها البعض للوصول إلى الناس، والأدهى من ذلك أنهم يدعون كتابة الشعر، بينما لم يقرؤوا قصيدة واحدة، ولا كتاباً واحدا خلال عشر سنوات من حياتهم، ويريدون أن يصادقوا الأدباء والكتاب بشكل عشوائي ومجاني، ويستخدمون أسماء مستعارة أيضا في تعاملاتهم مع الآخرين..”.

توقفت عند كلمات: “عشوائي.. مجاني.. أسماء مستعارة..”، واختتم مقاله: “هذا البعض لا يعرف معاناتنا ككتاب وبشر، نحمل قضايا كبيرة تؤرقنا، وتقض مضجعنا، ولا تمحوها المطاعم الفاخرة ولا الفنادق ذات الخمس نجوم..”، أدركت أن الرجل يقرأ الأصوات.

نشر قصة قصيرة بعد خمسة أيام، عن رجل أمن يتخفى بثياب صعلوك، ويدعي العمل بالتجارة للإيقاع بفنان تشكيلي مهووس برسم العيون التي لا تكف عن مراقبة الآخرين، وهذا الرجل لا يعرف التكوين النفسي والوطني لهذا الفنان، فارتكب أخطاء جسيمة، جعلت رئيسه في العمل يوجه إليه التأنيب، ويهدده بإحالته للعمل في الوظائف المدنية، ولهذا قرر أن يستخدم الخشونة مع الفنان، وأن يزوره في مرسمه فيمزق لوحاته، ويكسر ريشاته، ويدلق ألوانه، ويمسح ذاكرته وتاريخه، ويجبره على الاعتراف بما يخفي، وقال في القصة إن “هذا الرجل لا يصدق أن الفنان يرى ما خلف لوحاته والجدران والثياب، لأن الفنان الحقيقي بصيرة، وهو رائي من الطراز الأول.

كيف حصل صلاح على تلك المعلومات السرية جداً، وهل ذكر ذلك مصادفة؟!

اتصلت به: (معك عبدالرحمن).

أصدر ضحكة خفيفة، تجاوزتها وأبديت إعجابي بالمقال والقصة، وتمنيت لو أستطيع الكتابة بذاك المستوى، وسألته عن تاريخ كتابته للقصة، فقال إنه كتبها قبل عامين.

سألني: (متى سنقرأ كتاباتك وأشعارك؟).

كلفت أحد المعاونين باستدعائه، طرق الباب بهدوء ثم فتحه ببطء وأطل برأسه: (الملازم عبدالله؟). أومأت برأسي، فتقدم مبتسما.

كان يرتدي بدلة سوداء وربطة عنق حمراء وقميصا أبيض نظيفاً جدا، ويضع عطرا فاخرا، أشرت له للجلوس، تعمدتُ الانشغال بأوراق مبعثرة، كانت يركز نظراته على مشهد خلفي، قال حين تقابلت عيوننا: (مسجد وكنيسة متجاوران، مشهد يجسد حوار الأديان وثقافة الحوار والتسامح، جميل هذا التجاور، هل تأملت بهذا المشهد يوما ما؟ ربما لم تلاحظه لأنه يقع خلف ظهرك..).

صرّحت بجدية: (هذا ليس موضوعنا ياصلاح..).

أجاب بملل: (أحببت إبداء رأيي بمشهد أعجبني فقط..).

سألت: (أنت صحفي نشط ومخلص وملتزم كما يظهر من انتشارك في جميع صفحات الجريدة، لماذا هذا التنوع والحضور في الأنشطة جميعها؟).

رد لي خشونتي معه بشكل مفاجئ: (هل هذا موضوع استدعائي لدائرة الأمن؟).

قلت: (ليس بشكل مباشر، وإنما يتعلق به بطريقة أو بأخرى..).

كان شديد الثقة بنفسه: (هل تخططون لافتتاح قسم للإعلام؟ يمكنني المساعدة في ذلك من دون مقابل، جانب كبير من العمل في الأمن لم يعد سرياً، وإنما بنشر الوعي بين الناس، نستطيع إصدار نشرة لطيفة ومعرفية تقلل الرهبة وسوء الفهم المترسخ بين العامة، ويمكن توزيعها مجانا في الأسواق والوزارات والدوائر والسفارات ومع الصحف أيضا، هذا عمل مهم وجديد يروق لي..).

صوبت نحوه نظرات حاسمة: (بصراحة ياصلاح، نريد الاستفادة من نشاطك وانتشارك الثقافي والمكاني والإعلامي، ما رأيك؟).

فاجأني: (أنا أؤيد مشاركة المعرفة وانتقالها بين الناس، هل يمكن أن تكون أكثر تحديداً ودقيقاً في شكل ونوعية هذه الاستفادة؟ رغم أن معظم ما أكتبه أنشره في الصحيفة..).

ظننت نفسي لمّاحا وذكيا: (نحن نريد هذا القليل الذي لا تنشره..).

أجاب: (هذا القليل لي، لا أحد يشاركني فيه سوى زوجتي، وأحيانا أطفالي وبعض معارفي، إنه مثل الصندوق الأسود المفتوح، حتى أنت تمتلك صندوقا أسود لا تفضل أن يشاركك فيه أحد..).

جازفت: (يمكنك اعتباري من معارفك).

رد بوضوح: (هذا ليس سهلا، الوعي بصورتكم لم ينتشر بعد..).

سكت للحظات وقال: (هل قرأت قصتي التي نشرتها قبل عشرة أيام تقريباً؟).

ترددت في البداية ثم اعترفت، قال: (سأكون مباشرا جداً معك، هل ستقوم باقتحام بيتي وحرق كتبي أو تمزيقها؟).

أخبرته أن تللك ليست طريقتنا وأنه حر في قبول العرض أو رفضه. نهض وتقدم من النافذة التي تطل على الجامع والكنيسة: (أنا أرفض رفضا قاطعا..).

وقفت إلى جانبه كالجلاد الذي يطلب من الضحية مساعدته: (أنا أمام تحدٍ ياصلاح، وموافقتك مهمة جدا بالنسبة لمسيرتي المهنية، وفشلي يعني إبعادي عن هذا السلك الذي حلمت بالانضمام إليه مذ كنت طفلا).

عاد وجلس ووضع ساقا على ساق: (حسناً، أستطيع التعاون معك للوصول إلى ما تصبو إليه..).

كان يحملق بي بعينين ساحرتين وتركيز عال، اعترتني الحالة التي تملكتني حين زرته في الجريدة، حشدت كل تركيزي على وجهه، قال: (يمكنني كتابة تقارير وقصص عن أسماء وهمية يعملون في مختلف المؤسسات، تشم فيها رائحة خطر ما، لكنك لم تتوصل إلى تحديده، ولا زلت تبحث في أمر هؤلاء الأفراد، وبما أنك لم تقدم تقريرا واحدا بشأن تجنيد أي شخص منذ تسلمك لمهامك، فإنك ستدهشهم باللغة التي ستكتب بها التقارير، وبالقصص المثيرة، وبالمتابعات الدقيقة، وسيسعد مدير إدارتك فيمنحك ترقية، وربما تصبح رئيس قسم، فأنا أكتب قصصا بوليسية جديرة بأن تتحول إلى أفلام سينمائية..).

استهوتني الفكرة؛ عمليات متابعة لا تؤدي إلى شيء، كثيرة هي العمليات التي يرهقون أنفسهم بها بلا طائل، تخيلت نفسي رئيس قسم، أجلس خلف مكتب فخم.

وبعد أن لمح النشوة في عيني: (وبعد أن تصبح رئيس قسم، تتابع كتابة التقارير، وسترفعها هذه المرة إلى جهات أعلى، ستتحدث عن الأشخاص أنفسهم، وتضيف معلومات عنهم، ولتفادي الغرق في الوهم، يمكنك تكليف الذين يعملون تحت إمرتك بمراقبة هؤلاء الأشخاص، ستزودهم بمواصفات دقيقة لأشخاص أعرفهم من زوار الملاهي الليلية والمطاعم البسيطة، وربما بأسماء نساء يترددن على تلك الأماكن، وتطلب من رجالك عدم الاحتكاك بهم، فقط مراقبتهم، وتستطيع أن تغير الرقابة، فيتابع الشخص المقصود أكثر من رجل أمن، ولكن لمرة واحدة فقط، وإذا ما ألحت الإدارة على استدعاء أحدهم تفيدها بأنه مسافر أو غادر البلاد نهائيا أو مريض في المستشفى، وربما تطلب متابعته خارج البلاد، وستحصل على ترقيات إضافية، وربما تصبح مدير إدارة، وكلما حصلت على ترقية تختلف مستويات الناس المستهدفين، وتصبح مسؤولا ربما عن متابعة موظفي السفارات الأجنبية، هنا يمكنني العمل معك بشكل واقعي، الخطر يأتي من هؤلاء، معظمهم رجال أمن، يتجسسون علينا..).

كان صلاح يتحدث وصورة رجل الأمن الذي تقمصته صغيراً تكبر وتتضخم، سمعته ينهي الحديث: (اتفقنا؟)، وينهض ثم يتجه نحو الباب، أفقت من أحلام اليقظة في اللحظة التي همّ فيها بالخروج. صرخت به: (إلى أين يا صلاح؟).

عاد بخطى بطيئة: (قلت لك اتفقنا، فهززت رأسك، هل تراجعت؟).

بحدة: (أنت إنسان مراوغ وخبيث، إن لم تتعاون معي سأعيدك إلى أمك..).

اتسعت عيناه وانتفخت شرايينه: (إذا جئت على ذكرِ أمي مرة ثانية ستقوم القيامة..).

تماديت في استفزازه: (أو إن شئت أحضر أمك لك.. حتى لو كانت تحت التراب).

حملق بي بعينين محمرتين، بدأت ملامحه تتغير لتصبح أقرب إلى وجه ذئب، شعرت بخلاياه تطلق شوكا نحو جسدي كله، بدأ الخدر يسري في دماغي وأطرافي، تخشّب لساني حتى فقدت النطق، نهض غاضباً، أمسك قلما وورقة وكتب شيئا ثم غادر المكتب مسرعاً. لعنته حين تحررت من لعنته، وقرأت ما كتبه: (أحضِر بعض نتاجاتك الشعرية في المرة القادمة..).

ناقشت موضوع صلاح مع رؤسائي في العمل، أطلعتهم على السحر الذي مارسه عليّ، مقترحه في الحصول على الترقيات، وشروطه للتعامل معنا، قررنا استدعاءه والتحقيق معه مجدداً.

أعلمتني نجاة أن عقده قد انتهى مع الصحيفة، ويستعد للمغادرة.

كنت أقلّب في الصحف العربية والأجنبية التي تصلني يوميا قبل الظهيرة، لفت انتباهي عنوان قصة قصيرة بعنوان “الصحفي العميل!”، علامة التعجب أثارت اهتمامي، كان فيها دهشة تجعل ما قبلها مستنكرا. تتحدث القصة عن محاولة تجنيد صحفي من قبل مخابرات دولة عربية، جاء فيها: “لم أكره رجل الأمن ذاك، أحسست بتعاطفه معي، ارتباكه أوصل لي ذلك الإحساس، حين توغلت في عينيه وقرأت ما في بصيرته وجدته شابا طموحا طيباً، كان من السهولة عليّ إيهامه، لكن تأثيري كان قصيرا، وبدأت المواجهة الشرسة، فقررت إنهاء حياته، لأن حياته ستنتهي بشكل أو بآخر بسبب فشله، ولرؤيتي الموت اللمعان الذي كان يصدر من كفيه اللتين بدتا مصنوعتين من شمع..”.

لم يذكر الكاتب الطريقة التي سيقتل بها رجل الأمن، ولا الوقت، وهل عدم كراهيته له جعلته يتراجع عن نواياه الإجرامية أم لا. دقّقت بتاريخ نشر القصة، كانت قبل ثلاثة أيام، فكرت باستدعاء صلاح لولا قراءتي اسما آخر ذيّل القصة؛ (صابر عبدالنبي).

ألقيت الصحيفة جانباً وتساءلت: “لماذا ذكر قصة التاجر صاحب الرولز رويس؟!

صابر

أحاطه القلق من كل جانب في الليلة التي سبقت استجابته لزيارة الملازم عبدالله، لم تكن تلك المرة الأولى التي يُستدعى فيها من قِبل رجل أمن، استُدعي قبل عقد ونصف لسبب أضحكه بقدر ما أحزنه، بتهمة علاقة ربطته بأميرة من الصف الثاني كانت تكتب القصة القصيرة، أُعجبت بأشعاره عن بعد، وبهيئته الفوضوية وبنطلون الجينز وشعره الطويل وجرأته في التحدث إليها عندما تقابلا في استراحة ندوة تتحدث عن العنوسة، لم يكن قد شاهدها من قبل، قدّمت نفسها وعرفته باسمها (الأميرة فتون.. كاتبة قصة قصيرة..).

رحب بها ببرود: (أهلا فتون، تعجبني قصصك باستثناء المواعظ المنثوره في النصوص..)، ثم استأذنها ساعة أطلّ صديق لم يره منذ سنوات.

تعمّدت اعتراض طريقه مع انتهاء الندوة بابتسامة ملونة بالإغراء: (أهكذا تتعامل مع أميرة معجبة بأشعارك أستاذ صلاح؟).

أجابها: (أعتذر إن كنت قد ظهرت قليل الأدب، فأنا لا أجيد فن أتيكيت الأميرات، ثم أنك تحضرين الندوة بصفتك كاتبة، وتوقعين اسمك في الصحف بلا ألقاب..).

نشأت علاقة مجنونة بينهما لم تعرف حدوداً، والتقيا في المطاعم والفنادق وعلى شاطئ البحر متناسين واقعهما، تناسى هو زوجته، وغضت هي الطرف عن الحراسة السرية التي كانت تتبعها كظلها.

أمره رجل الأمن: (لدينا تعليمات بأن تكف عن الخروج مع سمو الأميرة، أنت تعلم خطورة ما تقومان به، وحتى أكون واقعياً، هي لن تتأذى، ولكنك ستتحمل وزر اختراقك للمقامات..).

سألته ببرود: (هل تعني التوقف عن الخروج العلني ولا بأس من المقابلات السرية أم أنك تطلق رصاصة الرحمة على قصة عاشقين؟).

قال: (أنصحك بنسيانها أستاذ صلاح..).

حذرت صلاح منذ لقائه الأول بفتون وقلت: (حياتك تساوي رصاصة واحدة ثمنها أقل من دولار، أو حادث سيارة يُسجّل ضد مجهول، أو تلفيق تهمة لك، سياسية أو مخدرات أو أمنية، وتودع السجن فلا تخرج منه أبدا، لأنك ستُصفّى داخله، هل فقدت عقلك أيها المجنون، أنت تهمل زوجتك وأطفالك وتحكم عليهم بالتشرد؟).

قال بلغة ثملة: (أحبها، بل أعشقها، أنت لم تجرّب عشق الأميرات أيها الصابر الحكيم، كل شيء مختلف معهن، إنها العاطفة الأميرية التي تحمل شقاوة نساء الليل، لكنني سأحرص على التخفّي حين ألقاها).

سألته: (كيف؟).

بتعالٍ: (بثياب أمير، أنسيت أن الجد الرابع لأمي كان أميرا!).

قلت: (هذا حديث أم الفؤاد التي كانت تتباهى بنسبها..).

صححت له معلومته: (بل حديث أبي القاسم، زوجها، أبيك أيها المتواضع..).

انتهت العلاقة فور معرفة صلاح بسفرها إلى فرنسا وحيدة، ومقابلتها هناك شابا من غجر فرنسا، ولم يجد نفعا وصفها له بالصديق الغجري.

مبعث قلق صلاح سببه اقترابه من الستين. فكّر بالطريقة التالية: هم لا يريدون تجنيدي لأعمل داخل البلاد وإنما خارجها، مرجّحين لهفتي للحصول على راتب تقاعدي لم أكن في حاجة إليه، فأبنائي وبناتي تزوجوا ويعيشون بسعادة مع أزواجهم وأزواجهن، وطليقتي تعيش مع والدتها وافتتحت محلا لبيع الزهور، وأنا يكفيني نصيب الطير…

ذهب صلاح لمقابلة الملازم عبدالله بسيارة ليموزين استأجرها، وببدلة أنيقة وربطة عنق فخمة، ورش عطرا مثيرا أضفى عليه جاذبية حين تمازج مع عطره الأصلي.

أول تعليق من الملازم: (هل لديك موعد غرامي بعد الجلسة أم أنك ذاهب لتتزوج..).

صلاح بلا مبالاة: (لا هذه ولا تلك..).

وإذ طلب منه التعامل معه أدهش الملازم بإجابته: (هل تستطيع دفع مكافأتي، أنا أتقاضى خمسة آلاف دولار مقابل التقرير الواحد، فإن كنت تريد عشرة تقارير عليك دفع خمسين ألف دولار..).

خرج الملازم من مكتبه لربع ساعة وعاد: (هل أنت جاد فيما تقول؟ حسابك البنكي واضح لدينا، ولا أعتقد أنك تتعامل مع جهات استخبارية أخرى..).

صلاح: (من يتعامل مع جهة يستطيع التعامل مع ثلاث جهات، وأنا أعطيتك سعر الجهات كلها، حتى أكون مخلصا لكم، وكما ترى، لست في حاجة إلى نقود، وإنما هي هواية تعينني مخرجاتها على كتابة الروايات، سيّما أنني سأتجسس على هؤلاء الذين يسرقون خيرات بلادنا ويقتلوننا كل يوم، وينتشرون في العالم كالنار في الهشيم، على شكل فنانين ورجال أعمال وإعلاميين..).

غضب الملازم: (أنت تعلم ماذا نريد وتتغابى، نريدك أيها الوسيم أن تكتب عن أقرب المقربين لك، حتى عن أمك في قبرها..).

نصحت صلاح بالهدوء وضبط النفس والتنفس بعمق والنظر خارج النافذة والتظاهر بأنه لم يسمع شيئا، أو أن ينهض فيركض كعادته ليتجنب تجمع الدم في تجاويف دماغه، أو أن يبادر بالموافقة ولا يلتزم، فهو مغادر بعد شهور قليلة جدا، لم يأخذ بنصيحتي، جحظ بالملازم بشكل متواصل، فكشّر به (ما أقبح هذا الوجه، رأس ذئب على بدلة أنيقة)، وبدأت عيناه بالذبول حتى سقط رأسه على صدره.

قلت: (أريدك الذهاب إلى طبيب نفسي كي تتخلص من الذئب في داخلك)،

صلاح: (سأفعل حين يختفي الذئاب..).

رواية شوق مزمن للروائي أنور الخطيب-الفصل الخامس

رواية شوق مزمن – الفصل الخامس

الفصل الخامس

نجاة

(أشعر بانتشاء، اغمرني بنظراتك القاتلة، أرغب بالموت الآن..).

 قابلتُ صلاح لحظة توقيعه العقد مع الصحيفة، وسامته لم تجذبني، شعره الطويل الناعم الفوضوي أوحى لي بصعلكته، جسده النحيف أنبأني بضعفه، سروال الجينز الذي كان يرتديه وفوقه قميص طويل يغطي نصفه السفلي حتى منتصف ساقيه ذكرني بفوضى الرجال في البيوت، حذاؤه الضخم رسم أمامي عامل بناء، كوكتيل غريب أقرب إلى العفوية المتوحشة، عطره وحده استمالني، أسكرتني رائحة العشب المتداخل بعطر الياسمين المطعم برائحة الكحول المجبول بالعرق الذكري، شممته وشعرت برغبة فورية للعب من طرف واحد بشعر صدره الأسود والأبيض الكثيف الفائض على قميصه، سألته عن اسم عطره بعد أن سادت ألفة بيننا كزملاء، كان من الأنواع الرخيصة، ما يدل على أن رائحة جسده الطبيعية تمتزج بذاك العطر فتنتج عبق الإغواء، ورغم ذلك لم يجذبني بكلّه، ثمة هوة صغيرة كانت تحول بيني وبينه، تساءلت، وأقنعت نفسي أن الحب لا يستدعي الأسئلة، وتوصلت إلى نتيجة غبية بأنني لا أحبه، لكن لماذا أوليته اهتمامي إن كنت أحبه أم لا؟ لم أتوصل إلى إجابة في تلك المرحلة من تعارفنا.

شرح بعد توقيعه العقد: (أنسى توقيعي دائما، وهذا ما أذكره في هذه اللحظة، استخدمت هذا التوقيع قبل خمسة عشرة سنة ونسيته، يقال إن توقيع الرجل يدل على شخصيته، فهل عدم التزامي بتوقيع محدد يعكس رغبتي بالابتعاد عن الالتزام بشيء؟ رغم أنني حين أعشق أضجِر حبيبتي من شدة حرصي على قلبها..).

لم أطلب منه الحديث عن تواقيعه، ولذا لم أجبه، فتح موضوعا نفسيا فلسفيا لا علاقة لي به، ما معنى الانشغال بشكل توقيعاتنا وخطوطنا! أذكر أنه وقع العقد بنقطة تلاها خط مستقيم، لم أناقشه في أمر تافه كذاك، اعتبرته حرية شخصية، هو حر في اختيار التوقيع مثلما هو حر في ارتداء سروال جينز طوال الوقت، واصل: ( يبدو أنني سأتذكر هذا التوقيع دائما، لأنه نقطة البداية في العمل الصحفي هنا..).

استفسرت: (ألم تعمل في الصحافة من قبل؟).

أنّبني بهدوء: (كأنكِ لم تسمعي كلمة “هنا”، لقد عملت في دولة عربية في شمال أفريقيا، كنت أشرف على ملف سياسي خاص بالقضية الفلسطينية، طبيعة عملي فرضت علي عدم مغادرة المكتب إلا لمحاورة أحد المسؤولين النزقين. مللت من طبيعة العمل، قضيتنا إلى تراجع انعكس عليّ، وضجرت من المكان رغم جماله وحيويته فقدمت استقالتي، ولهذا أنا لست صحفيا عاديا ولن أكون، واتفاقي مع صحيفتكم يُرضي حريتي في الحركة، صحيح أن المسمى في العقد هو محرر، لكنني في الحقيقة محرر ميداني، المكان مفتوح أمامي، قد أكتب تحقيقا عن الطرق أو خزانات المياه، أو تحقيقا عن انتشار انفلونزا الخنازير، أو عن التعليم وحرص الأهالي على تعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية، أو ربما أكتب تحقيقا حول انتشار العاهرات في الفنادق، وظاهرة المثليين والمثليات، أو عن البنات المسترجلات، أو العنوسة أو الطلاق، أو عن مفهوم الناس للوطن، أو خيانة الرجال، موضوعات كثيرة..).

جاملته: (ربما يخدم عملك اشتغالك بالأدب وكتابة الروايات، كنت قد قرأت حواراً معك في صحيفتنا، على كل حال، أتمنى لك التوفيق..)

نهض بشكل مفاجئ ظنّا منه أنني أنهي المقابلة: (الآن أتجاوز النقطة وأخطو الخطوة الأولى على الخط..).

شكرني وغادر، تمنيت مكوثه لأستمتع في سري برائحته.

مر أكثر من ثلاثة أعوام لم ألتق به سوى دقائق قليلة، كاد الوقت أن يواري صورته ورائحته، خاصة أنه كان يستقبل نساء كثيرات في العمل، ويخرج لوداعهن فرحا كطفل، شعرت أن قلبه يتعلق بهن جميعا، إلى أن حدث أمر شغل الصحيفة بأكملها؛ وقع إشكال بينه وبين عبد الحي، أحد رؤساء الأقسام، بعد اكتشافه مؤامرة كان يحيكها ضده، تحاورا بلغة حادة وخشنة ومتوترة في البداية، ما لبثت أن تحولت إلى صراخ وكادا أن يشتبكا بالأيدي، تدخل الزملاء وفصلوا بينهما.

استقر صلاح في مكتبه لكنه سمع عبد الحي فجأة يتمتم في مكتبه، وينعته برجل العصابات وتربية مخيمات النازحين، لم يرد عليه صلاح، فانتهز الفرصة وصعّد من لغته ولعن أمه والزمن الذي جعله يعمل مع أناس لا يعرف أصلهم ولا فصلهم، اندفع صلاح باتجاهه وهو يحمل سكينا كان يقطع فيها الأخبار من وكالات الأنباء، توقف حين وصل حدود مكتبه ووجه كلامه له بهدوء من سيُقتل بدم بارد: (أخرج من مكتبك كي أعلمك كيف يتصرف رجال العصابات حين تُلعن أمهاتهم..). أخذ الرجل بالصراخ والاحتجاج، توافد الزملاء وفصلوا بينهم للمرة الثانية وساد الهدوء لأكثر من ساعة، لكن صلاح توجه إلى مكتب عبد الحي قبل مغادرته للصحيفة، حملق به بشكل متواصل ولم ينبس ببنت شفة، ورحل.

أغمي على عبد الحي بعدها بدقائق، سأله زميله حين استفاق: (ماذا حدث يارجل؟). دعك عينيه: (لا أعلم، وقف صلاح أمامي، رأيت في وجهه وجه ذئب، وقال جملة واحدة بصوت منخفض وهو يكز على أسنانه: “أتلعن أمي؟!”.

كان يشد على قبضته كم يطحن جمرا، بعدها وجّه نحوي نظرات غريبة من عينين حمراوين، أحسست أن جسدي الضخم ينكمش، ورئتي تضيقان، وهواء المكتب قد أُفرغ من الأوكسجين، فسقط رأسي على الطاولة..).

صار صلاح حديث الصحيفة، تساءل كثيرون كيف يمكن لرجل هادئ وشاعر رقيق أن يتحول خلال لحظات إلى محارب بالسلاح الأبيض! دافع عنه كثيرون فيما بينهم، تفهّموا ردة فعله، ونعت البعض سلوكه بالغريب. وبعضهم ممن تربطه علاقة برئيس القسم وصفه برجل شوارع في ثياب أديب، واستدل بشَعره ولباسه وشاربه الكثيف، وقال أحدهم إنه شاهد صلاح يغادر مبنى الصحيفة ركضا رغم بلوغة الخمسين من عمره، في طقس حار ورطب جدا، راقبه حتى وصل منطقة سكنه.

هل ركض صلاح لينفس عن غضب استبد به؟ وماذا لو لم يقطع تلك المسافة ركضا، هل كان سيهجم كالثور على زميله فيشرّحه بسكينه الصغيرة الحادة؟

نقل أحد الزملاء الذين زاروا صلاح في شقته الصغيرة وخلع نعليه قبل الدخول بناء على رغبته، إنه لا يستخدم مكيّف الهواء حتى في فصل الصيف، سأله عن سر قدرته على تحمل الحرارة والرطوبة فأخبره: (جلسة تأملٍ قبل النوم، أستحضر فيها ربيع بلادي، تُبقيني منتعشاً حتى الصباح، أما النهار فأنا كفيل به، جميعكم تشكون من نقص في فيتامين “دال” وأوجاع في المفاصل، أما أنا فتربطني بالشمس علاقة حب..).

هل ما شممته كان رائحة عرق صلاح؟ وما نوع الغذاء الذي يتناوله فيجعل جسده ينز ياسمينا ونبيذا! انتابتني رغبة بتضميخ جسدي بعرقه، كانت فكرة مجنونة، لكنها مناسبة لامرأة مثلي، وصلت الأربعين ولم يمسس أجزاءها الحساسة بشر، يبدو أنني أشتهيه ولا أحبه.

بعد عشرين يوما من المشكلة، أصر الزملاء في إدارة شؤون الموظفين على الاحتفال بعيد ميلادي الخامس والثلاثين، بعد انفضاض الجميع، وصلني صندوق ملفوف بورق هدايا مرسوم عليها ورود وأطفال يجتمعون حول امرأة عجوز، عجزت عن تحليل الرسومات بعد تأمل طويل، فتحت الصندوق، فاحت منه رائحة صلاح، رغم احتواء الصندوق عطرا من النوع الفاخر غالي الثمن، كان عطري المفضل الذي أستخدمه في الصباح؛ مزيج من الخزامى والعود، قرأت بطاقة صغيرة كُتب عليها: (أتمنى لك عمراً مديداً معطرا بالفرح. التوقيع: ص.ــــــــــ).

منذ ذلك الوقت، تراجعت عن اتهامي لصلاح بالبخل.

بصفتي مديرة شؤون الموظفين؛ أعلم أن كثيرين تبدأ أسماؤهم بحرف الصاد، لكنني اتصلت مباشرة بصلاح، شكرته واستأذنته بالحضور إلى مكتبي، تمنّى لي عيدا سعيدا واعتذر لانشغاله الشديد، لكنه أدهشني بحضوره بعد دقائق قليلة: (هل أعجبتك؟).

سألته بفرح: (كيف عرفت نوع عطري المفضل أستاذ صلاح؟)

نظر من النافذة: (عطرك يملأ المكتب والممرات سيدتي، يفوح منك كلما حركت كفك، أو غيرت وضعية “الشيلة” على شعرك، ثم أنه علق بنسخة عقد العمل، يبدو أن عطرك هو النقطة..هذا فأل جميل..).

أربكني، تحدث كالعارف بحواراتي الداخلية، وبعطره المخلوط بعرق جسده الذي سكن عيني، قال وهو يرسم عيني بنظراته: (هل يمكنني الاستيلاء على بعض من وقتك؟).

أحسسته يطلب الاستيلاء عليّ: (لك ما طلبت..).

تفقد المكان بالتفاتات حذره كمن سيبوح بسر خطير للغاية: (إنه موضوع خاص سيدتي..).

سألته عن سبب اختياري ليودع صدري سره فأجاب: (من يستعذب رائحتي أؤمّنه على روحي..).

لم يعطني فرصة التساؤل عن كيفية معرفته استعذابي لرائحته، تحدث مباشرة: (علمت بلا أدنى شك بسوء التفاهم الذي وقع بيني وبين زميلي العزيز عبدالحي، لقد مسني في قلبي ولعن طفلتي المقدسة، يبدو أن أحدهم كتب تقريرا بالإشكال فاستدعتني إدارة الأمن.. هل أكمل؟).

لم أدر بوجود مخبرين في الصحيفة، ثم إن سوء التفاهم بين الزملاء من اختصاص الإدارة وليس جهاز الامن؛ وقد حفظنا ملف الإشكال بعد المصالحة التي تمت برعاية مدير التحرير، طلبت منه مواصلة تفريغ ما بصدره، كان مهموما.

قال: (كلا ياسيدتي، لست مهموما، أنا لا أخشى رجال الأمن، ألفتهم لكثرة احتكاكي بهم، ولكن حين أبصر أحدهم ينتابني الغثيان، فأنا بكل بساطة أشك بانتماءاتهم، بغض النظر عن البلد التي ينتمون إليها، فهم يرتدون أقنعة ويبيعون أنفسهم لمن يدفع أكثر، ثم أن أشكال وجوههم لا تعجبني، لهم عيون واسعة في وجوه مربعة، سألني إن كنت أجيد استخدام السلاح، والى أي تنظيم أنتمي، وأسماء أصدقائي والدول التي زرتها، وطلب مني اسم شخص يعرّف بي فزودته باسمك، فملفي لديك وأنت خير من يزودهم بالمعلومات الحقيقية..).

نبّهته: (لا أعتقد أنهم يبحثون عن اسمك وتاريخ ميلادك ومؤهلاتك وخبراتك واللغات التي تجيدها، هل أجبتهم؟).

أجاب: (أنا لا أكذب، قلت لهم إنني انخرطت في شبابي المبكّر في دورة تدريب قتال خاص، وأجيد استخدام أنواع الأسلحة الخفيفة كافة، وحصلت خلال دراستي الجامعية على حزام أسود في رياضة الدفاع عن النفس “الكاراتيه”، وكنت ماهراً في إصابة الهدف بدقة بواسطة السكين، كما أنني كنت قناصاً ماهراً لا أخطئ هدفي، ثابتا كان أو متحركا، لقد فرحت لسؤاله، وقلت له بطيبة لا يشوبها شائبة: “أعتقد أنكم ستنظمون دورات تدريبية للشباب لتأهيلهم لمحاربة العدو الصهيوني، هذا عمل رائع تُشكرون عليه، وسيرفع اسم بلادكم عاليا في أوساط اللاجئين، وأعدك أن أكون أول المسجلين، رغم أنِّي في أربعينيات عمري، لكنها فرصة لاستعادة ما تعلمتُه وتدربتُ عليه، أشعر أنِّي نسيت كل شيء، فمنذ عشرين عاما لم أطلق رصاصة واحدة، ولم أقفز في الهواء كما كنت أفعل، فكرت في استعادة لياقتي في ناد للكاراتيه بالقرب من مسكني لكن الوقت ضيق..).

سألته وأنا أشعر أنِّي أمام بطل فيلم سينمائي: (وماذا كانت ردة فعله؟).

أجاب: (عبَّر عن دهشته، وكان يبتسم كلما فصَّلت له الأمر، قال: “لن ننظم أي دروات في الوقت الراهن، ولكن اهتم بعملك فقط ياصلاح، ولا تتهجم على الآخرين..”. علمت أن أحدهم نقل كل ما حصل بيني وبين عبد الحي فقلت: “لكنه لعن أمّي يا سيادة العقيد..”. فسألني: “وهل كل من يلعن أمك تهجم عليه بسكين وتهدده؟”، فأجبته: “وأطلق عليه النار دون تردد..”. سألني: “وهل سبق أن أطلقت النار على أحد؟”، أجبته: “نعم، أطلقت النار على كلب مسعور..”، فابتسم..).

لم أصدق قصة صلاح كلها، ظننته يستعرض أمامي ويختلق حكايات تشبه تلك التي يكتبها فسألته: (وهل تركك تمضي في حال سبيلك؟ ثم لماذا دائرة الأمن وليس مركز الشرطة؟ ما حصل بينك وبين عبد الحي ليس من اختصاص دائرة الأمن..).

اقتنص التهكم الخفي في حديثي، وقف فجأة وأخبرني بأن عبد الحي لم يشتك في مركز الشرطة، وأحد العاملين في الصحيفة رفع تقريرا إلى العقيد عبدالعزيز، فاستدعاه كما يبدو بصفة شخصية ليوصل له رسالة بأنهم يعلمون كل شيء: (جئت أعتذر منك لزجي باسمك في السجلات الأمنية..).

رائحة صلاح لم تكن كافية لأحبه أو أعشقه وأسلمه نفسي، كان غامضاً جداً، لا يختلط بزملائه إلا عند الضرورة، لم يكن لديه أصدقاء مقربين، مات صديقه الوحيد قبل استقالته بعامين، وما زاد من غموضه عدم مغادرته البلاد لعشر سنوات متواصلة، وبقائه في الصحيفة حتى وقت متأخر من الليل يكتب ويقرأ.

دعوته للعشاء في مطعم في فندق فوافق، قال إنه سيرافقني إلى الفندق ولكن ليس إلى المطعم، وإنما إلى مكان فيه ضوء خافت جميل، وموسيقى حالمة، هناك عازف سكسفون بارع يأخذه إلى عوالم بعيدة، وإن الخروج مع امرأة جميلة لا يكون إلى مقهىى، غبي من يفعل ذلك، ولا يجيد التعامل مع النساء.

هبت رائحته المثيرة حين دلف إلى السيارة، راودتني فكرة العودة معه إلى شقته لكنني جبنت بسرعة، تحدثنا في كلام عادي بخجل وتحفظ وتردد.

كنت قد أحتطت للأمر، ارتديت تحت العباءة سروال جينز، وفوقه قميصا فضفاضا طويلا، وسرحت شعري إلى الخلف، أثنى على هيئتي الجديدة دون دهشة، ودخلنا بسرعة إلى مكانه المفضل، مطعم وبار الأكواريوس، لم يسبق لي أن دخلت مكانا كهذا، قلت إن الحياة تقتضي المغامرة أحيانا، اقتربت من إدراك سبب خروجي معه، لم يكن إلا لسبر أغواره أكثر، تآمرت على نفسي وخدعتها.

خلع نعليه، واقترح عليّ مجاراته، اختار زاوية بعيدة عن المرتادين، لا يصلها صوت الموسيقى إلا كموجات ناعمة تسبح فوق محيط هادئ، طلب نبيذاً واشتهيت عصيراً، قضينا معظم وقتنا نستمع لعازف السكسوفون ونتبادل الابتسامات.

أمال رأسه نحوي: (انظري إلى العازف كيف يمسك بآلته ويرفعها نحو الأعلى كأنه يخاطب السماء، وكيف يعطيها من روحه ونبض قلبه، أنا أسافر معه في الطبيعة البعيدة، رغم أن هذه الآلة ليست من تراثنا الشعبي، إلا أنه يحملني إلى سهولنا وغاباتنا وبحارنا وبيوتنا الضائعة، أهيم فوقها كغيمة زائرة وأمضي، هل أعجبك المكان والموسيقى؟).

تجرأت: (مكان جميل، يشجعني على مرافقتك في كل زياراتك..).

بهدوء: (لا أعتقد، أنا أحضر هنا لألتقي بنفسي، أشحنها بالطاقة وأنظفها من درن الخارج، وأجواء العمل والناس والأسواق والشوارع والخيانات، وأخرج في كل مرة من هنا كحمامة بيضاء، أو كناسك زار الله وعاد بروح طفل..).

تذاكيت: (لا أريد انتشالك من أجوائك الساحرة وأخذك إلى أماكن تزعجك، ولكن قل لي لماذا غاب عبد الحي عن الوعي دون أن تمسَّه أو تحدثه، قالوا إنك وجهت نظراتك إليه فقط، وشعر هو بجسده الضخم ينكمش، كأن شُكَّ بإبر صينية خدّرته، ثم شعر بالاختناق وأغمي عليه للحظات..).

عقد جبينه: (لعن أمي يا نجاة، هل تعلمين ماذا يحدث لي عندما يلعنها أحدهم؟ إنها تنهض في خلاياي، تسري في وريدي، تدوزن نبض قلبي، تسكنني سُكنى حقيقية، بغضبها ونقمتها ولعنتها، فتصبها جميعا على المعتدي، أتحوّل إلى مخلوق متوحّش، سأقول لك، أصبت بحمى في صغري، شارفت فيها على الموت، عجز الأطباء ورجال الدين ومحترفو الحجامة عن إخراج النار من جسمي، حملتني أمي وانتبذت زاوية في البيت، حضنتني تسعة أيام بلياليها، غبت عن الوعي عدة مرات، لم تتنازل عني، أحسست أنها أدخلتني إلى رحمها وولدتني من جديد، في اليوم التاسع أنّت وتألمت وفتحت ذراعيها للسماء وقالت: “خذه بمشيئتك”، ومدّدتني أمامها، صرخت كالأطفال ثم نهضت ومشيت، أنا وُلدت مرتين يا نجاة، كلما سمعت هذا العازف يحضرني أنينها، أستسلم له، أتداخل باللحن فيسحبني إلى رحمها، وحين أتشبع أخرج فجأة..).

بإحساس بالذنب: (هل فصلتُ بينكما هذه الليلة؟).

بتأمل: (ربما وصلتِ بيننا أكثر..).

سألته بحنان: (لماذا لا تزورها؟ منذ عشر سنوات لم تطلب إجازة..).

سارع: (بلى؛ طلبتها مرة وغبت أسبوعاً، جازفتُ من أجل رؤيتها وهي تغيب للأبد، لم أتمكن من احتضانها تسعة أيام وليال كي تُشفى، كنتُ بعيدا ومطارداً ومطلوباً، عودتي كانت محفوفة بالقبض علي وإيداعي غياهب السجون، كنت سأطلب من العسكر منحي دقائق لرؤيتها، لكنني نجوت في يوم مغيبها، أنت تسألين عن عدم سفري، هل سمعت بمذبحة صبرا وشاتيلا؟).

لم أجبه. أخبرني وهو يتأمل بالعازف إنه استدرج أحد القتلة إلى مسرح الجريمة، وأطلق عليه الرصاص أمام حشد من الناس فصفقوا له، وغادر البلاد براً إلى دولة أخرى بسرعة مدهشة، كان ملثّما لكن أحدهم وشى به.

حاولت إعادته إلى الواقع: (دعنا نواصل الاستماع إلى موسيقاك حتى لا نفسد الليل، أمنياتك كثيرة وخيالك واسع..).

أخلى المكان ركضاً كالهارب من قدره، كان يحمل نعليه بيديه، تبعته بسيارتي، تذكرت قصة عودته من الصحيفة ركضا في جور حار ورطب، ظل يركض حتى وصل مكان سكنه، حلّفته بأمه ليدخل السيارة، كان يلهث، وقميصه قد تبلل بالعرق. ما أن دخل حتى انفجر بالبكاء، تركته يبلل خديه وياقة قميصه فامتزجت دموعه بعرقه. توقف عن النشيج، فاحت رائحته، قلت: (أريد مرافقتك لأطمئن عليك..).

طلب مني أن أخلع حذائي، كانت شقته صغيرة، لا سرير فيها، فرشة سرير كانت تحتل نصف غرفة النوم، وطاولة صغيرة للكتابة في غرفة الضيوف، وأريكة طويلة تعلوها الكتب المبعثرة والأوراق المسودة، وعلى الجدران صور أمه، وصوره معها. سألته: (ألا تشعر بالحرارة؟).

أعلمني أنني سأشعر بالبرد بعد قليل، وقف أمامي: (افعلي مثلي..).

خلع قميصه، لم أقاوم توحش عطره وشعر صدره، كان مبتلا بالعرق، احتضنته، وجعلت وجهي بين كتفه ورقبته، همس: (نسائم تهب عليّ من بعيد، تحمل انتعاش عطر أمي، وموسيقى رحمها..).

رجوته: (لا تستدع أحدا أو شيئا، ابق رطبا كما أنت، إنك تسرّب لي ثمالتك، أشعر بانتشاء لم أختبره طوال أربعين عاما، اغمرني بنظراتك القاتلة، أرغب بالموت الآن..).

تلاشى تأثير عطره تدريجيا، بدأت أستعيد وعيي، اكتشفت عريي التام، بينما هو لا يزال يرتدي الجينز وحذاءه الذي يشبه أحذية عمال البناء، واجهني بابتسامة، لكنني كرهت نفسي وكرهته، لملمتني وغادرت راكضة، بالطريقة ذاتها التي غادر فيها مطعم وبار الأكواريوس.

دلف موظف إلى مكتبي وقدم لي التعزية: (علينا إنهاء إجراءات نهاية خدمة عبد الحي والحصول على التقرير الطبي، تمهيداً لتسفير جثته إلى بلده، حاولت زوجته إيقاظه كعادتها اليومية، ولم يجبها..).

كانت صورة صلاح وهو يحملق بعبد الحي أول ما داهم ذاكرتي.

 …….

 صابر

ليس عطر صلاح ما جذب نجاة، تغزُّله بحنّاء يديها بلغة ساحرة فتح نافذة الدهشة في عينيها فاتسعتا، رمى حروفه وتركها تنتظر زيارته لكنه أهملها، تردد في رمي شباكه حولها لسببين، ادعى أولا أنه لا يفهم ثقافتها ولا يمكنه توقّع ردة فعلها، ووافقْته على ذلك، وثانيا، قرر منذ سنوات ألا يرتبط بعلاقة عاطفية بزميلة في العمل، لكنه لم يتوقف عن نثر أبيات من الشعر كلما قابلها صدفة في الصباح أو بعد الظهر ساعة انتهاء دوامها.

في تلك الليلة التي دعاها ودعته إلى السهر سوياً، وَسْوَسْتُ له بأن يتحكّم بأعصابه وشهوته احتراما لقراره: (المرأة في الأربعين كقطعة بوظة ملونة، ما أن يلامس لسانك أنفها حتى تذوب..). شكرته لالتزامه بالنصيحة، حافظ على دثاره رغم عريها الكامل، لا أدري إن حقدت عليه لصموده أم سُرّت لاحترامه لها، وهل عدم اقترابه منها يُعد احتراماًّ ربما حسبَته إهمالا لأنوثتها.

تذكرت فعاتبته: (لماذا تركت نجاة في المطعم وتصرفت برعونة فغادرت وركضت كأنك رأيتها تغمز رجلا في المكان؟).

بأسف: (لأنها لم تصدقني، وصفت خيالي بالواسع، أنت تعرف أيها الصابر عدم إجادتي للتشاجر بالكلام، إما أن أركض كالمسكون بجن، أو أضرب بقوة ثمل، فاخترت الثانية، لكنني أُهزم دائما أمام إلحاح الأنثى، ورغم ذلك التزمت بنصيحتك، هل أنت راض عنّي).

أجبت: (كلا، ما كان عليك الخروج معها، دعنا منها، هل كنت ستشرّح عبد الحي بسكينك أيها الوحش؟).

رد بأسى: (كلا، أنا على علم بمرض عبد الحي بالسكري وضغط الدم، سقط أكثر من مرة مُغمى عليه في الصحيفة، وأردت رفع ضغط دمه فقط، لكنه لم يحتمل، وحين استيقظ من غيبوبته كتب تقريرا وأرسله لدائرة الأمن بواسطة زميل تعاطف معه..).

لاحظتُ أن عبد الحي لم يغب عن ذهن صلاح دقيقة واحدة، شَتْمُه لأمه ظل يتردد في صدره وقلبه ومسمعيه حتى أنه كان يضغط على فوديه من شدة الطرق، وأحيانا ينهض عند الفجر ويركض بملابس النوم في شوارع المدينة الخالية ليتخلص من صوته، لكنه فشل، نصحته بالتصالح معه أو كتابة اسمه مائة مرة على ورقة يلعنه فيها ألف مرة فرفض، صرت أصحبه كل ليلة إلى الملهى الليلي وأقدم له الشراب ليعود ثملا فينام، لكن الخمرة كانت توقظ لعنة أمه أكثر فتركته يفعل ما يشاء.

سألني بعد ورود خبر موت عبدالحي: (هل أنا مجرم وقاتل أيها الصابر؟).

حاولت تهدئته: (هو مريض وأنت مريض، ولا أدري من قتل منكما الآخر..).

سألني بغضب: (هل تعني أنني مقتول أيضا؟). لم أجبه، وتركته يشفي نفسه بالكتابة عن عبد الحي.

رواية شوق مزمن لأنور الخطيب- الفصل الرابع

رواية شوق مزمن – الفصل الرابع

الفصل الرابع

صلاح

(للأرض لغتها المربكة، ليتنا نبقى في السماء)

سرت خلف المضيفة الشهية نحو مقعدي في الطائرة، لمحت من النافذة البيضاوية الصغيرة امرأة مُسنّة تغطي شعرها بمنديل أبيض، تغادر الحافلة وتتجه نحو السلم، تسارع نبض أمي في عروقي، حضر مشهد أبي خارج المطار، تملكني إحساس أسود؛ لن أعانق أبي مرة أخرى فضاقت نفسي، خففها صوت المضيفة وهي تقرأ التعليمات، أشعرتني أن الطائرة ستتحطم فور إقلاعها، وخشيت أن يوجهوا التهمة لي.

امرأة فاتنة في الأربعين من عمرها، كانت تراقبني بطرف عمرها، سألتني عن تعكّر بياض عيني، أجبتها بروح طفل: (ودعت أبي وشعرت أنه وداع لا لقاء بعده، هكذا بكل بساطة، قد لا نلتقي ثانية، تخيلي؟!)، ردت: (نعم، أتخيل..).

شرحت لها: (أَصرَّ على مرافقتي إلى المطار، لم يتحدث كثيراً خارج صالة المغادرين، ربما تذكر وداعه لأخي الفؤاد..).

سألتني المرأة: (هل تصف أخاك أم تذكر اسمه؟).

ابتسمت: (ذكرت اسم أخي، ووصفه أيضا..). نظرتُ من النافذة الصغيرة الشبيهة بنوافذ السجون وأسهبتُ: (تنقلتْ نظراته مرارا بيني وبين حقيبتي وحركة السيارات والمسافرين، وفجأة، قرّر إنهاء تداخل الزمن البعيد بالقريب، تقدّم على عجل وعانقني كأنه يعانقني للمرة الأخيرة، شدني إلى صدره كأنه يتوّحد بي، أتذكر الآن مقطعاً من قصيدة لشاعر اسمه صابر عبدالنبي يقول فيها:

منذُ ثلاثينَ عاما وخمسِ سنين طوال/ وخارج صالة المغادرين/ شدّني أبي إلى رئتيه وأبعدني/ ثم شدّني وشمّني حتّى ظننته أمّي وأبعدني/ مات أبي مُبعداً/ واسمي على قائمة المُبعدين.

كان العناق أطول من عناق أب وابنه، وأقرب إلى عناق صديقين أو حبيبين يخفي كلٌ منهما أمراً عن الآخر، تاركين للغة الدموع والصدرين والكفّين تمارس البلاغة في أقسى تجلياتها، أبعدني دَفعة واحدة لحظة شعر ماء الفراق يبلل ياقة قميصه: (ادخل المطار قبل أن أعيدك إلى البيت، إنكم تفرغون البيت واحدا بعد الآخر، اذهب ياصلاح، حماك الله يابني..”، هل تتخيلين هذا؟).

هزّت برأسها: (نعم، أتخيل..).

تابعت ثرثرتي: (وثيقة سفري كانت ولا تزال تشعرني بالهروب المستدام، كأنني مطلوب لكل أجهزة الأمن في العالم، ماذا يعني أن يحملق ضابط الجوازات بي كالمذعور حين يفتح وثيقة سفري؟!).

لم يكن معي المال الكافي لأتسكع في السوق الحرة، تخرجت حديثاً من الجامعة، ومصطلح الأسواق الحرة يربكني مفردا وجمعا، “الأسواق” تشعرني بالحرج، و”الحرة” توقظ في داخلي بيوت دبابير، تمنيت أن أصبح بعد عام واحداً من هؤلاء المسافرين الدائمين المطمئنين؛ أتجول في “السوق الحرة” بثقة عالية، بلا دبابير ولا إرباك، أجلس في صالة الانتظار دون رهبة، ألاحق وجوه الفتيات الجميلات والمضيفات الأرضيات دون خجل، أدخل الطائرة كأني قائدها، هل يحق لحامل وثيقة السفر أن يحلم بكل هذا؟!

شرحت للسيدة بعد صمت: (كنت في حاجة شديدة إلى الهرب من حضن أبي الأمّار بالعودة، حين وصلت الصالة التي ينتظر فيها المسافرون قبل الصعود للطائرة، كانت تحوم في رأسي وعينيّ ودهاليز شراييني كلمات أشبه بالشِّعر.. هل تتخيلين هذا؟).

سايرتني مبتسمة: (نعم، أتخيل، ولكن ماذا كان يدور في جمجمتك الشابة؟).

تفحصتها بسرعة، كانت تمتلك نهدين عامرين خلتهما قارورتي عسل: (هل تحبين الشِّعر؟)

حضنت شفتها العليا شفتها السفلى: (أحيانا..)، لم أكترث وألقيت:

(عينان مثل عينيّ طيرٍ وحيدٍ داهمه الشتاء فجأة فارتعش/ عينان مثل عيني شاعر متيّمٍ فاجأته لحظة الكشف فالتحف/ عينان تحملان تحليق ناسكٍ قُدَّ من تجلياته فانكمش/ عينان تنحتان مفرداتٍ اشتقّها عصبٌ من مشقّة البوح وانكسف/ عينان ترسمان في المدى جسدين يفترقان ببطء خروج الروح/ يناشدان نصفيهما بارتعاشة ملؤها الرجاء/ بألا يحدثا صوتين عند شرخ التوأمين//

أعتذر، ثرثرت كثيرا، وأقتحمتك من دون مقدمات، صدقيني أنا قليل الكلام، وربما لن تسمعي صوتي طوال الرحلة، شكرا لإصغائك مدام جوزفين..). واجهتني بانبهار: (كيف عرفت اسمي؟).

ابتسمت بحياء: (لست ساحرا، إنه يتدلى من السلسلة الذهبية وتخفينه تحت قميصك الشفاف..).

لم تقل إنه مخفيّ ويكاد لا يُرى: (كلامك لطيف رغم عدم فهمي للشِّعر كما يليق به، يبدو أنك كنت في حاجة للحديث، وإحساسك بالخوف على أبيك طبيعي، أعتقد أن علاقتك به كانت جيدة..).

استنكرتُ فعل الماضي الناقص: (ولا تزال جيدة، بل رائعة، هو ليس أبي فقط، بل صديقي وذاكرتي..).

أرادت السيدة أن توسّع بوابة روحي باستدراجي للحديث: (كيف، ماذا تعني بأنه ذاكرتك؟).

سررت لبدء تفاعلها: ((أبي صديقي، نجلس معا في ظل شجرة التين، لم تكن لنا وإن كانت في “حاكورتنا”، نتمشى سويا في بستان البرتقال القريب، لم يكن مِلكنا، عمل أبي فيه حارسا ليليا لسنوات قليلة، حدثني طويلاً عن ذكرياته في فلسطين، وأحيانا عن علاقته بأمي..).

فرحت السيدة لذكر الأم، استفزتني أكثر: (هل تعني أنه كان يحكي لك عن لحظاتهما الحميمة أو أنه كان يشكوها لك؟).

ذهب خيال المرأة بعيداً جدا، التزمتُ الصمت، تداركت الموقف واعتذَرَت، أجبتها عن الشق الثاني من سؤالها: (لا أحد يشكو من أمي، أشفق عليها.. تلك الطفلة..).

سألتني بدهشة: (أي طفلة؟).

بفرح: (أمي.. طفلة في جسد امرأة متوسطة العمر، أنا أشعر أنها طفلة.. كل ابن يجب أن يعامل أمه كطفله، يعني كحبيبته تماما..).

تأملتْ السيدة وجهي: (هل كنت تشعر ببعض الغيرة من أبيك؟).

ابتسمتُ وأنا أقرأ ما تخفي نظرتها: (أرجوك، تأملني ملياً، هل تعتقد أن بإمكان أحد أن يعاملني كطفلة؟).

بخجل: (إذا كان يحبك حبا جارفا، ويرى الجنة تحت قدميك، لا بد أن يرى الطفلة فيك..).

تورد خداها: (ماذا تقصد بالحب الجارف؟).

أنستني لحظات وداع أبي: (الحب الجارف يا سيدتي هو التعلّق والانجذاب وسمو الرؤية، لا نرى في الحبيب سوى جماله ولطفه وجاذبيته وبراءته، عندما نحب فإننا نحب الطفل في الطرف الآخر، نكتشف فيه ما نحنّ إليه، ونعشقه..).

تنهدت: (أتمنى أن يعاملني أحد ما كطفلة..).

تجرأتُ: (ألست متزوجة؟).

بصوت خالٍ من الحزن: (مات زوجي منذ خمس سنوات، ولم يكن يعاملني كطفلة..).

بصوت يحمل الاحتجاج والخوف: (وأبي لم يكن يعامل أمي كطفلة، هل سيموت؟).

أدهش سؤالي المرأة، كأنها سمعت طفلا يتحدث بلغة الكبار، أو ربما تساءلت عن المنطق الذي يربط موت زوجها بموت أبي، قلت: (زوجك لم يكن يعاملك كطفلة، هذا يعني أن الطفل مات في داخله، وأبي لا يعامل أمي كطفلة، يعني أن الطفل أيضا مات في داخله..)

قالت المرأة بسرعة: (وهل سأموت قريبا؟).

ببراءة: (لا أدري، ولا أعرف شيئا عن الطفل في داخلك، لكنني ألمح في لون عينيكِ توقاً للحب..). تحسست وجهي بكفها الناعمة المرتعشة: (أنت أجمل طفل قابلته في حياتي؟).

طأطأت رأسي بخجل وارتباك، فَتَحَتْ كفها لتصبح ذقني في باطنها، رَفَعَتْ وجهي وقالت: (لا تخجل، وانس المكان الذي نحن فيه، هنا لا يسأل أحد عن أحد، يلتقي الناس في السماء وهم قريبون من أقدارهم، سيفرح أبوك كثيرا حين يعرف أن امرأة مسحت عن روحك الحزن، سيفرح أكثر حين تضع رأسك على كتفي وتنفذ رغبة بداخلك، وتكون ذاتك في هذه اللحظة، أنت الآن طفل جميل، وأنا امرأة لا أقاوم الأطفال الجميلين..).

بارتباك: (أخشى أن أنام، وأترك بقعة على قميصك كما كنت أفعل على ساق أمي، أو أضحك ملء الطائرة، أو أبدأ بقراءة شعري البائس، أنا في أشد الحاجة لأغمض عينيّ، جافاني النوم طيلة ليلة أمس، بقيت محملقاً بسقف الزينكو المعتم حتى الصباح، ربما تعمّدت ذلك، خرجت بعدها إلى الحاكورة..هل تعرفين الزينكو؟)

قاطعتني: (وما الحاكورة؟).

داعبتها: (سؤالك يعني أنك تعرفين الزينكو..هل نزحت قبل ذلك؟).

ضحكت بصوت لذيذ، بدأ الطفل يطل من شرفة روحها. شرحت لها بسرعة أن الحاكورة هي الحديقة الصغيرة الملحقة بالبيت: (خرجت ليلاً فشممت أزهار الجوري والقرنفل وفم السمكة والعطرة والياسمين والميرمية، وجدت للمرة الأولى في أصوات الحشرات وعواء الكلاب البعيدة طقساً دافئاً، كان القمر كبيرا ليلة أمس، لا أدري لماذا قمر المخيمات كبير، هل تعتقدين أن الله متعاطف مع النازحين! واصلت التأمل بالقمر حتى أرى صورة حبيبتي التي لم أقابلها بعد.. هل تعرفين لماذا تزداد رائحة الورود ليلا؟).

سألتْ بلهفة: (هل يعني أنك تحلم بفتاة لم تقابلها حتى الآن؟ تُرى كيف تبدو تلك الفتاة؟).

كالحالم: (لتلك الفتاة معنى الدفء والأمومة، أراها قادمة مع ضوء القمر، مع رائحة الورود في الليل، تغلفني وتتداخل بهالتي، مثل زُهرة تماماً..).

اقتربَتْ وتنفست بعمق حتى خلت رئتيها امتلأتا برائحتي، وقالت كالحالمة: (وماذا بعد.. حدّثني ..).

أوجزت: (حين يكتمل التوحد أرتعش بشدة..).

لم تسأل عن زُهرة، رفعَتْ الحاجز الذي يفصل بين المقعدين، سمَحَت لرأسي بالاسترخاء على كتفها، شممتُ رائحة عطر شهي، أخذت شهيقا طويلا أصاب المرأة بالقشعريرة، همَسَت: (هل أعجبك عطري؟).

بفرح: (شممته أمس حين اقتربتُ من شجرة الغاردينيا..).

امتدحتني: (عواطفك سماوية أيها الشاب، ولغتك أجمل من دموعك، حاول حين تشعر برغبة في البكاء أن تقف أمام امرأة وتقول شيئا، لن تمانع أي امرأة في أن تكون مدى بوحك، أو أمسك ورقة وقلما واكتب، أنت شاعر يا طفلي الجميل..).

أغمضتُ عينيّ وهمستُ بالقرب من أذنها: (سآتي إليك كلما شعرت بالبكاء..).

تداخل شعرها بشعري: (وحين تشعر بالفرح أيضا.. بالمناسبة ما نوع عطرك؟).

شعرت بالخجل والارتباك: (يبدو أن وقوفي مع أبي خارج المطار تحت الشمس جعلني أتعرق..).

شمّتني ثانية: (عطرك يمزج بين الأنوثة والذكورة يا شاعري، له رائحة الزعتر البري الممزوج بعطر العمبر، ما اسمه؟).

كشف لها: (لم أضع عطرا ..).

بعذوبة: (أنت خيل برّي..).

أعلنت المضيفة عن بدء الهبوط التدريجي، استيقظَت السيدة الجميلة ورفعت رأسها عن كتفي، رتبت شعرها ونظَرت في المرآة: (كأن الزمن عاد بي عشر سنوات، أو قل عشرين سنة..إحساس الطفولة رائع..).

شددتُ الحزام: (ليس دائما ..).

أوقفت النظر في المرآة: (أخَفْتَني، كيف؟).

تجنبت مواجهة وجهها المرتبك: (ذات صباح ماطر، استيقظت أمي حزينة وخائفة، لم تنهض كعادتها لتنشر الدفء في البيت، لم يكن بيتنا، لم تبدأ في إيقاظ النائمين وتحضير وجبة الإفطار وهي تنادينا بأسمائنا، سألتها: “ما بك يا أم الفؤاد؟”. قصت عليّ حلماً غريباً؛ كانت تتجول في البستان الذي يحرسه أبي، فظهر لها رجل فجأة من خلف شجرة البرتقال، قال لها إنه يحبها ويريدها لنفسه، خافت وهربت مسرعة باتجاة غرفة الحارس، أصر على ملاحقتها، صرخت باسم أبي قائلة: “أبو القاسم، تعال واحضر بندقيتك معك..”، توقف الرجل عن متابعتها واختفى، لكن صوته ظل يطاردها كالصدى، كان يقول لها: “أريدكِ، وسأحصل عليك، حتى لو ذهبتِ إلى الآخرة، سأحفر قبرك وأخطفك منه، وستزور عائلتك قبرا فارغاً..”. أجهشت أمي بالبكاء كالأطفال، احتضنتها، كانت المرة الأولى التي تلجأ فيها إلى حضني، تشبثت بياقة قميص بيجامتي مرتعدة، هوّنت عليها، وسألتها كمفسر أحلام: “هل جاء أبي ومعه البندقية؟”، قالت إنه حضر راكضا هائجا وأطلق النار في الاتجاهات كلها، بل إنه صوّب بندقيته نحو الأرض ونحو السماء، فاختفى الصوت واستيقَظَتْ. كانت تحدثني وتتشبث بي كطفلة صغيرة، هدّأتها: (أبي يحبك وسيبقى حاميا لك مدى الحياة، هذا هو تفسير حلمك يا أم الفؤاد”. ابعدتْ رأسها: “هل أصبحت مفسر أحلام ياصلاح؟”. بتدلل: (نعم ياابنتى، يا أحلى طفلة رأيتها في الوجود..”. ضحكِتْ كطفلة في عامها الثاني، ونهضتْ لتبدأ رحلة التعب اليومي..).

سألتني السيدة: (أمك جميلة؟).

تحرك ماء عينيّ في مآقي: (أمي أجمل امرأة في الكون..)،

ضغطَت على كفي وتنهدت: (أنت ملاك أم إنسان؟).

استقرت الطائرة على أرض المطار، تنهدت: (للأرض لغتها المربكة، ليتنا نبقى في السماء، ورغم ذلك، سأخالف قوانين اليابسة..)، شمّتني بعمق ثم قبّلتني على خدّي: (سأعمل على خرق القوانين دائما، بلغ تحياتي لأبيك عندما تقابله ثانية، أحب أن أسافر معك مرة أخرى..).

حضر قريبي إلى شقّتي الصغيرة بعد شهرين، نقل لي خبر موت الطفل نهائيا في جسد أبي القاسم، ترك أمي وحيدة، تستعيد لحظات الحُب التي غمرها بها في آخر أربعين يوما من حياته.

حضرتني المرأة الأربعينية التي غفوت على كتفها في الطائرة، قلت وأنا أرفع وجهي نحو صورة أبي في الإطار الأسود: (أحبتك امرأة دون أن تراك، سأتصل بها لأخبرها وصول سلامها لأجمل صورة لرجل ميت..).

خلعت جوزفين نعليها بناء على رجائي، جلستْ في المكان الذي كان يحتله قريبي، طلبتُ منها تبادل الأمكنة، التزمتُ الصمت كما فعل قريبي ساعة دخوله، رفعت وجهي إلى حيث الأب، ارتجفت شفتاي، حاولت السيدة الاقتراب مني لتحضنني، استأذنتها قبل توجيه السؤال: (كيف استقبلت خبر وفاة زوجك؟).

بارتباك: (كنت أمام البحر حين اتصل بي قريبي في المهجر، قذف في مسمعي الخبر بعد مقدمة تقليدية باردة، تسللت جمرة إلى تجاويف رأسي كلها، أقفلتُ الهاتف وهو يتكلم، تسمّرت قبالة البحر، كانت الشمس تودع عالمي الصغير، لم أبك، لم أشد شعري ولم ألطم، أسلمت روحي للصمت المجبول بالصدمة حتى غابت الشمس، مرت ساعتان وأنا في قلب الظلمة، لم يدخل سمعي سوى صوت تكسّر الموج، نهضتُ بعدها وعدت إلى المنزل، واجهتني صورة حفل زفافنا، انفجرتُ باكية، شعرت بالوحدة تلوكني، اقتاتت عليّ طيلة الليل، وفي الصباح، وضعت شريطاً أسود حول الصورة، وشعرت أنني مت معه، ولم أبك منذ ذلك اليوم..).

كان الحزن ينزّ من ملامح وجهي: (منذ غرق أخي وأمي تكره البحر، لم تتجول وحيدةً على شاطئه في يوم من أيام حياتها، عيناها الزرقاوان تذرفان الدموع الآن، لا توجد صورة في البيت تجمعها بأبي، وليس في ثقافتها إحاطة الصورة بشريط أسود، تُرى ماذا تفعل أمي الآن وليس لديها صورة تجمعها بأبي؟).

وقفتُ أمام صورة أبي القاسم وخاطبته: (لماذا لم تترفّق بها أيها الصديق، كيف استطعت إغلاق عينيك عن عينيها الزرقاوين؟ لماذا يتّمْتَها بصمتك الأبدي؟ لمَ لمْ تدللها في حياتك؟ لماذا لم تذهب بعيدا وتموت؟ لماذا بقيت في البيت أو في المستشفى ترسم أنفاسك هنا أو هناك؟ كنتَ قاسيا ياأبا القاسم، أنت تعلم ذلك، لكنك الآن أكثر قسوة، رمّلت رفيقتك فجأة، ويتّمتني سريعاً يا صديقي، لماذا لم تنتظر حتى أرسل لك نقوداً من تعبي، ياصاحب الإطلالة الأميرية، والروح التي تنافس روح النسر، يا زيتونة القلب وسروة الحياة وزهر الليمون، ياصوتي الخافق في الغيم، لمن أزف أخباري الآن؟ وأمام من سأتباهى بنجاحاتي القادمة، ومن سيطلب لي يد حبيبتي للزواج؟ وفي ثياب من سأشم رائحة الزعتر الأخضر؟ ومن سيقص عليّ الحقيقة التي دفنها المهزومون؟ من الذي سيحضنني حين أعود من منفاي؟ صورتك هذه سأبدل إطارها الأسود بإطار أخضر، حين اخترت لها إطاراً أسود لم ينتابني رحيلك، أرفض غيابك أيها الحبيب، سأحكي عنك لحبيبتي التي ستهطل علي مع ضوء القمر اليتيم، وحين يتجسد الضوء في فتاة سأسألك عنها، وارجو أن تجيب أيها الحبيب..).

اندفعتُ نحو الصورة، انتزعتها من إطارها الأسود واحتضنها، ثم عرضتها أمام المرأة: (هذه السيدة تهديك سلامها، وتحييك، لا شك أنك تشعر بالفرح الآن لهذه التحية أيها الأنيق.. أعلم أنك كنت تحب النساء أيها الشقي..).

احتضنتني: (هل تذكر حين وضعت رأسك على كتفي في الطائرة؟ ضعه الآن في حضني ونم، سأمسد شعرك طوال نومك ياطفلي الجميل..).

استسلمت لحضن المرأة، مسدت شعري بأنامل مرتعشة، نقلت يدها إلى جبيني ثم خدي فأنفي، ثم تركت شاهدها يمر على شفتيّ ويتسلل بخفة إلى رقبتي ثم صدري، أمسكت كفها وقبّلتُه، تنهدَتْ بعمق، غيّرتُ وضْعَ رأسي حتى قابل وجهي وجهها، أحنت ظهرها قليلا حتى لامس صدرها خدي، وضعية أم ترضع وليدها، شعرت بطاقة دافئة وتحرك الطفل المشاغب في ثيابي، استعذبت إحساسي، دسست وجهي أكثر بين نهديها، مددتُ كفي لتلامس شعرها ثم خدها، قبّلتْ يدي مرةً ثانية، سالت منها دمعتان ساخنتان: (كم أشعر أنني طفلة الآن.. ياطفلي الجميل..).

سألتها وأنا ألملمني: (منذ متى لم تمارسي طفولتك؟).

بخجل طفلة: (منذ ست سنوات، منذ سافر ولم يعد..).

بتعجّب: (هل أعادوه من غربته؟ هل هو بعيد؟ لماذا لم تحضريه إلى البيت؟).

بيأس: (نعم أعادوه، تبعد داره عن بيتي عشرة كيلومترات، ثم كيف تريدني أن أحضره؟).

ركزت نظراتي على عينيها: (تسيرين إليه على قدميك، وتسألينه إن كان يحب العودة إلى البيت، سيوافقك، فتفعلين ما فعلته بصديقي مصطفى..).

استفسرتْ: (وماذا فعلت بصديقك؟).

شرحت لها: (كان صديقي الوحيد، ذهبنا معاً لنصبح مقاتلين لنحرر وطننا، كنا في بداية مراهقتنا، تدربنا أسبوعين على السلاح والقفز فوق النار، ثم قررنا العودة، تذرعنا بالمدرسة ومتابعة تعليمنا، بعد عام مرض صديقي ومات، لم أستوعب رحيله، مشيت في جنازته، ابتعدت حين بدأوا طقس وضعه في حفرة باردة، عدت مسرعاً إلى البيت، احتضنتني أمي طويلا: “باستطاعتك الاحتفاظ به حيا في روحك، تواصلان السهر معا، ومراجعة دروسكما معاً، والحديث عن الفتيات الجميلات معاً، تنشّقه يا صلاح وأسكنه في رئتيك.. وسيحيا ما حييت”. غادرت حضنها وانطلقت نحو داره الآخرة، اهتديت إليه رغم الظلام، جلست بالقرب من مستطيل تشكل من حجارة صغيرة، استعدت أجمل لحظة عشتها معه، يوم ذهبنا إلى البحر في عصر أحد الأيام، وخرجنا ولم نجد ملابسنا، سرقها أبناء المدينة الأشقياء، انتظرنا حتى بعد مغيب الشمس بساعتين وعبرنا الشارع بسرعة، سلكنا طريق العودة إلى المخيم عبر البساتين، كنا في ملابسنا الداخلية، حولنا الواقعة إلى سخرية، وبقينا نطلق النكات حتى وصلنا الحارة. قال مصطفى: “علينا أن نأخذ نفساً عميقا قبل التوجه إلى بيتينا، حتى نوقف نوبة الضحك..”. كان يستخدم مفردات جنسية نابية لوصف أولاد المدينة، ضحكت كثيرا حتى رأيته، وسمعت صوته الطفولي العذب، شممته حتى تسلل إلى رئتي وسكن في أول زاوية تستقبل دخان السجائر التي كنا نتعاطاها خلسة، نهضت وغادرت المستطيل، وواصلت حديث كأنه يقابلني، أضحك تارة وأصمت تارة أخرى، حتى وصلت بيته، كررت النكتة الأخيرة التي قالها ذلك اليوم، سمعته يضحك، فأطلقت ضحكة مصحوبة بسعال رجل في الثمانين، لم أتخلص منها إلا حين وصلت البيت، وألقيت رأسي في حضن أمي، منذ ذلك اليوم، وصديقي يرافقني في سفري وسهري، وسأحضر له رفيقا يسليه حين أنشغل عنه.. سأعيد أبا القاسم إلى البيت، إلى رئتي..).

بصوت يائس: (وهل تريدني إعادة زوجي بالطريقة ذاتها؟ سيتهمونني بالجنون).

قلت: (تستطيعين لو أحببت، هل أنا مجنون إذن؟).

بسعادة: (أنت أروع من قابلته خلال الخمس سنوات الأخيرة من عمري، هل تعدني؟).

أحتضنت وجهها: (أعدكِ إذا ناديتني، أن أحضر كالبرق ومعي بندقيتي..).

أكملت ارتداء ملابسها، تنشقتني بعمق وهي تعانقني، قبل مغادرتها فتحت حقيبة صغيرة وناولتني قصاصة صحفية: (أعجبتني كثيرا، كأنك كاتبها..).

حين تلتقي امرأة فوق غيم الله

لا تسلها عن اسمها وعمرها وعطرها

فوق الغيم، يستيقظ المسافرون من موتهم المؤقت

يحكون أحلامهم، التي لم يَرَوْها لعابري الضوء

وحين تلتقي صبية في العشرين فوق غيم الله

دعها، حين تنعس، تتوسد ذاكرتك

وإن كانت صبية في الأربعين

اسمح لها، بتشكيل جديلة، من عناق شعرها وشعرك

وإن كانت صبية في الستين

لا تقاومها، دعها تفعل ما تشاء:

كأن، تُضبطُ ربطة عنقك!

وامنح قلبها أكثر مما تسرّبه أناملها

وحين يهبط حوت السماء

تصرّف، كما لو لم يدر حوار على حافة الشروق

فإن ابتسمَت تلك الصبية

ومدت حريرها لمصافحتك

خذها إلى هودج الأرض

واكتب رسالة لأبيك:

“شمّت امرأة عطركَ الأرضيَّ في السماء،

فارض عنّي.

التوقيع: صابر عبد النبي.

……………..

صابر

أغضبني لَما قال للمرأة في الطائرة إنه لم يقابل الفتاة التي يحبها بعد، هل تآمر صلاح في تلك اللحظة على “زُهرة”! ذاك دور لم أفهمه على وجه الدقة، فالمرأة كانت تكبره بعشرين عاما، لماذا يقدّم قلبه دائما فارغاً من النساء، كأنه يغري من يتحدث إليها بالدخول والسكنى. سألته: (لماذا ادعيت أنك لم تقابل حبيبتك بعد؟)،

أجابني: (تهرب الفكرة عندما يتجسّد المعنى، وتتلاشى النساء الصغيرات مع سطوع الناضجات..).

حاولت ثنيِهِ عن الاتصال بالمرأة فغضب وألح: (أحتاج الآن إلى امرأة حقيقية، تمتلك جهاتها وعمرها، ولها مدى يحتوي مداي، امرأة لها ثديان معتقان منقوعان بنبيذ الأديرة، وحضن أم يحتمل الاحتواء والدموع، امرأة محترفة الانصات، تفهم معنى الفقد، تعطيك ما لا تتوقع، وتمنحك ما يناسب في اللحظة غير المناسبة، لو لم تأت جوزفين لخرجت إليها شاهرا صوتي، لكنها أتت، وعدتني وأوفت، وشاركتني غياب أبي القاسم إذ غيّبتني في حضنها..).

لم يقنعني، واصلت الظهور له وتأنيبه وطرح الأسئلة بغضب، حتى تخلص مني بالانطلاق نحو كورنيش البحر، هنالك ركض كخيل بري، تحاشى الناس بحرفية عالية، ثم اندفع وألقى نفسه في البحر. كان الوقت مساء، اعتقد الناس أنه يحاول الانتحار فتجمهروا على الشاطئ، خرج بعد دقائق والماء المالح يقطر من شعره وثيابه، وتمدد على الرمل وسط دهشة الناس.

فتح عينيه بعد إغفاءة لا أعرف كم طالت، وجد شابا أسمر طويلا كنخلة يقف عند رأسه، سأله: (من أنت؟)

  • (أنا حارس البحر..).الحارس: (أنت لم تعرفني بعد..).همست له حين وصل البيت واستحم وبدّل ملابسه: (أنت سباح ماهر، ولست في حاجة لحراس البحر كي ينقذوك).

  • حذّرني: (سمعتك تنهيني عن القفز في البحر، لا تفعلها ثانية حتى لو قررت الدخول إلى بطن حوت، والبقاء هناك حتى قيام الساعة، لم ينجح الأنبياء مع الناس يا أناي بعد..).

  • صلاح: (أعرفك جيداً، أنت صديق الغرقى..).

  • صلاح: (أرغب بصداقتك، هل توافقك؟).