رواية شوق مزمن لأنور الخطيب- الفصل الثالث

رواية شوق مزمن-الفصل الثالث

الفصل الثالث

صادْ لام

(لا أحدَ يتأمل وجه أحدٍ في الظلام)

لو كان مصطفى حيا لشاركني متعة الشتاء في المدرسة التي انتقلت إليها في المدينة برعاية أخي الفؤاد، لانتقد وقوفي الدائم وسط الباب المُفضِي إلى ساحة المدرسة، ولسألني: (كيف تتحمل اصطدام الأولاد والبنات الخارجين إلى الساحة والداخلين إليها..؟). ولقال لي: (أيها الذئب، مضى على التحاقك بالمدرسة أربعة شهور ولم تكوّن صديقا واحدا بعد..)، مصطفى لم يعد حياً، مات أصدقائي جميعا.

طلبت مني تلميذة تكبرني بعامين إفساح الطريق لتمُرّ كيلا تحتك بي، ففعلتُ بهدوء رغم رغبتي..، استدارتْ: (طلبت منك أكثرة من مرة ولم تدعني أمُر..). اكتفيت بالنظر إلى وردة صغيرة حمراء كانت تثبتها على شعرها، فأضافت: (ماذا يعجبك في الوقوف هنا متحملاً ارتطام الشباب والبنات؟).

أجبتها وعيناي على ماء السماء: (لم يرتطم بي أحد..).

تأملتني: (ماذا تراقب؟ ومَن؟).

بجرأة: (أرى مشهداً ملعوناً وحنوناً).

ارتعشَت وطلبت مواصلة حديثي فاسترسلت: (انظري؛ هناك مساحات ترابية تدغدغها أنامل المطر، وتعانقها بلهفة عاشق يتوحد بمعشوقته، وهناك مساحات مغطاة بالإسفلت، تحاول حبات المطر اختراقها لتصل التراب، الأنامل الأولى دافئة، والثانية حادة، التراب تراب الله، والإسمنت حاجز البشر، الماء يبحث عمن يحتويه، والإسمنت يصد كل شيء بلؤم وقساوة، حتى ماء السماء..).

فتحتْ عينيها بدهشة: (كم تبلغ من العمر؟).

تفلسفت: (بعضنا مصاب بسرعة في النمو، وأنا منهم..).

باستغراب: (مَن أنتم؟ يبدو أنك لست من هنا، ما جنسيتك؟ وأين تسكن؟ وهل أنت شاعر؟ هل أنت صابر عبدالنبي؟)، هززت رأسي وأنا أراقب فتاة صغيرة كانت تسير بهدوء تحت المطر، وجدتني أمام وجه مورّد الخدين، تعلوهما حبات ندى بإغواء بريء، تسمّرتُ، لم تطلب مني إفساح الطريق، لم تتذمر، وأنا لم أحرك ساكناً، تولّدت لدي رغبة لملامسة ماء وجهها، رفَعَتْ كفها ولوحت ببطء أمام عينيّ، ظنّتني ضريراً، رفعتُ يدي بهدوء لأمسك يدها وأقبلها، تراجَعَتْ، سألتها بصوت مرتجف: (ما اسمك؟)، ردت: (زُهرة). خلعت معطفي المهترئ ومددته نحوها، ابتسمت وتجاوزتني كنسمة، التفَتَتْ كمهرة شابة ثم أسرعت، تبعتُها دون تفكير بالعواقب حتى وَصَلَتْ قاعة الدرس واستقرت على مقعدها، أيقظني من ذهولي صوت المعلمة الهادئ والناعم كنسيم: (هل أنت معنا في الصف؟)، هززت رأسي وعدت أدراجي مسرعاً إلى الساحة، ركضت بكل ما تمتلك ساقاي من عزم حول محيطها حتى فقدت السيطرة على شهيقي وزفيري.

عدت إلى قاعة الدرس، سألني المدرس: (أين كنت يا بني؟ تبدو مرهقا..).

أجبته والماء يتقاطر من شعري الطويل وملابسي: (كنت أتوضّأ..).

أطلق أحد التلاميذ نكتة لم يضحك لها الآخرون: (وهل صلّيت أم ستؤم بنا؟..).

لفت المدرس نظره: (يبدو أنك لم تفهم المعنى..)

كانت أمي تفطمنا عن البكاء على صدرها حين نصل العاشرة من أعمارنا، لم تكن تضع رائحة مُرّة على قماش صدرها، فنتقبل الأمر ونعتاد منفى الحليب، كانت تعوضنا بإسناد رؤوسنا على ساقها في أوقات كانت تعرفها ونجهلها، تلف ذراعها حول طالب اللجوء إلى رحمها وتقول: (نم هنا ياأيها الشقي)، وبعد العودة من شروده، يترك بقعة دمع على فستانها، فتتركها حتى تجف تلقائياً، ولا تسأل سبب تدفق الشجن السائل.

عدت مع انتهاء اليوم الدراسي سيراً استجابة للتقشف المستدام، مشيت أكثر من خمسة كيلو مترات صعودا، مستمتعا بالرذاذ وهو يغوص في شعري ويلثم وجهي، يوقظني من شرودي في وجه الفتاة المشبع بالحنان.

عانقتني أم الفؤاد أمام البوابة العتيقة: (هل سقطت في بركة ماء أيها المسكين؟).

جمَعَت أطباق العشاء الفارغة وغسلتها، وانتقلت للبدء في طي الملابس الجافة، قالت بينما كنت أستظل بجناحها كعصفور: (قل لي ماذا حدث معك اليوم؟).

تردّدت، كانت تعامل كل واحد من أبنائها كأنه وحيدها، جَعَلتْ رأسي فوق ساقها الأيمن، وغاصت أصابعها في شعري الكثيف، فانساب الكلام: (قابلت اليوم فتاة المطر، وقفت أمامي مبتلة من رأسها حتى أخمص قدميها، لم أحدثها بشيء، ولم تطلب مني إفساح الطريق لها للمرور، أحسست أنها وُلِدَتْ في تلك اللحظة من رحم غيمة، لكنني تراجعتُ أمام دهشة عينيها الدافئتين الحنونتين اللتين تشبهان عينيك، تجاوزتني فتبعتها حتى فصلها الدراسي وعدت، منذ تلك اللحظة ياأمي، لم أسمع كلمة واحدة من أي مدرس مرّ بصفنا، ولا أعلم إن كانت لدي واجبات مدرسية، أخاف من العقاب أمام التلاميذ، ولكن لا يهم، ما زلت أرى تلك الفتاة أمامي، وجهها يشبه وجهك كثيراً، رائحتها تشبه رائحتك، حين مرّت بي أحسست أنكِ معنا في المدرسة، قطعت المسافة من المدينة إلى المخيم ولم أشعر، كلا يا أمي، لم أسقط ببركة ماء..).

شاكسته باسمة: (بل سقطتَ في بئر عميق أيها المسكين، عد إلى المدرسة غدا، واحرص على عدم ظهور وجه الفتاة في وجهك، حتى لا يضيع المال الذي يرسله أخوك الفؤاد من غربته..).

التحقت بالمرحلة الثانوية برعاية “الفؤاد”. سألتُ بهدوء: (كيف يبدو أخي الفؤاد، هل هو قصير وسمين، أم مثلي طويلٌ ونحيف؟).

فرحت لسيرة الفؤاد: (مثلك، طويل ونحيف، ألا تذكره؟).

بخجل وقهر: (رأيت صِوَرَهُ، ولكنني لا اذكره تماماً..). طلبت أمي مني الذهاب إلى النوم، وأكدت بأنني سأرى الفؤاد قريباً، و”قريباً” تلك امتدت لثلاث سنوات.

قبل سفره الطويل كان يزور البيت لثلاثة أيام عند نهاية كل شهر ثم يختفي، يقضيها الأب والأم مع “فؤادهم”، لم يدُر أي حديث بينه وبيني، كنتُ ألمحه أحيانا داخلاً أو خارجاً أو جالساً يتسامر أو يهمس مع أصدقائه.

استرقت السمع من وراء الباب، التقطت كلمات غريبة عن قاموسي: زمرة، مجموعة، تبرعات، اجتماعات، تدريبات، عمليات، وغيرها، لم يكن من حقي الاستفسار، لم تعن الكلمات شيئا لي.

شهد البيت حلقة جنائزية؛ عينا أم الفؤاد تحولتا إلى بحيرتين من دموع وحزن، لم يتوقف أبو القاسم عن الدوران حول نفسه، ملامح وجوه أخواتي كانت ترجف، كنت قد تجاوزت العاشرة من عمري، أدركت أن البيت سيفرغ من أحد أركانه، ذاك كان يعني فراغ السرير الوحيد في البيت، سراويل جديدة وقمصاناً فضفاضة، عدة حلاقة قديمة، كتبا متنوعة، ورحلة حزن مضافة لأم الفؤاد؛ كانت نظراتها للفؤاد تشبة النظرة الأخيرة، انتزع نفسه من حضنها بمساعدة أبو القاسم فبكت بحرقة.

اختفت السيارة بمن فيها، شهقت أم الفؤاد واحمرت عينا أبي القاسم، بعد دقائق من الصمت سألت الأم زوجها: (كم يوما يستغرق وصول البرقية..؟).

لم يجب أبو القاسم، غادر البيت بعد تأمل متخم بالغصات.

بعد شهور قليلة، وصلت رسالة من الفؤاد، هاج البيت وماج فرحا قبل فتحها، طلب الفؤاد من أبي في رسالته التوقف عن العمل كحارس للبستان المجاور.

بعد عامين، ذهلت حين علمت أن الفؤاد متزوج، ورزق بمولود، لا أعلم كيف ومتى تزوج الأخ الأكبر، تساءلت في غمرة الدهشة إن كنت مغيّبا إلى تلك الدرجة، وسارحا في ملكوت الأسئلة!

استأذنت ناظر المدرسة في تأجيل دفع القسط ليجنبني الإحراج أمام زملائي، كان من عاداته السيئة، أن يزور الصفوف ويتلو أسماء المتخلفين عن السداد، وفعلها في اليوم ذاته، ارتعش قلبي كعصفور، نسي الناظر زيارتي، انكمش الكون في داخلي في اللحظة التي نطق فيها اسمي، فانفجرت صارخا وطالبته بالخروج من الفصل، انتابتني حالة هستيرية شديدة وأنا أكرر بصوت عال وبعض دموع: (أخرج، أخرج.. اطلع).

استوقفني مدرس اللغة العربية العجوز حين قرع الجرس إيذانا بانتهاء الحصة: (انتظر يا صلاح..). قبل تقديم اعتذاري وضع كفه على كتفي: (كيف فعلت هذا يا بني؟).

سردت القصة بصوت متقطع، وبحروف تخرج من حلق يملؤه الشوك، نظر في وجهي: (أتفهَّم قصتك يا بني، لكنِّي لا أتخيل أن تصرخ في وجه ناظر المدرسة وتطلب منه الخروج! لقد أدهشتني..).

مسحت دموعاً ملأت وجهي: (شعرت أنه يعاملني كطفل يتيم مشرد وسارق ونصَّاب، وأنا لست كذلك، نحن لسنا كذلك..).

التقط المدرس الجملة الأخيرة: (من أنتم؟). قيدت غيمة سوداء رئتي وكدت أختنق، مسح المدرس على شعري ونصحني بصوت حنون ألا أبالغ في مشاعري، وامتدح مثابرتي واثنى على لغتي وأسلوبي في كتابة المواضيع الإنشائية، بل تنبأ لي أن أكون كاتبا، نظرت عميقا في وجه المدرس، رسمت ابتسامة خفيفة جداً على شفتي المرتجفتين، بادلني المدرس بمثلها، ثم غادرت، بحثت عن زُهرة دون جدوى، كنت سأقول لها “أحبك”.

قلت لأبي: (نسينا الفؤاد، شعرت اليوم أني ضائع ولص أمام ناظر المدرسة..). لم يغضب أبو القاسم، وعدني بزيارة الناظر.

بعد سبع سنوات، أنزل الفؤاد حقائب كثيرة من صندوق السيارة، تساءلت عن محتوياتها، لم أتخيل أنها كانت مليئة بالثياب والعطور والأدوات الشخصية الخاصة والهدايا. صافح الفؤاد الجميع وعانقهم ولم يُقبل عليّ، جلس على كرسي صغير يتفحص وجوه أفراد الأسرة الذين يطعمهم ويسقيهم عن بعد، التقت نظراتنا، كانت لدي رغبة قوية بالاندفاع نحوه كبقية أخوتي وأخواتي. اكتفى بأن أكد لنفسه: (أنت صلاح ! ألا تريد أن تسلم على أخيك؟)

ركضت خارج البيت مُسرعاً مثقلا بمشاعر متناقضة، مشيت طويلا بين أشجار الزيتون، جلست كصنمٍ على حافة الصخرة الكبيرة المطلة على المدينة القريبة؛ كيف اجتمعت هذه الأسرة الكبيرة في هذا البيت الصغير؟ كيف جئنا إلى هذا الوجود في غياب خصوصية أبي القاسم وأم الفؤاد؟ هل سيأتي يوم تفرغ فيه الدار من أهلها؟ الفؤاد سافر لسنوات اختلطت بعدها ملامحي عليه، وسيتلوه ربما عبد القادر، ثم فهمي، ثم أنا، تبتلعنا البلاد وتهرسنا الأماكن في بطونها، ونكوّن عائلات في المنفى الآخر، وننجب منفيين وغرباء، لا يعرف الولد أبناء أخيه ولا أعمامه، ويتواصلون بالصور، يقوم أحدنا بالإشارة إلى وجه أحدهم: (هذا أخي، وهذا ابن عمكم الفؤاد، وتلك ابنة عمكم عبد القادر، وهذه المولودة الجديدة لعمكم فهمي..)، ويبقى أبو القاسم وزوجته وحيدان ينتظران رسائل وزيارات الأخوة والأخوات وأبناءهم، وقد يأتي زمن يضيق البيت بجدرانه بعد رحيل أعمدته، ويعود الفراغ سيداً، والأطلال شاخصة تنضح ذكريات لا أحد يرويها، وقد يأتي ساكنون جدد يضيفون إلى الذكريات أخرى، أو يمسحون القديمة بالجديدة، حتى تصبح الحروف تنهدات تتكرر: (هل تذكرون حين كنا؟ وهل تعلمون أننا حين كنتم؟)، ونصاب جميعاً بسرطان المنفى والغياب…

ترددت في الدخول، خرج أحدهم من بوابة البيت المعدنية وتقدّم نحوي بهدوء، عرفته قبل وصوله من رائحة عطره المميزة، احتضنني بقوة وحنان شديدين: (لمحت عودتك رغم الظلام، أنت أكثر إنسان اشتقت إليه في غربتي يا صلاح، حركت رسائلك دموعي أيها الشاب الشقي).

مشينا بعيداً عن البيت في شبه العتمة، اعتذر لتأخره في إرسال النقود، قال: (لم أكن أمتلك المال الكافي..). تساءل عن سر الأسئلة التي تمتلئ بها رسائلي، واللغة الجميلة التي أكتب بها: (كنت أقرأ رسائلك كأنني أقرأ لكاتب كبير..). استدرك: (حين علمت بتفاصيل ما حدث مع الناظر، سكنت حلقي غصةً، حرقت ثلاثة سجائر متتاليات، أنت أوصلْتَ لي معنى الغربة الحقيقي، وكبرياء الغريب الموجوع، واعتداده بنفسه، صراخك في وجه الناظر رفضٌ لكل هذه الحالة التي نعيشها، ولكن لا تيأس، ولا تتوقف عند مرحلة التفكير والتساؤلات، حاول أن تعمل شيئاً، أن تترجم شوقك وغضبك وحنانك لتلك البلاد البعيدة، كنت أعتقد أنِّي الوحيد المريض بها بعد أبي القاسم..).

دخلنا من البوابة وكل واحد يحيط خصر الآخر بذراعه.

دعاني الفؤاد لمرافقته إلى المدينة، كانت أول مرة أدلف فيها إلى محل عصير، وأول مرة يتقدم مني عامل المحل ليسألني عن نوع العصير المفضل لدي، شعرت بالارتباك والخجل من أن يخدمني شاب مثلي. وبعد وصول العصير سألني الفؤاد: (هل تستطيع العمل في محل عصير أو في مطعم أو مقهى؟). لم أجبه، فواصل: (قد تضطر يوما ما للعمل في محل بيع عصير، فكن إنسانياً مع هؤلاء العمال).

تمنّيت مقابلة الإنسان الذي كتبت رسائلي له، وضمّنتها أفكاري وخيالاتي المؤلمة والمجنونة، أن يبقى المرسَل إليه بلا ملامح تحدده، وبلا رائحة تجذبني إليه، لا يبتسم ولا يتحدث ولا يناقش، أن يكون بلا عاطفة، وألا يرد على رسائلي كما فعل الفؤاد، تمنيت أن يتجاهل رسائلي حتى أواصل الكتابة. هل سأكتب للفؤاد من جديد بعد أن عرفته وسمعت صوته، ورافقته إلى محل عصير، وعلمني قيادة السيارة؟ هل لو كتبت له سأفعل ذلك بكل حرية؟ عدم إلمامي بتفاصيله أو ملامحه الحقيقية كان يشجعني على البوح كأنني أكتب لنفسي، أو أخاطب الفضاء أو البحر أو الجبل أو السراب، أو على أقل تقدير لشخص لا أعرفه، يحمل كل تلك المواصفات العملاقة، فيغدو أكبر من أخ وأعظم من صديق وأكثر دفئا من أب.

غضبتُ من الفؤاد مرة ثانية، اعتقدت أنه سيدرك حاجتي لأفق مفتوح يمكّنني من الاستمرار في البوح، لكنه هبط بي إلى السيارة ومحلات العصير والسوق، وكل هذه الأسماء والأماكن ستكون محظورة عليّ بعد سفره، وتذكّرني به بطريقة أو بأخرى.

(قد ترغب في شراء هدية لأمك أو لأبيك)، قالها الفؤاد وهو يدس مبلغا ثانيا من المال قبل سفري إلى مصر لتقديم امتحانات الثانوية العامة، أعطاني المبلغ الأول أثناء عودتنا إلى البيت ليلا.

كان المطار مربكا لأعصابي وروحي، بمساحاته الشاسعة، بالمسافرين والمودّعين ورجال الأمن والجمارك وموظفي شركات الطيران، وطقوس دخول الطائرة ورؤية المضيفات الجميلات اللاتي وقعت في حبهن جميعاً. أربكتني المضيفة وهي تطلب مني الاختيار بين صنفي طعام، كنت سأطلب ساندويش فلافل وأريح نفسي! أكثر الأماكن إحراجا كان مرحاض الطائرة؛ ضيقٌ جداً أسمع منه هدير محركات الطائرة، صدمتني فكرة انسلاخ المرحاض عن الطائرة وأنا في داخله، فغادرته سريعا.

لم أكن قد دخلت محل هدايا في حياتي، عدت بعد أسبوعين محملا بهديتين، الأولى شال صوف لأمي، والثاني لفحة قطنية بيضاء للفؤاد، لم أشتر هدية لأبي.

كنت خلال ساعات عودتي أخطط كيف سألقي الشال على كتف أمي، والطريقة التي سأقدّم فيها “اللفحة” للفؤاد، وهل يجوز لي إلقاء اللفحة حول رقبته، ذاك الأخ الأكبر الرسمي، أم أنه من الواجب تقديمها في مغلفها كما هي؟! حزنتُ؛ فلم يكن بمقدوري حتى تلك اللحظة تجميع ملامح الفؤاد بسهولة، لم أتأمله ملياً وقت وصوله، وساعة دعاني لكوب عصير، وحين سرنا في الظلام، لا أحد يتأمل أحداً في الظلام! قررت دعوته لكأس عصير بما تبقى من أمواله، سأحدثه مركّزاً على عينيه وضحكته وصوته وفمه وسيجارته وحركات يديه، فرِحتُ للتهيؤات وتصميمي على إيداع الفؤاد ذاكرتي، ولعنت الكتابة والرسائل والأسئلة.

لم تكن السيارة أمام البيت، لم أعثر على حقيبته الكبيرة في غرفته، صدمتني العلاّقات العارية الصماء في الخزانة، كل ما تركه زجاجة عطر ممتلئة حتى نصفها، فتشت عنه في زوايا البيت كالمجنون، سمعت صوته يتردد في الغرف. لامتني أمي بغصة: (انتظرك الفؤاد كثيراً وغادر قبل ثلاث ساعات، قال إن الطريق طويلة، وعليه اجتياز أطول مسافة ممكنة في وضح النهار).

تمنيت لو كانت لي أجنحة نسر لأطير إليه، وألقي اللفحة حول رقبته وأعانقه وأعود، جلست على السرير الذي كان ينام عليه الفؤاد، وبدأت أكتب له رسالة، كأنني لم أقابله أبدا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

صابر

حدثني بصوت مرتعش عن زُهرة، قال إنها تعطل مذاكرته لدروسه، تنبت من بين سطور الكتب كنرجسة مبللة بالرذاذ، فيكتب كلمة إلى جانب كل حرف يمر من اسمها أينما وجد؛ زين، زنبقة القلب، هاء، هوائي وهواي، راء، رعشة الشفاه، تاء، تلة الروح. يراها في وجه أمه، يسمعها مع غناء فيروز.

سألني: (هل وقعت في الحب يا أناي؟).

قلت: (لكنها لن تكون لك، هي صغيرة وأنت على بوابة المراهقة، هي غنية وأنت فقير، هي في وطنها وأنت غريب، هي تنام في بيت قبالة البحر وتحلم ببحّار يمتطي فرسا لازورديا، وأنت تنام في غرفة مع ثلاثة أخوة، هي تزور المقصف في الفسحة المدرسية وتشتري ساندويتشات لم تسمع بها، وأنت تسد الباب بهامتك الطويلة النحيلة وتدعي الشبع، اعشقها كما تشاء ولكن لا تصحبها معك خارج المدرسة).

رسم عقدة بين حاجبيه فبدا وجهه قبيحاً، قفز من فوق الصخرة وركض ككلب الصيد الذي يشم رائحة الطيور في كل الجهات. عاد فأخفى رأسه بين ركبتيه ونشج. وبعد أن استكان: (زهرة فتاة تجمع الضدين، فهي تفيض سحرا وجمالا، لكن خطوتها كجندي متمرس، أخشى أن يكون طموحها دخول الجيش أو قوى الأمن أو الاستخبارات، ولكنني لن أخاف اعتقالها لي..).

ذكّرته بالتحية العسكرية التي أداها لها بتلقائية حين مرت أمامه ذات صباح، دُهشَت يومها وتجاوزته مبتسمة، فابتسم بغرور وسار واثق الخطوة يمشي عاشقا..

أنّبْتُه عندما نسي شراء هدية لها من القاهرة، فدافع: (ستبقى زُهرة الفتاة الحلم التي لا أحلم بتجسيدها، اقتربت مني مرةً وقالت: “ألا تدعوني لكوب عصير، بدلا من متابعتي من بعيد؟ اشعر بالعطش..”. أنقذني جرس الحصة التالية، مسحت وجهها بعيني وانطلقت كالهارب من ورطة. لو لم يدق الجرس، لكنت انسحبت إلى الفصل وادعيت الانشغال، باختصار أيها الفضولي، لم أكن أملك ثمن كوب العصير، منذ ذلك اليوم، حرصت على عدم الالتقاء بها).

سألته: (حسنا، لماذا لم تحضر هدية لأبي القاسم أو لأميرة التي بحت لها بحبك وخنتها مع زُهرة،على الأقل تعويضا عن إهمالك لقلبها). رد عليّ: (هل تعتقد أنني غير مخلص، أو خائن؟ أما أبي، فلم أحضر له هدية لأنني تذكرت اليوم الذي أحضر فيه بندقيته وصوبها نحوي، حين رفضت الدخول في عراك مع شباب صغار اعترضوا طريقي، قلت له: “أنا لا أتعارك مع النازحين، وأخشى أن أتسبب لهم بأذى، وأنت تعلم حين يدب الغضب في دمي فإنني أتحول إلى وحش، وسألته، أي جينات تسري في خلاياي؟ أنا لا أكره أبا القاسم أبداً كما قد تظن”.

اقترحت: (كان بإمكانك تقديم اللفحة التي أحضرتها للفؤاد طالما غادر ولم ينتظر وداعك).

أوضح لي أنه يريد الاحتفاظ بصورة الفؤاد في نفس الزاوية من الروح التي يحتفظ فيها بزُهرة، سيبقى يخاطبهما بحرية مطلقة، ويشكلهما كما يشاء، لكن قد أدعو زُهرة لكوب عصير لو التقيتها صدفة وأدّعي أنها تشبهها، وألقي اللفحة على كتفي الفؤاد وأدعي أنه توأمه.

واجهته: (أنا لا أفهمك، وأذهلتني ممارستك الجنس في القاهرة مع امرأة تكبرك بعشر سنوات، ولم يقنعني تبريرك بأنها تشبه زُهرة، يبدو أنك ستعشق كثيرات وتمارس الجنس معن للسبب ذاته، أو لسبب آخر لا أعلمه حتى الآن..).

رواية شوق مزمن لأنور الخطيب الفصل الأول والثاني

شوق مزمن -الفصل الأول

صابر

والآن اسكنوا عيني وذراعي وكفيّ لنثبت هذه المخطوطة على بيت أمكم

وجدت هذه الرواية على قبر أم الفؤاد، واسمها الحقيقي المنقوش بالخط الكوفي على شاهد القبر مريم بنت عبد المالك، وتحته ذُكر تاريخ ميلادها ووفاتها؛ 1925-2008، توفيت بمرض الشوق المزمن.

قال لي حارس المقبره إن رجلا كشف عن سنواته الستين في اللحظة الأولى لوصوله، حضر ومعه مجموعة من الأوراق كان قد حشرها في ملف أخضر، طاف ببيوت الآخرة البيضاء المنتشرة بترتيب متقن، وأخذ يطرق بحنان على سطوحها كأنه يوقظ أصحابها من نومهم، ثم عاد ووقف أمام شاهد القبر وتحدث كمن يلقي كلمة في حفل رسمي: (أيها الأحبة والأقارب والأصدقاء والجيران والمعارف الأوفياء، أيها المواطنون الكرام، أما وقد استجبتم لدعوتي المفاجأة وغير الرسمية، فإنني أنحني أمامكم جميعا محييا صبركم الطويل على منفاكم الاختياري، مقدّرا لكم انسجامكم وتفاهمكم ووحدتكم وتعاطفكم مع بعضكم بعضا، ومحبتكم التي تتبادلونها مع كل شروق شمس وغروب قمر، وتناسيكم للصراعات والانقسامات مقسمين على التشبث بهويتكم الواحدة، وأشكركم على رعايتكم لأم الفؤاد في حضورنا وغيابنا. أنتم تعلمون أن الأرض التي تقيمون فيها ليست أرضكم، وإن حمل بعضكم القليل جنسية هذه البلاد، وهذه البيوت ليست بيوتكم، والأشجار التي تظللكم ليست لكم، باختصار، لا شيء لكم في هذه الجغرافيا المضيافة، ولهذا سيتم نقلكم جميعا إلى بيوتكم التي عشتم فيها، وسيأتي وقت من الدهر يظن زائر هذا المكان أنه لا يزال يضمكم، سنتركه لظنه الذي يجلب له القليل من الاستراحة من شوقه المزمن لكم، لكنه سرعان ما سيكتشف أنكم لستم هنا، بل إنكم الآن لستم هنا وإن حضرتم سريعا، بل إن حضوركم السريع يؤكد غيابكم عن هذا المكان وسكناكم في أوردة الروح، في تجليات قلبي وقلوب أحبائكم، أنتم موزعون في القلوب، ولهذا، ستحتفظون بنضارتكم أبد الدهر، وحين تحين ساعة الرحيل إلى موطنكم الأصلي ستقومون قيامة رجل واحد، تمتشقون لجوءكم، تحملون بقجكم وتمشون مع الهواء الجنوبي المتجه شمالا، هناك ستنامون بهدوء، وستتداخلون بالتراب والجذور وتسيرون في جذوع الزيتون، وتحلقون مع العصافير التي ستضحك كأطفال في شهورهم الأولى. والآن اقتربوا من هامتي واسكنوا عيني وذراعي وكفيّ لنثبت هذه المخطوطة على بيت أمكم أم الفؤاد، قد يلعب بأوراقها الريح، قد يبللها المطر، لكنها ستبقى تقلب أوراقها من البداية حتى النهاية ثم تعود من الصفحة الأخيرة حتى الأولى، سأتركها في رعايتكم وأمضي، وقد أعود فأقيم معكم إلى أن يُقرعَ جرسُ الله، فمدوا أياديكم لنهدي أم الفؤاد كتابها، فهو هدية الغائب إلى الغائبة، والحديث المؤجل حتى اللحظة..)

قال الحارس إنه راقب المشهد وشعر جسده ينتصب، عاشه حتى كاد أن يرى المقيمين يجتمعون حول الرجل، فقد انتقل من أمام قبر أمه وبدأ يمد يده اليمنى ويقرّب راسه ويحرك ذراعه اليسرى كمن يعانق الناس حتى انتهى، ثم تقدم خطوتين وانحنى، فثبت الملف الأخضر على سطحه وغادر.

كان الوقت قبل المغيب، نظرت خلفي فرأيت سلمى لا تزال منتظرة على الشرفة، قلت في نفسي، غافلني صلاح وترك لي ذاكرته كلها. جلست أمام القبر، أزحت الحجر من فوق المخطوطة، التقطتها ورفعتها، بدأت أجزاؤها تتساقط وتطير لتحط على بيوت النائمين إلى الأبد، وبقيت متشبثا بالجزء الذي كان مخفيا تحت الحجر.

صرفت الليل في جمعها وقراءتها حتى تحسست يد صلاح تمسد قمة رأسي كأنه يوقظني من النوم.

الفصل الثاني

صادْ

(الحليب الذي يقطر من ثديين خضراوين يشبه زيت الزيتون)

 

كان مصطفى فقيراً وقصيراً وشاباً صغيراً، يحضّر الشاي من ماء الشتاء، يستمتع بمضغ الزعتر البري، بالسير عاري الصدر في “كانون”، ينتشي لسماع قصص الحب، ويصف ذلك لصديقه صلاح: (أصبحُ طائراً حُراً أطلقه صائده بعد حبسه في قفص لشهور، قصصك بعينها يا صاحبي تجعلني أرافقك وأنت تغذ السير ممتلئا بالدهشة لرؤية صبية صغيرة تسكن في بستان بعيد، تبتسم لها وتضحك لك، ولا يستغرق المشهد أكثر من ثلاث دقائق كما تقول، تعود بعده إلى سجنك الشاسع، أحب أن اصدّق كل القصص التي تزرع سهل قلبي بالقمح، ولكن، أحقاً تتسلق جبلاً لتفوز بضحكة فتاة خجولة يا صلاح..؟). فأتعمد نقل خياله من سهل قمح إلى شجر الهضاب: (هل جرّبت الوقوف على قمة جبل عاري القدميين، تعرّي نصفك العلوي، ترفع ذراعيك فتلامس الغيوم، تغمض عينيك فلا ترى إلا فتاتك، والعالم يدور حولك، وأنت مركز الكون، وتهب عليك نسائم محملة بروائح إكليل الجبل، وينتابك شعور من يستحم بماء ورد؟ هكذا أشعر حين تضحك لي “ياسمين”، تلك الفتاة البرية التي لا تعرف سوى لغة النايات..)، فيسألني: (وياسمين، ماذا تشعر؟)، أبتسم بخجل ممزوج بالمرارة: (كشعور أي فتاة يمر بها عابر لا تتوقع عودته في اليوم التالي..).

وسامة مصطفى كانت مضرب المثل في المخيم، قال حين تغزلت به النساء الزائرات لأم الفؤاد بعد انتهائه من طقس الاستحمام: (الأمهات النازحات أيضا يلدن شبابا يرضى عنهم الله ويرضيهم..).

أعظم الكلام همسته ذات العينين الخضراوين: (أتراني أجمل منك يا مصطفى؟)، وأبلغ الإجابات تهادت من شفتيه وسحر عينيه: (خلقك الله لتكوني أجمل من أي فتاة في أروع قصة حب، وخلقني كي أموت فداء لهما..). سألتُه: (أتموت فداء لعينين خضراوين يا صاحبي؟).

أسرع بعاطفة جياشة: (لا أكذب في الحب يا صلاح، عينا أمي خضراوان، وعينا مدرّستي خضراوان، ولون ريش العصفورة التي تنقر القمح من يدي كل صباح أخضر، وأبي قال إن لون عينيّ القابلة التي سحبتني إلى الدنيا خضراوان، وقال لي أيضا إن لون نهديّ قريتنا خضراوان، أحببت تصديقه، ربما قصد أمرا آخر..).

دار حديثنا يومئذ عن الأثداء الخضر. تساءلتُ: (ما لون الحليب الذي يقطر من ثديين خضراوين؟ هل يشبه لون زيت الزيتون مثلا؟).

قال: (بدأت أفهم المعنى الذي رمى إليه والدي، رحمه الله، أطلقت عليه لقباً قبل وفاته “شجرة زيتون”).

كنا أكثر من جارين وصديقين، ولدنا في البقعة الضيقة ذاتها، اعتدنا على أحاديثنا القليلة، وإذا اُتيحت لنا الفرصة مِلنا نحو التكثيف؛ لم نكن قد اطلعنا بعد على مقولة النفّري: “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”، ولم يكن قلبانا قد امتلآ بالكشف بعد المغامرة الفاشلة.

في منتصف العقد الثاني من عمرينا جمعنا الأصيل ذات يوم فوق صخرة عالية تطل على مدينة صور المحاطة بالبحر من خاصرتيها؛ أومأت لمصطفى بعد طول صمت: (المشهد يذكرني بالرحيل المخيف..)، ارتجل سريعاً: (بل بالخريف العفيف..).

اختزلنا حديثا طويلا، فساعة قلت جملتي؛ صببت ماءً باردا على تفاصيل سجننا الكبير بعد مغيب الشمس، خبأت الحركة المتشابهة داخل الجدران اللبنية وأسقف الزينكو، ورأيت ما يراه الكبار المهزومون؛ البيوت وهي تفرّخ كائنات قلقة، والأمهات النازحات وهن تلدن مزيدا من الأبناء في بيئة يتلوى الضجر في طرقاتها كالرؤوس الفارغة؛ تحرّض رتابتها على الانفجار، والركض كزوبعة في أزقة ضيقة، سكانها ينتظرون معجزة _وليس بينهم أنبياء_ تنقلهم من منفى يابس يحمل آلة تنفث هواء جافاً فيشقق ذاكرتهم، إلى بيوت شيدوها بما نزَّ من أبدانهم.

وقت قال مصطفى جملته “بل بالخريف”، كان يعني؛ لا غريب يبقى تحت مطرقة، تأكدت من معناه حين تكاشفنا، واتفقنا على ما أخفينا.

على بوابة المراهقة، روحانا ترتديان جسدين نحيلين، وبدلا من الولوج إلى واحة الرومنسية والتلذّذ بخيالاتها، قررنا التحوّل إلى وحشين شرسين، مدفوعين بصورة شاب فدائي زرع اسطورته أمام الناس.

كانت مجموعة فدائية عائدة من الجنوب، كُشف أمرها فلجأت إلى المخيم، انتشر عناصرها على أطراف المكان، تناوبوا في تبديل مواقعهم، عبروا الطرقات بسرعة وسط دهشة أهالي المخيم وهم مدججون بالسلاح وملثمون بكوفيات حمراء وسوداء، قرروا التجمع في وسطه، ظل “أبو عرب” محاصراً في بستان البرتقال المؤدي إلى حارتنا، غير قادر على العبور بسبب قناص يعتلي العيادة الواقعة شرقاً، كلما حاول أن يطل برأسه يرشقه القناص بالرصاص، فيتراجع محتمياً بسور البستان، وفجأة؛ قفز فوق السور مُطلقاً النار نحو الجندي، مشهدٌ لم نشاهده من قبل إلا على شاشة السينما المتنقلة، جسّد الفدائي أسطورة نحتتْ رهبتها وقداستها في مخيلة الناس، صفقوا طويلا، هتفوا بشعارات وطنية، وبعد ساعتين غادرت المجموعة المخيم بناء على اتفاق مع الجيش.

فوق صخرتنا المعروفة، فرّج مصطفى عن مكنونه بعد صمت: (أريد الخروج من السجن..). وافقته على الفور بحماس، وضعنا خطةً بدائية؛ صعود الجبل الفاصل بين لبنان والشام، والالتحاق بمعسكر تدريب.

داهمنا الليل قبل وصولنا قمة الجبل، كنا متسلحين بسكينين حادتين طويلتين وعصاتين مليئتين بالعقد والمسامير الناتئة، سمعنا أصواتاً غريبة، قريبة وبعيدة. شرح مصطفى: (هذا ليس نباح كلب، ربما يكون عواء ذئب..). فأجبته: (تشابهت علينا الكلاب ياصاحبي)، وسألته لمجرد السؤال، لأسمع صوتي أيضا: ( أنا كفيل بالكلاب المسعورة يامصطفى، ولكن هل يهاجم الذئب الإنسان؟)، ردّ بلغة الواثق: (يهاجمه ياصلاح؛ ولم لا..).

سألت بشكل عابر: (وهل هاجمك ذئب من قبل يا مصطفى؟).

رد بجنون وهو يلتفت حوله: (لا أدري، ربما قبل ولادتي، وأنت؛ هل هاجمك كلب مسعور يا صلاح؟). أجبت بلا مبالاة: (نعم، ولكن بعد ولادتي..)

لم نأخذ إجاباتنا على محمل الجد رغم كثافتها، تعمّدنا تكرار اسمينا، ربما ليشعر كل واحد منا أنه لن يواجه الذئب وحيداَ. أخرجنا سكينتينا بحركة واحدة من كيسيّ قماش، اتفقنا على تسريع الخطى، وعدم الالتفات إلى الوراء، حتى لا تشعر الحيوانات أننا هاربان.

زاد مصطفى الأمر تعقيداً: (هل يهاجم الضبع الإنسان ياصلاح..؟).

نقلت له معلومة: (قالت لي جدتي إن الضبع يهاجم الإنسان الخائف..).

أسرع مصطفى: (لست مضطرا لقول هذا ياصلاح، أنا لست خائفاً..).

أوضحت وأنا أتقافز فوق الصخور المضاءة بأشعة القمر: (لم أقل أنك خائف، احتمال ضعيف أن يكون الصوت لضبع، فهو إما لكلب أو ذئب يامصطفى، رغم أني لم أسمع صوت ضبع من قبل..!).

تبادلنا المعارف بتفاهم غير معلن، سرنا بهمة رجلين اعتادا الخروج ليلاً، تحدث مصطفى طوال الوقت، تعمّد تكرار اسمي بين كل جملة وأختها، عن حبيبته التي لم يقابلها بعد، التي سينجب منها عشرة أولاد وبنات، وعن الوردة التي سيلثمها ثم يهديها لأمه قبل خروجه في عملية فدائية، وعن عودته سالما منتصرا، وقد يتمكن من أسر جنديّ إسرائيلي، تحدث عن أشياء كثيرة باستثناء الليل والضباع. فاجأته: (هل تتحدث اللغة العبرية؟). فهم قصدي ولم يجبني.

اجتزنا النقطة الحدودية بسلام، ووطأت أقدامنا أرضاً معبدة بعد الأرض الوعرة، تبادلنا النظرات والابتسامات، لكنه استنكر لمعانا لمحه على خدي الأيمن، حاول بث الثقة في رُكبي بما أنه يكبرني بعام: (وهل تبكي الوحوش ياصلاح؟ أعلم أنك أقوى من الذئب والضبع والكلاب جميعها، نحن ذاهبون لنجفف الدمع في مآقينا..).

بحت بخجل: (لم يُبْكني الذئب يا مصطفى، أنت تعلم أنني أسرع منه، أصدقك القول، رافقني وجه أمي منذ لحظة صعود الجبل حتى وصولنا، اتضحت ملامحها أكثر حين سمعنا العواء، ألمها يوجعني، ودمعها يحرقني..).

بلغة مُطمئنة، تحدث مصطفى وهو يشير إلى السيارات التي كانت تمر بنا كالبرق: (لا تقلق ياصاحبي، سيتولى صديقنا إبراهيم إخبار عائلتينا عن وجهتنا حين يحل المساء..).

عانقته بحرارة وصدق: (لو لم تُخبرني لصعدت الجبل وانحدرت ثانية واجتزت المسافة ركضاً لأمسح دمع أمي، الآن سيهدّئ أبي من روعها، أكاد أسمعه: (لا تقلقي يا أم الفؤاد، صلاح أصبح رجلا، سيفعل ما عجزت وجيلي عن فعله، صحيح أن هدوءه قد يوحي بالخجل والاستكانة، لكنه أصبح قناصا ماهرا بعد أن أعطيته بندقية الصيد، اطمئنّي، صلاح يلعب بالعصا مثلي، يستطيع طرح خمسة رجال دفعة واحدة، أنا دربته على هذا، ثم أن سرعته تفوق حصانين، وإذا ما غضب يتحول إلى زوبعة من نار، شاهدت هذا بنفسي حين هاجمَنا كلب مسعور، سيعود يا أم الفؤاد، لا تقلقي..).

بادرني صاحبي: (لِمَ لم تحكِ لي قصة الكلب؟).

وجدتها فرصة سانحة كي أقصّ عليه قصتي: (خشيت ألا تصدقني، لأنني عجبت مما فعلت، باختصار؛ كنت وأبي نتمشى في كرم الزيتون، بالقرب من صخرتنا، رأينا كلبا قادما نحونا بسرعة وتوحش ونوايا افتراس، كان نباحه غريبا، كمن يتغرغر بزيت ساخن، قال أبي: “انتبه ياصلاح، هذا كلب مسعور، اركض بكل قواك..”، لا أدري يا مصطفى ما حلّ بي، تحولت إلى كائن مسعور، أحسست بدمي يلسعني قبل وصول الكلب، بدأت أصدر أصواتا شبيهة بتلك التي يصدرها الكلب، سحبت سكيني التي أحملها دائما، وقفت بثبات لمواجهته وجعلت أبي خلفي، اقترب أكثر وقفز قاصداً نهشي، قفزت أعلى منه واستدرت، توقف واستعد لمهاجمة أبي، انقضضت عليه من الخلف وطعنته عميقا في رقبته، واصلت الضغط على رأسه بيدي الأخرى وأنا أزمجر مثله حتى همد، سحبت السكين ونظفتها بالتراب، نظرت نحو أبي فتراجع خطوتين وفي عينيه ذهول، جلستُ مطأطئ الرأس مغمض العينين لدقائق، انتفضت حين فتحتهما ورأيت الكلب. سألت أبي بصوت مرتعش: (من قتل الكلب؟).

اقترب وعانقني طويلا، بللت دموعه جبيني، وعدنا إلى البيت بصمت، وكفُّه الكبيرة تحتوي كفّي.

نسي مصطفى التلويح للسيارات واقترب محملقا بعينيّ: (أكاد لا أصدق..)،

قلت: (ولا أنا..).

فاستفسر: (هل كنت ستفعل بالكلب أو الذئب ما فعلته بالكلب المسعور؟).

أجبته: (لا أدري، ربما..).

تذكر صلاح حديثي عن أمي وعاتبني بهدوء: (هل كنت ستتركني وحيدا وتعود إلى أمك؟).

أكدت: (كلا ياصديقي، كنتَ سترافقني في العودة، وأرافقك ثانية في مغامرة؛ محصنين برحمين دافئين..). سألني بصوت عادي جدا: (ماذا لو ماتت أمك مثلما مات أبي؟)

كأنه قال إن المطر توقف، أو إنه أنهى سندويتش الفلافل، واستمر بالتلويح للسيارات، بينما انطلقت ساقاي كأن نارا مسّتهما، ركضت عشرات الأمتار نحو الأمام ومثلها نحو الخلف، عبرت الشارع جيئة وذهابا وسط ارتباك حركة المرور وزعيق السيارات ولعنات السائقين والركاب، هدأتُ وقلت لمصطفى: (لا أستطيع التفكير في الأمر، ولكن لن أدعها في دارها الأخيرة، سأعيدها إلى البيت وإن طال الزمن، ولكن قل لي يا صاحبي، كيف مات أبوك؟).

ظل يلوّحُ للسيارات: (استمعَ إلى نشرة أخبار المساء، ولم يستيقظ في الصباح..).

قررتُ في أعماق نفسي أن أمنع أمي من متابعة نشرات الأخبار، سيَّما المسائية، فالأخبار الصباحية تذروها أعباء غسل الملابس والصحون وإعداد الطعام ومناوشات الأب والاهتمام بالأبناء.

فاجأني مصطفى: (هل يجب أن نستأذن والِدينا كلّما قررنا القيام بمغامرة يا صديقي؟).

تعجّبت: (لماذا يقومون بمغامرات ولا يستأذنوننا؟).

التفت بكلّه نحوي: (مثل ماذا ياصلاح؟).

بسرعة: (مثل وجودنا، مثل حريتنا أن نولد في المخيم، مثل أن يكون اسمي صلاحا وليس صابرا، لماذا ألتفت كلما سمعت أحدا ينادي هذا الاسم..).

توقفت شاحنة كبيرة يقودها رجل في الخمسين من عمره، سمح لنا بالصعود قبل أن يسألنا عن وجهتنا: (ألستما صغيرين على ما ستقدمان عليه..!).

رددت: (الغربة ياسيدي تصيب أبناءها بسرعة في النمو..).

أنزلنا متمنيا لنا السلامة، وشكرناه على رحمته.

تأملتنا صاحبة الفندق من رأسينا حتى أسفل أقدامنا: (ماذا تريدان أنتما أيضا في آخر الليل، مازلتما صغيرين على النزول في الفنادق، خاصة فندقي هذا..).

وضع مصطفى كفه على معدته الخاوية: (نحن متعبان، قطعنا مسافة طويلة سيراً على الأقدام..).

غسلنا وجهينا بسرعة، قاومنا اللجوء إلى السرير، ثم غادرنا الغرفة.

سألت المرأة: (إلى أين أيها البطلان؟).

شرح لها مصطفى: (نحن جائعان جدا، لم نأكل أو نشرب منذ الصباح..).

رق قلبها، حضنتنا بنظرة أم: (انتظرا، سأحضر لكما العشاء..).

تبادلتُ ومصطفى النظرات، توصلنا ضمنيا أننا لن نأكل بشهية مع غريب، أرشدَتنا حين تأخر ردنا إلى محل قريب يبيع الفلافل.

التهمنا السندويشات بتلذذ ونحن نراقب السيارات القليلة المارة بهدوء في الشوارع شبه الفارغة، قلتُ والطحينة تسيل من طرف فمي: (هذا أطيب سندويش فلافل أكلته في حياتي..).

رد مازحاً: (وهل تناولنا سندويشات غير الفلافل في حياتنا يا صاحبي؟!).

كنا على حافة النعاس لحظة سمعنا طرقا على الباب، دخلت صاحبة الفندق مبتسمة: (ألا تريدان شيئا؟).

تبادلنا نظرات الدهشة، جلست على حافة سرير مصطفى وحدثتني: (أحب أن أتمدد إلى جانبك وأحكي لك قصة ما قبل النوم، ثم أنتقل إلى صديقك الجميل وأحكي له قصة أخرى..).

غادرت السيدة بعد صمتنا المخيب لآمالها، غطى كلّ منا رأسه باللحاف، ثم انفجرنا بضحك هستيري.

صعدنا إلى الحافلة وهبط أناس كثيرون، خشينا توجيه سؤال لأحد عن المعسكر الذي يدرب الفدائيين، تقدم منا شاب في العشرين من عمره لم يهبط وبقي مكانه: (يبدو أنكما مثلي تدوران فقط في الحافلة دون أن تعرفا وجهتكما..).

قال من فوره حين علمها: (الآن عرفت وجهتي..).

لم يلتحق بالمعسكر، كان عليه إحضار ورقة من الأمن تسمح له بأن يصبح فدائياً، غادر حزينا ودخلنا فرحين.

لم تكتمل الفرحة؛ فبعد نقلنا إلى معسكر الشبيبة، تبيّن أن المدرب هو إياد، الطالب الذي كان يرسب عامين في كل صف دراسي، فطرد نفسه بنفسه من المدرسة بعد اعتدائه على مدرس الرياضيات، همست لزميل في المعسكر: (أعرف هذا المدرب، كنا في مدرسة واحدة، سبحان الله..).

بعد نصف ساعة استدعاني إياد وسألني إن كنت أعرفه، امتقع وجهه حين أجبته، ارتبك وتمتم: (هل تحتاج إلى شيء؟ هل تريد أن أزيد نصيبك من السجائر مثلا؟!).

في طابور اليوم التالي، استعرض صلاحياته: (أنتم في دورة خاصة، عليكم الانتباه، لو قُتل اثنان منكم أثناء التدريب لن أتحمل المسؤولية..). لا أعلم لماذا نظر إلي، كأنه خصني بكلامه.

ذهب مصطفى إلى غرفة قائد المعسكر مساء ليشكو زميلا شاذا تحرّش به، طرق الباب وفتحه دون استئذان، وجد القائد مع امرأة جذابة ترتدي ثوبا قصيرا، وأمامهما مأدبة عشاء تحتوي ما لذ وطاب، حملق مصطفى بالمائدة ولم ينتبه لتأنبيب رئيس المعسكر: (عليك الاستئذان قبل الدخول يا وحش..).

ظل مصطفى زارعا نظراته في المائدة، فسأله: (ألم تتناول عشاءك؟).

انتبه مصطفى: (عدس وخبز..)، وهَمَّ بالمغادرة، لكن رئيس المعسكر استبقاه وسأله عن سبب اندفاعه ودخوله فأجاب: (أخطأتُ بالباب، كنت ذاهبا إلى بيت الراحة..).

أسرّ لي مصطفى بسؤال على انفراد: (هل اشتقت لأم الفؤاد؟).

لمعت عيناي ففهم الجواب، وأصيب بمرض بعد عشرين يوما، ارتفعت حرارته بشكل خطير، وإذ تماثل للشفاء، تقدمنا بطلب زيارة لأهلنا، وافق المدرب مباشرة: (لا تذكروا اسمي أمام أحد).

طلبنا من قائد المعسكر أن ينزلنا السائق في المكان الذي أقلتنا منه الشاحنة في رحلة الذهاب، لم يكن لدينا أوراقا ثبوتية، وأردنا أن نسلك الطريق ذاتها في عودتنا، لن نخشى الضباع ولا الكلاب أو الذئاب.

تأملَنا القائد ووجّه كلامه لي: (لماذا لا تبقى أنت، لقد أذهلتني، رأيتك وأنت تتسلق عامود النار كأنك جمرة متدحرجة نحو السماء، وأدهشتني قدرتك على التصويب والقفز..).

قلت له إنني قد أعود، ولكن يجب أن أرافق صديقي. مد يده إلى صندوق خشبي، وأخرج مسدسين صغيرين ألصقهما في قعر حقيبتينا، وحدَّث مصطفى: (تلك كانت خطيبتي.. أنتما أكبر من عمركما أيها الوحشان.. وسأزوركما عما قريب في المخيم..).

على الصخرة ذاتها قال مصطفى: (احتضنتني أمي وقالت كيف تتركنا وأنت ابني الكبير ورجل البيت، فقبَّلتُ يدها..).

أكملتُ: (ألصقتني أمي بصدرها طويلا ولم تقل شيئا، لكن شعر رأسي تبلل بماء عينيها المقدس..).

عصر ذلك اليوم، سمعنا نباح كلب، عرفته مسعورا، كان يركض بجنون في اتجاهنا، أمرت مصطفى ألا يتحرك، قفزت من فوق الصخرة ووقفت ثابتاً، لم أصدر صوتا يشبه صوته، تركته يتقدم، توقف حين اقترب منا وهو يواصل النباح، وحين هم بالقفز أطلقت عليه النار من مسدسي وأصبته في جبينه مباشرة، فخرّ صريعا.

مصطفى بهدوء: (سينفضح أمرنا..).

طمأنته بهدوء: (إنها طلقة واحدة ياصاحبي، لن ينتبه أحد..).

كانت الحُمى تزور مصطفى لثلاثين دقيقة ثم تتلاشى، مرت ستة شهور وهو يعاني، حيّر أطباء “الأونروا”، يدخل بعد الحُمى في صمت وحالات سهو، أثبتت نتائج االفحوصات عدم إصابته بمرض عضوي، لكن الألم المصاحب للحمى، الذي كان يقفز كجرذ في داخله من مكان إلى آخر على امتداد قامته كان يضعه على حافة الجنون، كان يهدأ بعد آخر وخزة بخمس دقائق.

سهرنا معاً، في تلك الليلة لم يتعرّض لنوبة حمى وألم، قضينا وقتنا ساخرين من كل شيء، بما فيه تفاصيل مغامرتنا الفاشلة. تذكّر مصطفى: (أنا على يقين أن تلك الشابة لم تكن خطيبته..).

مازحته: (لكنك ركزت على الدجاج والكباب أكثر من ساقيها..).

ضحكنا كمراهقين طازجين، ودعنا بعضنا ونحن نضحك، تعانقنا لأول مرة منذ عودتنا. استبد بي حزن جارف حين وصلت البيت، استجبت لغواية عزلة الفراش، هيأت كل حواسي فأغمضتُ عينيّ، وانتظم تنفسي حتى بدأت أدخل عالم النوم الغامض. استعدت فيما يشبه الحلم حديثنا على قمة الجبل، وأمنيات مصطفى في أن ينجب عشرة أبناء، كنت أعلم أنِّي لا أحلم أو أتذكر، لكنني استسلمت لكلتا الحالتين، ولسلطان النوم.

شعرت بأنفاس حارة تقترب من عنقي، كأنها تخرج من بين فكي نمرٍ شرس، تململتُ قليلا واستسلمتُ للنعاس، ربما هرباً من المواجهة، عادت الأنفاس كالفحيح تزحف على ظهري ببطء، كأن أحداً يمرر لسانه على عامودي الفقري ويهم للالتصاق بي حد الافتراس التام، استيقظتُ بقلب يتقافز في صدري كالعصفور، كان أخي الذي أشاركه الغرفة غارقا في النوم. بسملتُ وتعوذتُ من الشيطان الرجيم بشكل لا إرادي، عدت لأمدد هامتي بهدوء، ثم تكورت كالجنين محاولا الاستسلام للنوم، أحسست بقرصة في خاصرتي، ظننت أنها حساسية الخوف التي تثير هرش الجلد، تكرر اللكز، أصبح أكثر قوة وألما فانتفضت، وقفت منتصبا أنظر حولي باستغراب، جلت ببصري في الغرفة؛ الستارة القصيرة الممزقة مفتوحة، تتحرك كأن أحدا اخترقها قبل لحظات، قفزت بخفة نحو الباب لأجدني في مواجهة عتمة شفافة، انتبهت لحركة في خاصرة شجرة الليمون اليمنى، كأن كائنا ثقيلا أو إعصارا شديد السرعة مر بها، ارتعشت نبتة “الميرمية” بالطريقة نفسها، تحركت رؤوس أغصان شجرة الياسمين الممددة على سور البيت، وقعت فريسة صمت باغتني وسط عتمة كان يشقها ضوء قمر خافت، فتحت البوابة الرئيسة للبيت بجرأة، نظرت يمينا وشمالا، حملقت في الزوايا الداكنة، وبالعشب المتمايل كأن قطاّ كان يخترقه.

بين الفزع والفزع يتسلل أنينٌ خفيفٌ من مكان ما، تجوّلت في دروب الحارة الضيقة دون أن أهتدي إلى مربض الوجع، فعدت إلى البيت متوتر الحواس، وفي اللحظة التي كانت تفصل كفي عن مقبض بوابة البيت اخترقت قلبي صرخة شقت صدر الليل وأطفأت القمر، لم أطاردها، قتلت فضولي وتآمرت على هواجسي المرعبة، ظللت مستيقظا حتى بدأ أطفال الفجر رقصتهم لاستقبال الصباح، ومع انتهاء مراسم الشروق انتشر خبر موت شاب في الحارة؛ (مات مصطفى..)

لم أندفع نحو بيته، لم أضرب كفاً بكف، لم أبك أو أصرخ أو أغضب، اعتقدت أن مصطفى تعرّض لنوبة ألم ثقيلة، وسيتناول دواءً مهدئاً وينام، ثم يستيقظ ويتابع حياته، فيزورني في المساء، ويحدثني عن حبيبته التي لم يقابلها بعد.

أدركت معنى مفردة الموت حين اندفعت أمي نحوي مباشرة واحتضنت رأسي، همست في رقبتي كلمات فهمت منها أنني لن أقابل مصطفى إلى الأبد، وشجعتني على الذهاب إلى بيت العزاء لأقف إلى جانب أهله في مصيبتهم: (قدِّم الماء والقهوة للمعزين قبل بدء الجنازة يا بني، وامش في جنازة مصطفى، وشارك في حملِه وهم ينزلونه في القبر..).

عزاء ومعزّون وجثمان وجنازة ودفن، لا علاقة لهذه المفردات بآلام كانت تتقافز داخل جسد صاحبي بحركات رعناء، ولا علاقة لها بالصراخ والمستشفى ومواعيد الزيارة والعودة إلى البيت، تساءلت إن كان لكل ما حدث علاقة بمغامرتنا، بتدريبنا، بصلاحية المدرب في قتل اثنين، بامرأة جذابة تزور قائد المعسكر، في الدجاج والكباب والعصير الطازج والعدس!.

علمت أنه الخروج الكبير الذي لا عودة منه، لن أجد بعد تلك اللحظة وجها ينصت إليّ، ولا روحاً أضحك معها، ولا رفيقاً يسير إلى جانبي في كرم الزيتون، ولا صديقاً يرافقني إلى المدرسة، ولا قلبا أحدثه عن الفتاة التي أقطع الجبال والسهول لأرى ضحكتها، شعرت أن أمي حين احتضنتني بكل حنان رحمها، كانت تبني حولي سوراً يمنع الموت من الاقتراب مني: (ربما لا يزال يتجول في القرية ياصلاح يا ولَدي، لا تلتفت كثيراً في طريقك إلى أخيك مصطفى..).

سحبت رأسي بهدوء من بين ذراعي أم الفؤاد، وقفت على ساقين مهزوزتين، انطلقت راكضا في دروب الحارة الصغيرة كمن أمسكت به نار، توقفت عند بيت مصطفى حتى هدأت، سمعت بكاءً حاراً يفيض على حواف الشبابيك ويربك خضرة الأشجار، تناهى إليّ صوت أم مصطفى تغني! تساءلت عن العلاقة بين الموت والغناء فاقشعرّ جسدي، وفجأة؛ ظهرت فتاة من غرفة تشهد خروجاً ودخولاً كثيفاً، سال دمعي حين التقت نظراتنا، أخفضت رأسي وهي تمر بي حاملة قلباً متشقّقاً يحتضن وجه شاب ميت، كان مصطفى من أجمل شباب الحارة، وأكثر الشباب وسامة في المنطقة كلها، وتلك الفتاة حبيبته، عرفتها من عينيها الخضراوين، استشعر ذات جلسة على الصخرة: (أحب العيون الخضراء ياصلاح، يا الله ما أجمل الضياع في غابات الضوء والدفء..)

خلعت نعليّ، تقدّمت بهدوء المسكون بفكرة غامضة، شهقت أمه بالبكاء حين شاهدتني وحيداً، خاطبت مصطفى المسجى: (صاحبك حضر وحيدا، قم واستقبله يا حبيبي..)، وواصلت النحيب.

أكملت شق الازدحام حتى وصلت جسد صديقي الملفوف بالأبيض، أمرت أم مصطفى بصوت ثابت: (ارفعوا الغطاء عن وجه حبيبه حتى يودّعه، ربما توقظه حرارة الوداع).

أشرت بيدي بألا يفعلوا، بقيت واقفاً أمسح الكتلة المستطيلة البيضاء بعينييّ، صعوداً وهبوطاً، تسللت لي فكرة اختطافه والهرب بسرعة فائقة لينتهي الغناء المأتمي، فشلت بجدارة، ركعت بالقرب من رأسه بهدوء: (هل غادرتك الحمى الآن ياصاحبي، هل انتهى وجعك؟).

قبّلته حيث يفترض أن يكون رأسه، وخرجت مطأطئ الرأس عائداً إلى البيت، وأنا أردد في داخلي: (ساعة تنتهي أوجاعنا.. نموت، حين نُشفى من الحمّى.. نموت)، كررت الجملة ذاتها حين وصلت البيت بصوت مسموع أمام أخي الذي يكبرني بعامين، كان قد نهض لتوه من نومه، رد بسرعة: (تقصد أننا نموت حين تنتهي أوجاعنا).

انقطع الحوار بيننا، لم أجد فرقا بين الجملتين أو الفكرتين، واحتلتني موجات الصمت طوال النهار..

حضر قائد المعسكر إلى المخيّم بعد شهرين، طلب رؤيتي مع مصطفى، استقبلني بحرارة، سألني عن مصطفى، فقلت إنه مريض، فأصر على زيارته.

مشينا في أزقة المخيم الضيقة، عبرنا شارعاً نحو مكان محاط بأشجار السرو، وقفت وقائد المعسكر أمام سكان الدار الآخرة، فسألني: (أين مصطفى..!).

خلعت نعليّ، مشيت أمامه فتبعني حتى وصلنا شاهدا أبيض جديدا ونظيفا، قرأ الرجل: (هنا يرقد مصطفى الخطاب، مات بداء اللجوء..). قرأ الفاتحة وغادر مهرولا.

حدثت مصطفى: (لا تقلق، سأعيدك أنت أيضا إلى البيت، هذا المكان لا يليق بوسيم مثلك..)

صابر

قبل بدء المغامرة بيوم واحد، حمل صلاح بندقية الصيد وانطلق وحيدا إلى البرية، كان يعلم أنه لن يصطاد شيئا ذلك النهار، قطع سهلاً مفروشا بشقائق النعمان ثم صعد جبلا برشاقة أرنب برّي، بيت الفتاة التي تعلّق قلبه بعينيها العسليتين يتربع على تلة في مدى نظره.

التقط أنفاسه واستراح على صخرة مواجهة لشباكها المحاط بالياسمين، نظر خلفه ودُهش كيف اجتاز المسافة في زمن قصير، تأخرت الفتاة التي لم يتعرف إلى اسمها حتى تلك اللحظة. تذكر سؤال مصطفى عن اسمها، تلعثم يومئذ وأجاب (ياسمين).

سألته وهو يرسل نبضه قبل قلبه إلى الشباك: (لماذا هذه الفتاة أيها العاشق النادر؟ وصوتها لم يشنف مسمعيك بعد، ورئتاك لم تتشبعا برائحتها..)، همس لي: (لأنها تسكن في مكان بعيد، أؤكد مع كل خطوة وحبة عرق وشهيق وزفير أنني أحتاجها، المسافة اختبار العشق ورهان الشوق، لم أتلكأ يوما في الوصول إليها، لم أفكر مرة واحدة في العودة..).

تعجّب مصطفى ذات يوم: (وهل ياسمين تحبك؟).

لم يجب وإنما أغمض عينيه وحضن صدره بذراعيه وسافر إليها، وإذا ترجّل خياله قال: (هل تذكر حين بحت لك بفكرة متوحشة يوم قررنا البدء في مغامرتنا؛ أن أسري إليها ليلا وأعوي كذئب عند الوصول، وقلت لي إن أباها سيخرج شاهرا بندقيته وقد يصيبك، هل تذكر بم أجبتك؟ تمنيت إصابتي بطلق ناري فأُسحب داخل بيتها، اتهمْتني يومها بالجنون، كنت سأسألها حين تقترب لتضمد جرحي: هل تحبينني؟ وسألتني: ماذا لو غضبت؟ فقلت لك: (لن تغضب فتاة من شاب جريح يصرح لها بحبه..).

لم تخرج الفتاة، اقترب من سور البيت، لامسه، شم رائحة غريبة تشبه عطر الغياب، دار حول السور، اقترب من البوابة الكبيرة، تجرأ فطرقها، أطلق رصاصة في الهواء، لم يظهر أحد، خلع نعليه، تسلق السور، وصل الشباك المقفل المحاط بالياسمين، كان البيت لا يزال فارغاً، غادره، وأطلق كل الرصاصات في الهواء، وأدبر عائدا ركضا بلا توقف حتى وصل المخيم.

بحزن: (تمنيت لو كانت تسكن ذاك البيت فتاة اسمها ياسمين، أصرح لها بحبي وهي تضمد جرحي..).

في اليوم التالي، قال لمصطفى: (ودعت قلبي أمس، سأزرعه بدلا من ياسمين، بقصيدة حب ونار..).

مقاربة .. شعر : أحمد خالد….

مقاربة

شعر أحمد خالد

أحمد خالد

وهناكَ

حيثُ العابرونَ أمامَ نافذةٍ

قبالَ شوارعٍ محشوةٍ بالخبزِ

خلفَ رؤىً كواها الجوعُ

أجلسُ مائلاً

لأراقبَ المارّينَ أقرؤهم

فهلْ حقّاً يحبّونَ الحياةْ؟!

إنّي أظنُّ كما يظنُّ الحاسدونَ علاقةً

“لا ليسَ حبّاً”

إنّما قد قالها لي ماسحٌ للأحذيةْ

“لوْ لمْ نُحبْ كنّا سنأكلُ دفتراً للرسمِ

أوْ حُلمَ الصّغارِ.. و أمنيةْ

لوْ لمْ نحبْ كنّا سنأكلُ يا صديقي

كلَّ هذي الأحذيةْ”

قد قالها ولدٌ بعمرِ الشّوكِ

بائعُ عمرِهِ

“لو لمْ أحبْ، ماذا سأفعلُ

كيفَ أنجو من عقابِ أبي

ليعصرَ من نهاري خمرَ سكرتِهِ اللعينةِ

كيف تنجو الوالدةْ؟!

لو لمْ أُحبْ، ثقلاً أكونْ

صفراً، ذبابةَ مائدةْ”

فهناكَ حيثُ النافذةْ

حيثُ الصّراعُ يدورُ ما بينَ الحياةِ الساذجةْ

أخرى أقلِّ سذاجةٍ

وتكونُ آخرُ صهلةٍ للرّيحِ

أوّلُ صهلةٍ للشّعرِ في فوضى رؤايْ

ستكونُ طاولتي الصغيرةُ وحدَها

من تتقنِ البحثَ المُطوّلَ

عن صراعِ الموتِ معْ موتٍ

أقلِّ سذاجةٍ

ا.خالد

طرابلس/مقهى الأندلس

https://www.facebook.com/profile.php?id=100017660838673

 

 

رواية شوقٌ مزمن للروائي أنور الخطيب ترد أمومـة فلسـطين إلـى ذاكـرة لاغيـاب فيهـا ولامغتصبون..

من مكتبة الفضاء .. «شوقٌ مزمن».. يـرد أمومـة «فلسـطين».. إلـى ذاكـرة لاغيـاب فيهـا ولامغتصبون..

ثقافة/  الأربعاء 30-5-2018  

بقلم
هفاف ميهوب

25323412_187415778505351_1226644574_n

عندما يعيشُ الإنسان فقداً يتفاقمُ برحيلِ الأحبة، وأقدسهم أرضه – أمُّه، وعندما يكون منفيّاً من وطنه-حلمه، إلى ألمه ودمعه.. لابدَّ أن يتحوّل، إما إلى فدائيٍّ تترسّخ صورته الأسطورية في أذهان الناس،

وإما إلى مبدعٍ يعيش عالمهُ المتخيّل أو المجازي الذي يُخضعه لمفرداتٍ، تستحضر كل الأحبّة الراحلين، وتردهم إلى عوالمه وحياته وذاكرته المتَّقدة بحبرِ الشوقِ والحنين..‏

إنه حبرُ «شوق مزمن» عاشهُ الشاعر والأديب الفلسطيني «أنور الخطيب» مع بطل روايته. «صلاح» الذي سعى فتيَّاً لأن يكون فدائياً. لكن، ولأن الرحيل عاد وداهمهُ بموتِ صديق حياته ومهمته، أقلعَ عن التفكير بأن يكون في أذهان الناس صورة أسطورية، وبقي ملازماً لأمّه التي كانت حتى بعد رحيلها، نبض ذاكرته الحيّة والأبدية.‏

حتماً، هو الغياب وفجيعته. غياب كلّ ماأحاله إلى شخصيَّتين. «صلاح» الذي ينطق بأمرِ واقعه وذاكرته، و«صابر» صدى صوته وحقيقته. ذاكرته، التي لم تتوقف عن استحضارِ صور وأماكن وحكايا أسرته، وصدى ذاته الاستثنائية، التي كانت تنضح بتداعياتها الرائية: «تنضحُ ذكريات لا أحد يرويها، وقد يأتي ساكنون جدد يضيفون إلى الذكريات أخرى، أو يمسحون القديمة بالجديدة، حتى تصبح الحروف تنهدات تتكرر»..‏

من هنا تنطلق أحداث الرواية التي بدأت، بتداعياتِ رحيلٍ عاشه «صلاح» قبل مغادرته لأسرته وبعد أن غادرها. الرحيل الذي رافقته فيه لغة «الخطيب» الشعرية التي خفَّفت ماحملهُ من أحزانٍ وما سمعه من أخبار فجائعية.. أخبارٌ، لم يكن أولها رحيل والده الذي ذكَّره نبأ موته، باليوم الذي عادَ فيه ليودّع والدته.. اليوم الذي جثا فيه أمام جثمانها، محتضناً كفّها ومرتِّلاً آياتَ فراقها: «سلامٌ عليكِ يا سلامَ روحي/ سامحيني/ لا شيءَ معي لعينيكِ المغمضتين/ لا طبيبَ لا دواء لا كأسَ ماء/ جئتُ من سفري المؤقّت/ لأشهدَ هذا الرحيل الطويل المعتَّق/.. هل أتبعكْ؟/ وددتُ لو يُشترى الغيابُ لاشتريتُ مضجعكْ/ لو أجنُّ حتى أخطفك/ لو تصيرينَ هواءً لأستنشقك».‏

نعم، هو وداعه لأمّه التي سكنتهُ ولم يغادره.. المُبتغى الذي جعله في حالةِ «شوق مزمن» لكلِّ من مزّق عنهم الرحيل، حتى وإن عجز عن تمزيقِ لقبِ «لاجئ» من جواز سفره، وعلى مدى تغرّبه الطويل.‏

أمه التي عاش أبد تنقّله ما بين حلمٍ وأمل، وبلد يقيمُ فيه ويطيلُ العمل وآخر يغادره على عجلٍ.. عاش، في حالة بحثٍ دائمٍ عنها، لأنها وطنه وأرضه وحدوده، وقافية وجوده. انعتاقه من ضجره ومزاجيته وعصبيّته، وكلّ ماجعلَ من الصعبِ إخضاعه أو فهمِ نفسيّته.‏

هذا هو «صلاح» الذي عمل في أكثر من مكان ككاتبِ مقالاتٍ وصحفي، وإلى أن ذاع صيته وباتَ معروفاً، كشاعرٍ وكاتبٍ وروائي.‏

هذا هو ولكن، بذاكرة الشاعر والروائي «الخطيب» الذي منح روحه ولغته لروايته.. اللغة التي كانت وكلَّما أخمدَ لهيب حرفها، تعودُ لتتَّقد فتقدُّ النص بنار ِغضبها.. كانت أيضاً، تضيئهُ بنبضِ شعري، خفَّف مافيه من ظلمِ وظلامِ المنافي.‏

هو أيضاً «صابر» شخصية «صلاح» الثانية، والتي استمدّت أنفاسها من أنفاسه، ورأت بما رآه إحساسه.. رأت، ماجعلها تارة تقمعه وتردعه، وأخرى تطاوعه ولا تمانعه.. تارةً، تغويهِ وتأمره، وبعدها تُمهله ليتفكّر فيما يصنعه.‏

إنه بالنهاية، الراوي الذي يقصُّ حكاية شعبه التي هي حكايته، ومُذ غادر مخيم صور في «لبنان» في العشرين من عمره، حتى عودته بعد أربعين عاماً يحمل ورقة تقاعده.. وثيقة السفر التي وصمته باللجوء، ومنعته من العمل والتملك واحتضان أمه-أرضه، والصلاة في قلبها بعد الاغتسال بها والوضوء.‏

منعتهُ من احتضان أمومةٍ عاد إليها بألقابٍ كثيرة. لاجئ، وافد، أجنبي، غريب، ولا أحد يتعرف أو يقرّ بأنه ابنها الحبيب. لا أحد لطالما، جميع أصحاب القيادات فيها: «تقاتلوا على الزعامة، ووقعوا اتفاقيات تعترف بعدوهم دون مشورة شعبهم. منحوا ثقتهم لقاتليهم.. صافحوهم وشاركوهم حتى حفلاتهم وطعامهم»..‏

هذا ما أوجعَه، وبعد يأسه وفقدانه الأمل من يقظةِ الأحياء الأموات وكل من لايسمعه، وبما اضطرّه لمخاطبة الأموات الأحياء من أبناء وطنه: «نحنُ في زمنٍ سادت بيننا الأشباح المتحركة على الأرض. تقتل وتذبح وتدمِّر وتُعلّق الرؤوس المقطوعة على حبالِ الغسيل، وتحرق الجمال في كلِّ شيء.. نحن متساوون في الزمن وإن سبقتمونا..».‏

يحادثهم، ويشكو واقعه العفن: «هناك أمراض لم أسمع بها من قبل، مثل داء اللجوء، سرطان الغربة، فيروس النكبة، التهاب الخيانة العربية، سفلس الأخبار، إيدز المؤتمرات، ذبحة التصريحات، الشوق المزمن».‏

يحادثهم، ويهدّد كلِّ من فكر بإزالة قبورهم، وطمس هويتهم وذاكرتهم. أيضاً، يُطمئنُ كلّ من فقدَ منهم عزيزاً أو مصيراً: «يعتقد الناس أنهم نقلوا أحبَّاءنا إلى هذا المكان، لكنهم لا يعرفون أنهم نقلوا أشجاراً مقطوعة، بينما الأشجار الحقيقية بقيت في البيت. عودوا تجدونهم وتتنفسونهم..».‏

لاشك أنها دعوته. دعوة الحاضر الغائب.. الغائب عن نفسه ولايكاد يعرفها، والحاضر في فلسطينه التي ردَّتها ذاكرته لأبنائها.‏

ردَّتها في رواية، وإن انتهت بدعوته لنبشِ القبور وإعادة الأموات إلى بيوتهم وأحبتهم، إلا أنها دعوة مجازية هدفها التذكير بضرورة الحفاظ على الهوية والإنسانية..‏

تنتهي الرواية، ولا ينتهي «الخطيب» من استحضار أمومة الأرض منها وإليها.. استحضارها ولو بحلمٍ مستحيل والدليل: «وجدت هذه الرواية على قبرِ «أم الفؤاد» التي توفيت بمرض الشوق المزمن. قال لي حارس المقبرة، أن رجلاً كشف عن سنواته الستين، في اللحظة الأولى لوصوله. حضر ومعه مجموعة أوراق حشرها في ملفٍ. طافَ بيوت الآخرة البيضاء، وأخذ يطرق على سطوحها بحنان، كأنه يوقظ أصحابها من نومهم.. وقف أمام شاهد قبر «أم الفؤاد» وخاطب الأموات: «أنحني أمامكم مقدّرا انسجامكم وتفاهمكم ووحدتكم وتعاطفكم مع بعضكم البعض. محبتكم وتناسيكم للصراعات والانقسامات، وتشبّثكم بهويتكم الواحدة.‏

راقبَ الحارس المشهد، فاقشعرَّ جسده. شعر فجأة بيدِ الرجل «صلاح» تمسّد قمة رأسه، كأنه يوقظه من النوم».‏

حتماً هو حلمُ الكاتب، بأن تعود الأوطان الراحلة.. الحلم الذي جعله يصحو من شوقٍ ليغيب في آخر عبرَ رواية ساحرة وساخرة.. ساحرة، في جعلنا ننتقل بين المنافي لنستمع إلى حكايا المشاعر الإنسانية، وساخرة من القيادات والخيانات والانقسامات العربية…‏

يبقى أن نقول: «أنور الخطيب» شاعر وروائي وقاص ومترجم فلسطيني.. ولد في «لبنان» وحصل على ليسانس في اللغات الأجنبية من جامعة «قسنطينة».‏

من أعماله الروائية: «الأرواح تسكن المدينة» «رحلة الجذور» «رائحة النار» «صراخ الذاكرة» «ندُّ القمر» «مس من الحبِّ» «وردة عيسى» «الكبش» ومؤخراً «شوق مزمن».‏

في الشعر: «ألفة متوحشة» «سيدة التعب» «مري كالغريبة بي» «كلّي عاشقٌ ونصفي غريب» «لست الذي في المرايا» و»آيتي أن أكلّم الناس».‏

صحيفة الثورة

http://thawra.sy/_View_news2.asp?FileName=64066687120180529201641

(إسرائيل) خسرت حربَ الصّورة وربحت حرب الواقع.. بقلم ندى حطيط

إسرائيل خسرت حربَ الصّورة وربحت حرب الواقع

بقلم: ندى حطيط

ندى حطيط

منذ انطلاقها قبل أكثر من قرن، كانت رؤية الحركة الصهيونيّة لطبيعة صراعها مع أهل فلسطين الأصليين حرباً شاملة: عسكرية واستخبارايّة واقتصاديّة وديموغرافية ولغويّة وعرقيّة. لكن سلاحهم الأمضى في تلك الحرب كان الإعلام، ولذا فهي ومنذ وقت مبكر وبالاعتماد على صحافيين ومالكي صحف وتلفزيونات متعاطفين مع مشروعهم الاستعماري نجحوا بفرض سيطرة تامة على صورة هذا الصراع في المخيال الغربي: فقُدّمت مأساة فلسطين وكأنها حرب المسلمين على اليهود، وتآمر تحالف من دول عربيّة فاسدة ضد لاجئين أوروبيين هربوا إلى أرض أجدادهم التاريخيّة، وانتصار للحداثة والتنوير على الظلمة والجهل حتى أصبحت الأخبار المنقولة في صحف العالم ولاحقاً تلفزيوناته من الأرض المقدسّة مجرد بروبوغاندا صريحة لا تشبه الواقع في أي من ملامحه.

لقد امتلك الإسرائيليون الصورة طويلاً واستعملوها لكسب تعاطف العالم وحماية تقدّمهم على الأرض بالقوة السافرة، بينما حوّلت تضحيات الفلسطينيين وبطولاتهم إلى إرهاب مقيت. هذه العناية المكثّفة بامتلاك الصورة رافقت مرحلة نهاية القرن العشرين التي غيّر فيها الإعلام التلفزيوني الغربي طبيعة خبرة البشر بالصراعات من خلال الصورة التلفزيونيّة حتى أن الفيلسوف الفرنسي المعروف جان بودريار كتب ثلاثية مقالاته المشهورة عن حرب الخليج عام 1991 عنونها «حرب الخليج لن تحدث» ثم «…. لا تحدث» ثم «… لم تحدث» كناية عن تفوق الصورة التلفزيونية المشغولة بعناية في صناعة الحدث بغض النظر عن الوقائع الحقيقّية على الأرض.

لكن مزاجاً ما تغيّر خلال الأسابيع القليلة الماضية عشية احتفالات الكيان بالذكرى السبعينية لإعلان استقلال دولة إسرائيل عام 1948. لقد بدا أن الأخيرة رغم ترسانة داعميها الهائلة في كبرى قنوات الغرب الإعلاميّة كلها من دون استثناء قد خسرت وللمرة الأولى حرب الصورة لينتزعها الدم الفلسطيني المسفوح على أطراف غزّة وكأنه يمتلك صوته وللمرة الأولى منذ أن بُحّ واستُبيح.

مسيرة العودة

لم تكن مسيرة العودة التي نظمتها حركة حماس عبر حدود قطاع غزّة عشيّة الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينيّة عام 1948 – والتي تحتفل بها إسرائيل في ذات الوقت عيداً سبعينياً للاستقلال (؟) توّج استثنائيّاً هذا العام بتنفيذ قرار السلطات الأمريكيّة نقل سفارتها إلى القدس – لم تكن مناسبة ارتجالية، بقدر ما كانت قراراً اتخذته إدارة الأمر الواقع في القطاع لإطلاق صرختها في وجه الجميع: في وجه الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينيّة، وفي وجه الحصار الجائر على القطاع الذي تتعاون السلطات الإسرائيليّة والمصريّة على فرضه، وفي وجه سلطة رام الله التي تشارك بدورها في حصار القطاع من خلال وقف رواتب الموظفين، وفي وجه العالم الذي أدار ظهره لمأساة الفلسطينيين وتلهّى عنهم بمغامرات ترامب وتغريداته الهزلية. لم تمتلك حماس للحقيقة خيارات كثيرة لمواجهة كل هؤلاء سوى الضغط عليهم من خلال دماء الشهداء والجرحى، لعل وعسى رائحة الموت توقظ الجميع من سباتهم . مواجهة مسيرات الفلسطينيين الموعودة بستار من رصاص السلطات الإسرائيليّة الحيّ في بث مباشر على شاشات العالم لم يكن بدوره قراراً محليّاً اتخذه قائد القوات الإسرائيليّة في غلاف غزة بقدر ما كان استراتيجيّة على أعلى مستويات اتخاذ القرار في دولة الكيان العبري لتكريس الأمر الواقع وإخماد أي حلم فلسطيني بالعودة من خلال مسيرات شعبيّة حافلة ربما إلى الأبد.

بين هاتين الاستراتجيتين العنيدتين: استراتيجيّة اليأس في مواجهة استراتيجيّة الجبروت، فُجع العالم وعبر سلسلة مسيرات استمرت لستة أسابيع بمشاهد مصورة سواء عبر كاميرات التلفزيونات والصحافة العالميّة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهد لشبان وشابات فلسطينيين يركضون نحو بلادهم ببسالة كوْنٍ بأكمله عزلاً من أيّ سلاح – ربما غير علم فلسطين الذي يقض مضجع المحتل في كل آن – لتصطادهم بالألوف بنادق الجنود الإسرائيليين المتحصنين في أبراج حراسة شاهقة -كما لو أنه موسم لصيد العصافير العائدة إلى فلسطين. لم تبق محطة تلفزيونية في العالم أجمع لم تعرض مقاطع لتساقط الشهداء، ولم يخلُ برنامج من مناقشة حادة بشأن تلك المشاهد المأخوذة من عرس الموت، واضطرت الصحف لاختيار نماذج من فوتوغرافيات المصورين الفلسطينيين الذين قتل الجنود الإسرائيليون بعضهم عمداً وبدم من صقيع.

فأيّ حصاد كان لهذي المواجهة؟

رغماً عن الصحافة الجمهور تعاطف مع الضحيّة الأمر الأكيد انّه ورغم كل انحياز الإعلام الغربي لا سيّما المرئي منه – وجزء كبير من إعلام الدول الأخرى ومنها دول عربيّة – شبه التام لمصلحة الرواية الإسرائيليّة للحدث، وتوظيف هذا الإعلام لأدواته في الخداع سعياً لتشويه الحقائق سواء في طريقته لصياغة الخبر التلفزيوني (قُتل ثمانية وأصيب عدة مئات – دون أن يشار إلى القاتل)، أو في مساواته هذا القاتل بالقتيل (اندلاع المواجهات والصدامات الحدوديّة)، أو في نوعيّة الأوصاف المثيرة للعواطف التي أطلقها على أفراد الطرفين أو أفعالهم، مع الاستنساب المخل بأي موضوعيّة في عرض الأخبار والتركيز على ال(الاعتداءات) الفلسطينيّة على الحدود – التي لم ترسم قط بناء على رغبة التوسع المعلنة عند إسرائيل منذ إعلان قيامها -، الأكيد أن أغلبية حاسمة من مستهلكي هذه المواد الإعلاميّة لم تمتلك سوى التعاطف مع الدم الفلسطيني المتطاير في مهمة إيقاظ العالم: لقد أذهلها هذا التقافز على الموت وكأنه رحيل إلى الحياة وليس عنها، وهذا التحدي الأسطوري للبنادق التي وكأنها لم تعد تُميت وهذا الالتصاق الأبدي بحلم العودة ، ولا سيّما بعد أن تسربت مقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي عن شهداء من ذوي حاجات خاصة ونساء وعجائز وأطفال ورُضع بين مجموع الشهداء اليومي، في الوقت الذي تسربت فيه تسجيلات يسمع منها صوت الجنود الإسرائيليين وهم يتضاحكون ويتنافسون على كيفيّة وسرعة إسقاط الضحايا بنيران بنادقهم كما لو كانوا مجتمعين على لعبة فيديو مشبعة بالعنف لا على أرواح بشر يتنفسون ذات الهواء.

لقد انتزع الجانب الفلسطيني في غزّة – وإن بثمن باهظ من دماء غالية – فضاء الصورة– فضاء الصورة وارتداداتها : على ال بي بي سي وال سي سي إن وسكاي تي في وشاشات العالم جلها فأفسدت إلى حد بعيد مزاج الاحتفال بسبعينيّة الكيّان، ونغصت على بنيامين نتانياهو وضيفيه إيفانكا ترامب والسيد زوجها مشاركتهما في حفل افتتاح السفارة حتى كادت أخبار تساقط الشهداء على حدود غزّة أن تكون توأم أخبار الحفل المشوؤم في القدس، لا يذكر أحدهما إلا لصيقا بالآخر. هذه كلها بالطبع – إذا تجنبنا الحديث عن كلفة الدم المسكوب – اختراق على الصعيد الإعلامي تكفلّت به الصورة لكنه سُجن في فضائها وحسب. بينما في المقابل لم تحقق المسيرة إنجازا فعلياً على الأرض، وازدادت معاناة مواطني القطاع بسبب الأعداد الهائلة من الشهداء والجرحى، كما لم تندفع أي قوة عظمى لاتخاذ إجراءات عقابيّة بحق القتلّة. في ذات الوقت فإن الضفة الغربيّة تئن تحت سيطرة مُحكمة للأجهزة الأمنية الإسرائيلية على مجريات الأمور _ بالتعاون مع السلطة_. وقد تمّ بالفعل الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان من قبل الولايات المتحدة، وشاركت في احتفال افتتاح مقر سفارتها هناك ما يزيد عن خمسين دولة صغيرة، ليتكرس وضع فعلي قائم منذ حرب 1967، بينما تأكد بلا رجعة انقسام الحركة الوطنيّة الفلسطينية إلى سلطات محليّة متنازعة على تقاسم العوائد والضرائب والرواتب. وحتى ألاعيب جهود السلام المزعوم لم تعد ذات صلة هذه الأيام بعد الانكفاء العربي التام فلم يترحم عليها أحد. لقد اصطدمت العصافير العائدة بحائط الواقع الهائل الذي شيّدته الصهيونيّة خلال العقود.

الفلسطينيون هُزموا مجدداً لكنهم باقون

انتهت مسيرة العودة إذن إلى انتصار استثنائي للضحيّة في فضاء الصورة وحققت اختراقاً تلفزيونيّاً لوجدان العالم ، لكن الإسرائيليين فرضوا هيمنتهم التّامة على أرض الواقع ولم يعد لدى الفلسطينيين اليوم – بتآمر العالم والأشقاء معا- سوى تجرع مرارات هزيمتهم الأحدث، وإن كان حكماء بني صهيون حصلوا على توكيد آخر وهم في طريق تخطيطهم للاحتفال بمئوية الكيان: الفلسطينيون هُزموا، لكنّهم يتكاثرون ولا ينسون حلم الوطن المفقود وهم لن يتبخروا في الفضاء، وبغض النظر عمن سيكسب حرب الصورة المقبلة فإن الكيان سيجد بإسقاطه الجزء الفلسطيني من الواقع، إنه ذاهب حتماً إلى مئوية ستكون مغلّفة بمزيد من الدّماء.

إعلامية لبنانية تقيم في لندن

نشر هذا المقال في صجيفة القدس العربي

رابط صفحة الكاتبة على الفيسبوك

https://www.facebook.com/nada.htait.3

 

حوار الاعلامية كلود صوما مع الشاعر انور الخطيب

حوار الإعلامية كلود صوما مع الشاعر أنور الخطيب

IMG-20180324-WA0058_wm

 هو المعلق امام شرفة الظن ، لا شيء يستره سوى دهشته و قافية تطارده ليرتديها .. هو ليس ناسكا او راهبا و لا يبحث عن قبس ينجيه من ظله اللئيم .. هو شجر حائر في فم الريح ، يبحث عمّن تستدرجه الى مائها و لا تغرقه ، عمن تراقص روحه و لا تسقطه! يقول : ” خذوا كل الشعر يا سادتي ، و امنحوني ساعة في وطني اطارد فيها فراشة و لا التقطها .. ” ! هو الشاعر و الروائي و الإعلامي الفلسطيني ، الغريب المغرب ، العاشق المعشق المعذب حد الطرب .. // كانت لي معه دردشة حاولت اختصارها و نقلها اليكم ، علني اكشف بعض اسرار هذا النتاج الأدبي الغزير و الغني الذي ما يزال يتدفق كشلال ابداع و جمال و أعرفكم اكثر بألق و تميز انور الخطيب

 

1-أنور الخطيب من انت؟
أنور الخطيب، تقول هويته أنه فلسطيني الجنسية، وولد في لبنان، وتقول سيرته التعليمية أنه درس في لبنان لغاية الثانوية العامة، ثم أنهى دراسته الجامعية في الجزائر في اللغة الإنجيليزية وآدابها، ثم انطلق في أرض الله التي تضيق حينا وتتسع أحيانا. أما أنور الخطيب الإنسان فهو روائي وشاعر، ليس لأنه أراد ذلك، ولكن لأن الشعر والرواية منجاة من الانحراف وتطهير من رجس الحياة.
2-لمحة سريعة عن حياتك ؟
حياتي أحسبها بعدد كتبي، هي الدالة علي والمعرفة بي، فيها أنا والأصدقاء والأقارب والآخرون الأوفياء والأعداء، وفيها المرأة المعشوقة والحلم. حياتي تساوي 13 رواية و7 مجموعات شعرية و3 مجموعات قصصية وكتابان في النقد، فيما عدا ذلك، حياتي عادية جدا، وأحرص عليى أن تكون بسيطة.
3-متى كان لقاؤك الاول مع القلم و الكتابة ؟
اللقاء الأول مع الكتابة يختلف عن الشروع في الكتابة، والشروع هو الاستعداد الفطري للتورط في تعاطي الكتابة، والتعاطي ناتج عن أسئلة وجودية وسياسية واجتماعية كثيرة، لهذا، فإن الشروع في الكتابة بدأ منذ بدأ الوعي يدق بإزميله جمجمتي الصغيرة، وتطايرت بعض الكتابات الشعرية والخواطر ولم أحتفظ بها، أما الكتابة الحقيقية فكانت في السنة الجامعية الأولى، بدأت بالشعر ثم واصلت مع القصة القصيرة ثم الرواية، وبقي الشعر هو القاسم المشترك في كتاباتي.
4-المرأة في قصائدك وردة عطرة .. حدثنا عنها ؟
المرة يجب أن تكون ورد عطرة، وأحتاجها أن تكون المظلة والملجأ، واحة الفرح العظيم، وسهل الدموع، نلجأ إليها في كل عذاباتنا وأفراحنا وأحيانا نتباهى أمامها بخيلاء، كأنها المرآة التي نرى فيها عشقنا وطفولتنا ورجولتنا ونجاحاتنا، هي كل هذا، لكن امرأة واحدة لا تمتلك كل هذا إلا في حالات استثنائية، هي أن يكون الرجل لها كل ما ذكرت. المرأة أكثر من ضرورة حياتية للرجل، هي ضرورة روحانية أيضا، نحب أن نسمع صدى أصواتنا في عينيها، لكن علينا أن نحبها ونعشقها ونتباهى بها أيضا أمامنا.
5-بين القصيدة و النثر و الرواية .. اين تجد نفسك؟
أجد نفسي فيها كلها، في القصيدة حين تفيض عليّ أناي، بحزنها وغضبها وفرحها وتأملاتها وعشقها وحنانها، والرواية حين أريد إعادة ترتيب نفسي وتنظيم الكون في داخلي، واستدعاء ذاكرتي، والتنبؤ بالمستقبل، والنثر حين أريد أن أقول فكرة جديدة. وفي الواقع أنا لا أجد نفسي في هذه الأشكال الأدبية وإنما أبحث عن نفسي للتعرف إليها، ولا أزعم أنني عرفتها حتى اليوم كما يجب أن أعرفها أو كما يجدر بها أن أعرفها، نحن نتغاضى ونغض الطرف عن أشيائنا وهزائمنا أحيانا، ونتمسك بانتصاراتنا، بينما يجب ألا نغض الطرف أبدا عن أي شيء، ولكن ماذا نفعل بالنفس التي تُقْدِم وتحجم وتبحر وتتراجع وتجن وتسترخي، وتكشف وتخبئ، وسيبقى البحث مستمرا عن الذات، لأنها المشبوهة والمتهمة بأشياء كثيرة.
6-دور وسائل التواصل الاجتماعي .. / اهميتها لايصال الكلمة للمتلقي؟
وسائل التواصل الاجتماعي باتت ضرورة لكل كاتب وإنسان عادي، فهي وسيلة للنشر والتعريف وطرح الأفكار التي لا تستوعبها وسائل الإعلام التقليدية من صحف وإذاعات وتلفزيونات، وهي وسيلة للتواصل الاجتماعي الخلاق وبناء صداقات متشعبة في أنحاء الكرة الأرضية كافة، وهذه الوسائل شأنها شأن أي اختراع جديد، يتعرض لسوء التوظيف والاستغلال، ولا نريد التحدث في هذا الجانب، نحن نستخدمها للتواصل الإنساني والاحتكاك بالثقافات والمثقفين وتوسيع مساحة الفرح والحقيقة، وشخصيا استفدت كثيرا منها، فتغلبت على الشللية التي تتحكم بوسائل الإعلام التقليدية التي لا يكون الظهور فيها وفق الأهلية دائما. على كل حال لقد جعلت وسائل الاتصال الاجتماعي من العالم دولة واحدة بغض النظر عن الانتماءات والأفكار المتصارعة.
7-أهمية القراءة بالنسبة اليك؟ / آخر كتاب قرأته وليس لك ؟ ماذا يلفتك من كتب ومواضيع؟
القراءة توازي في أهميتها الكتابة، بل أحيانا أستمتع بالقراءة أكثر من الكتابة لأنني أكون أمام عمل منجز، ولا يوجد كاتب دون أن يكون قارئاً. وأنا أقرأ في موضوعات كثيرة في المجتمع والتاريخ والسياسة وعلم النفس الاجتماعي، أما بالنسبة للكتب الأدبية فقد قرأت مؤخرا رواية سوق نايف للكاتب الإماراتي عبيد بو ملحة، ورواية تربيع أول للكاتب الإماراتي أيضا سعيد الحنكي، وديوان شعر للشاعر السوداني فضيلي جماع، وأحدث ما قرأت رواية اختبار الحواس للكاتب علي عبدالله سعيد، وأقرأ حاليا رواية حرب الكلب الثانية لإبراهيم نصر الله. وأنا بشكل عام تلفتني الكتابات الأدبية المنفلتة المتمردة الجريئة غير التقليدية التي تعالج موضوعات على تماس مع النفس الإنسانية.
8-فلسطين، الوطن القريب البعيد، حدثنا عنه، لو كنت فيه مقيما كيف كان حالك؟
فلسطين هي الحلم الأول والأخير، هي الشوق المزمن، والصورة الأنقى، والوطن الأسطوري، لا أستطيع إلا أن أكون فلسطينيا رغم أنني لم أولد فيها ولو أرها في حياتي، كأنها جينات تنتقل بالوراثة، هل الوطن المسلوب المغلوب على أمره، المتاجر به، حين أذكرها في روحي تزلزل الأرض زلزالها، أما سؤالك كيف سيكون حالي لو كنت فيها، فيعتمد على أمرين: الأول، لو عدت الآن إليها، لتركت الكتابة وتفرغت لعشقها واحتضان كل ذرة تراب فيها، أما الثاني، حين أكون فيها منذ الأزل، أي لم أغادرها، فهذا ما لا أستطيع الإجابة عليه، فرضية فوق احتمال خيالي.
9-هل الغربة ساعدتك اكثر للانتشار في البلدان العربية؟
لم أكن مواطنا في يوم ما حتى أحكم إن كانت الغربة ساعدتني على الانتشار أكثر، يجب أن أكون في وطني ثم أتغرب لأحكم، ثم أنني لا يعنيني الانتشار، أقولها بصدق، أنا لدي كلمة أريد قولها، ربما على شكل قصيدة أو رواية أو قصة أو مقالة، ولا أهدف للشهرة ولا للنجومية، هذه ليست هاجسي، وكما قلت/ الشعر ليس مهنتي يا سادتي، لهذا لا أحارب كي أظهر في الإعلام أو الأمسيات أو كي يُكتب عني، أنا أكتب فقط، والباقي على الإعلام والنقاد، ولن أشتغل موظف علاقات عامة لخدمة صورتي الأدبية..

IMG-20180324-WA0056_wm
10-لبنان .. ماذا قدم لك البلد الذي ولدت فيه و نشات و ترعرعت؟
وُلدت في لبنان، وتعلمت في مدارسه، واستنشقت هواءه، وتعلمت من أساتذته، ومن تنبأ لي أن أصبح كاتبا كان مدرس اللغة الإنجليزية في مدينة صور، الأستاذ حنّا، ونصحني بدراسة الأدب الإنجليزي، طبعت في لبنان أولى رواياتي، رحلة الجذور، ثم طبعت لي السيدة الشاعرة الكبيرة مريم شقير أبو جودة رواية (صراخ الذاكرة)، ثم عدت واستقبلتني مدينة صور بالترحاب والحب فأقمت أمسية في نادي صور الثقافي، ثم توالت الأمسيات واللقاءات، استضافني الشاعر الجميل باسم عباس في تلفزيون أليسار لمدة ساعتين، ثم استضافني في مركز الأسد أيضا، ثم نظمت لي لجنة التراث أمسية في الأونيسكو، وبعدها استضافني الصديق الشاعر والفنان الجميل سليم علاء الدين في ملتقى أصل الحكي وساعد في تنظيم أمسية في منتدى تجاوز، ولقاء في صالون الفنانة التشكيلية الكبيرة خيرات الزين بدعم من الشاعر الكبير بلال شرارة، وفي العام الماضي حظيت بالتعرف إلى الأديبة الصديقة كلود صوما التي نظمت أجمل الأمسيات في منتدى قناديل سهرانة إضافة إلى لقاءات تلفزيونية خاصة مع الإعلامية الراقية ندين شلهوب في تلفزيون مريم، وعرفتني على عدد كبير من الشعراء والفعاليات الأدبية. لبنان يمنحني القرب من فلسطين، يمدني بقوة الحياة والتمتع بالجمال، لبنان وطن الحيوية، شعبه يضج بالحياة، ولبنان وفلسطين توأمان جغرافيا وثقافيا وروحانيا.
11-تكاثر المنتديات الشعرية و كثرة الشعراء هل هو ايجابي برايك؟
كل نشاط يدعو لتعزيز الجمال ونشر المحبة بين الناس هو عمل إيجابي، وكل منتدى أدبي يعزز التعايش وينشط الحوار الحضاري ويعبر الطوائف ويتجاوز الخلافات السياسية التي خلقها السياسيون هو عمل إيجابي، على أقل تقدير، تكاثر المنتديات ولا تكاثر الأحزاب..
12-لماذا لا نجد كتبك في المكتبات اللبنانية؟ و لماذا لا نجد لك تواقيع فيه؟
كتبي التي طبعتها منذ سنوات طويلة في لبنان نفذت، أرجو في المرحلة القادمة أن أطبع كتبي الجديدة أو أعيد طباعة كتبي وخاصة رواياتي وأشعاري، وستكون متوفرة للجميع، وقريبا قد أطبع رواية جديدة في لبنان. لبنان ساحة ثقافية مهمة في العالم العربي، وهي من بين الأهم.
13-هل تعتبر نفسك شاعر فلسطين الاول؟
– يا سيدتي، لا يوجد شيء اسمه الشاعر الأول، لا يوجد شاعر أول، هناك قصيدة أولى، أو القصيدة الرائعة التي تتجاوز حدود الإبداع وتتفوق، وأعتقد أن شعراء كثيرين لديهم هذه القصيدة المتفوقة، أنا شاعر فلسطيني عربي كوني ولست شاعر فلسطين الأول، فهذه التسمية مضرة بالشاعر.
15-ما مدى تأثرك بالراحل محمود درويش؟
– محمود درويش العظيم مدرسة، وأفخر بإعجابي بها وانتمائي لها في كثير من قصائدي، ثم أن محمود درويش أثر بمعظم الشعراء، صوته موجود في أصواتهم، وروحه تعيش في أرواحهم، فهو شاعر خالد وسيبقى خالدا على مر الزمن. هناك من يشبهني بدرويش، وهناك من يقول أنني استمرار لدرويش، وهناك من يزعم أنني أقلد درويش، وما زلت أتذكر أحد الشعراء حين صرخ (درويش لم يمت)، حين حضر لي أمسية. درويش حاضر في أشعارنا شئنا أم أبينا.

نماذج من شعر أنور الخطيب

IMG-20180324-WA0057_wm

قالت: أنا هنا
ألقيتُ شالي على شجر السِّدر
حتى تطوفَ حولي وبي
على جناحين من فضة المنتهى
تقطفَني تفاحةَ الوجع المبجّل أو،
سنقطفها معاً،
فلا تُلقي على كاهليّ وحدي.. غوايةَ الذّكَرِ الوحيدِ
أنتْ، جمّلتّ لي نكهة التفاح حين فاحَ
أنتْ، قرأتَ لي سِفر التولّه.. واستفردتَ بسجدتي
أنتْ، همستَ في خافقيّ فخَلْخَلْتَ ساقيّ
تماسكتُ، إذ تمسّكت بتفاحةٍ،
كانت على مرمى شفاهيَ
أنتْ، قضمتَها.. أولجتها تحت لساني
وقلتَ للملاك الذي أشقانيَ
ما أشهاني..

….
يسألونك عن الأرض..

قيل للطفل: ما الأرض؟
فأطلق طائرة من ورق الروح
مشى في عصب الريح
قاد قطيع الشوق إلى دالية القلب
تمدد فوق النبض
عانق غيم الله
رافق طير الله،
أغمض كفيه
حضرت أمّ الطفل إلى عينيه، فأبصرها،
وقيل للأم: هدهدي الأرض،
فتحت كفّي الطفل واحتضنت رحمها،
وقيل لعاشق: صف لنا الأرض
استيقظت أبجدية الوجد،
فعانق حرفين بوجه حبيبته وقبّلها..
وقيل لراهب: تمتم الأرض
فانحنى، تشهّد.. ثم رتّلها..
وقيل للغريب: ما الأرض
جاءه النشيد من حناجر المحطات
بكى، وشد حقيبته على ماء ظهره.. وعمّدها،
وقيل لعازفٍ: غنّ الأرض
مرر أوتار القمح على سهل الفقراء
نبتت سبع سنابل، دوزنها
وغنته حنطتُها..
وقيل لشاعر: سطّر الأرض
فاستل ريشة من نكبته
بلّلها بنهر عينيه
لوّن خارطة في رئتيه
وألقى جمره في ناره
ناره في مداه
أحاطها برؤى نبي عاشق
وعشّقها،
وقيل للأرض: أي المعاني أقرب
رفعت ذراعين للرب
فمر في السماء طفل
وفي الثانية عاشق
وفي الثالثة غريب
وفي الرابعة عازف
وفي الخامسة شاعر
وفي السادسة أمٌ
وما بين سماء وسماء
يمر شهيد،
يتلو صلوات الريح
تغسله أرواح النار
تضمخه آيات الغار
وقيل للأرض ثانية: أي السماوات أقرب؟
أسدلت ذراعين مضمخين بالسحب
تردد صوتٌ قادم من الجب:
يسألونك عن الأرض قل:
علمها عند طفل
يطلق طائرة من غضب
ويعبث باللهب..


صبّي بعينيَّ

صبّي بعينيَّ
من عسليّ عينيكِ
علّي أرى ما بعد زهريكِ
وما يخبئ بوح الوجه من شبقٍ
وما تداري الشفاه
من عنبٍ بثغريك
أقول صبّي
فقد صبأتْ كل النجوم
وانطفأت في تاج نهديك
لكنني قمرٌ
قد تاه معتكفاً
وقام الليل
في وجلٍ بنهريك
فعمّدَته الضفافُ
حتى بات معتزلا
وعربدته النوايا
على صخبٍ
بخصريك
هو ناسكٌ لكنه ضجرٌ
فأثثي صحوه
من خمر حرفيكِ
…..

http://wadipress.com/?p=1401145

 

 

مَطَرٌ يَتَرنّحُ فِي دَمِي للشاعر أحمد محمد إبراهيم

مَطَرٌ يَتَرنّحُ فِي دَمِي

الشاعر أحمد محمد

أحمد محمد إبراهيم أحمد

جُرحٌ فِي خَاطِرِ النَّشِيدِ، والبِلَادُ تَنْزِفُ سُكَّانَهَا وَالشَّجَر، فُتُورٌ فِي مَفَاصِلِ ضَحْكَةٍ لِعَائِدٍ مِنْ الحَربِ الأَهْلِيةِ، سَيْفٌ يَبْكِي غِمْدَهُ الغَائِبْ: يَا بَيتِيَ الأَزَلي و يَا مَوتَ العَرَاءِ، مَوتَ الحَربِ ومَوتَ المَوتْ، عُدْ لِي يَا حَبِيِبي قَبْلَ أَنْ تَقْضِي عَلَيَّ وُحُوشُ الصَدَأ، عُدْ لِي يَا حَبِيِبي فَقَدْ سَئِمتُ مِنْ رَائِحَة الدِّمَاء، نُوَاحُ الأَرَامِلِ والأُمَهَاتِ، عُدْ لِي لِأَنَامَ عَلَى الِجدَارِ طَيِّبَاً ومُسَالِمَا..

مَطَرٌ يَتَرنّحُ فِي دَمِي

لَحْنٌ يَفِرُ مُنْ مُكْبِرَاتِ الصَّوتِ لِيَدْفِنَ رَأَسَهُ فِي كَثِيِبِ الصَّمْتِ خَوفاً مِنْ عَازفٍ لَا يَعرِفُ النّوتة المُوسِيِقِيّة، عَتْمَةٌ تَقَفُ فِي حُنْجُرَةَ الضُوءِ والقَمَرُ يَكُحُّ لِإِخرَاجِهَا، صَيَادُونَ يَرمُونَ شِبَاكَهُم فِي السَرَابِ لِإِصِطِيَادِ الحُورِيَاتِ، سَحَابَةُ تُثَرثِرُ مَعَ جَارِهِا قُبَيلَ قُبْلَةٍ عَابِرَةٍ، هَوَاءٌ يُحَرِكُ النّوَافِذَ كَمَا يَفْعَلُ رَاقِصُوا البَالِيه، مُزَارِعٌ يَرْمِي بِصِنَّارَةِ الدُّعَاء لِيَصِيِدَ غَيْمَةً شَارِدةً، حَقْلٌ يُوَبَّخُ جَدْوَلاً هَرَّبَ المَاءَ إِلَى مَكَانٍ مَجْهُولٍ، رَائِحَةٌ تَفُوحُ مِنْ إِبْطِ شَارِعٍ عَاطِلٍ، شَذاً يُسَرِّبُ أَخبَارَ الوَردِ لِعُمَالِ نَظَافَةٍ فِي حَدِيقَةٍ عَامَةٍ، حِذَاءٌ مُنْكَفِءٌ عَلَى وَجْهِهِ يَنْعَلُ حَظَ المَارَةِ المُسرِعِينَ إِلَى حَيْثُ لا يَعْمَلُونَ ولَا يَعلَمُون، فَلَّاحٌ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ يُوُصِي نَخلَهُ بِأنْ لَا يَذهَبَ إِلَى الخَمَّارَةِ أَبَدَاً.

الوَقتُ تَمَاماً الآنْ

مَطَرٌ يَتَرنّحُ فِي دَمِي

جُرحٌ فِي خَاطِرِ النَّشِيِدِ، والبِلَادُ تَنْزِفُ سُكَّانَهَا والشَّجَر، شَاعِرٌ تَقْلِيِدِيٌّ يَبْحَثُ عَنْ إِبْرَةِ المَجْدِ الّتِي ضَاعَتْ فِي كَوْمَةِ قَشِّ الحَدَاثَةِ ويدّعِي بأنَ النَثرَ نَبتَةٌ شَيطَانِيَةٌ، نَاقِدٌ يَصْطَدِمُ بِعَتبَةِ النّصِّ والطَبِيبُ يَأمُرُهُ بِقَرَاءَةِ:(والشُعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ) حَتَّى يَتَسنَّى لَهُ الشِّفَاءَ مِنْ أَزْمَة المُصْطَلَحِ.

الوَقْتُ تَمَامَاً الآنْ

شِتاءٌ قَارِسُ الخُطُوَاتِ يُنَاوِشُ جِلْدَ أُغْنِيَتِي،

هُتَافٌ قَابِعٌ فِي قَاعِ ذَاكِرَتِي..

وَهُنَا

وَطَنٌ مُلقَى عَلَى حَدِّ السَّكَاكِينِ،

أَشْلَاءٌ مِنْ الأَحْلَامِ تَدعَسُهَا

حَوَافِرُ العَبَرات.

والنَظَراتُ تَفضَحُ قُبحَ مَافَعَلْتهُ.. أَصَابِع ُالجَلَادِ،

كَسَادُ الحَاضِرِ المَمْزُوجِ بِالكَذِبِ المُؤلّهِ

والشِّعَاراتِ.

أيَا مَنْ بَاعُوا خَيلَ خَلَاصِنَا غَصْبَاً مُقَابِلَ لَعقَةِ الشَّهْدِ،

أنَا مَا بِعْتُ حُنْجُرتِي لِأَجْلِ نُعُومَةِ النّهْدِ.

مَا طَأطَأتُ رَأسَ يَرَاعيَ للِطَاغُوِتِ

ما عرَّضْتُ وَجْهَ الشِّعْرِ لِلسُلْطَانِ،

ولَا أَلبَسْتُ قَافِيَتِي ثِيَابَ الغِشِّ والزِّيِفِ

ولا َأَعْطَيتُهَا وَعْدَاً.. بِخُبزِ حَرَارَةِ التّصفِيق،

ولِي قَلَمٌ يَبُوحُ بِسِرِّ تَكْوِيِني..

وتَعدِيِنيِ .. إِذَا مَا شِئتُمُوا

طِفْلاً .. يَصْعُدُ عَالِيَ الأَشْجَارِ

يَجلِسُ قَاصِيَ الرُّكنِ مَعَ أَقَرَانِهِ فَرِحَاً

يَبُثُّ الأَرْضَ أَفْرَاحَاً تُعَبِّرُ عَنْ شَقَاوَتِهِ.

يَصنَعُ مَركباً أَبيَضَ.. يُعَلِّمُهُ خُطَى الإِبحَارِ

عَكْسَ الرِّيِحِ والتَّيَّار..

عُنْوَانِي وُجُوهُ القَومِ .. ذَوِي الظَّعْنِ إِلَى اللهِ

سَكَنْتُ قُلُوبَهم وطَناً ونِمْتُ تَحْتَ حَرَازَةٍ فِي النّبْض..

عُيُونٌ تَمنَحُ الشّمْسَ .. خُطَى الإِشرَاقِ..

وإذَا مَا غَاظَ صَيفُهُمُوا .. تَلَفُّحُوا عَاجِلَ الدّعَوَاتِ

واعْطُوا لِلمَطَر بَرقَاً.

أنَا مِن كُوش*

ومِنْ عُمْقِ مَوَاجِعِ الْخُرطُومِ،

مِنْ مَرَوِي* كَذَا عَلَوَه *..

بِلَادٌ أَنْجَبَتْ مُوسَى..

مَهْدُ الهِجْرَةِ الأُولَى..

فِي يمُنَايَ تَناَم ذِي دَارفور*..

ونَارٌ تجَرِي فِي لُغَتِي مَجَازِاً إسمُهَا سِنَّار*.

أنَا مِنْ سُمرةِ الإِنْسَان

بِلادٌ ِإسمُهَا السُّوُدَان

لَعَمْرِي هَذَا يَكْفِينِي..

أَرْسُمُ فِي تَلَاوِيِني

فَتَاةً مِنْ ذُرَى الأَبنَوسْ

تٌؤثِثُ قلَبَهَا العَاجِيِّ بِالّرّقَصَاتِ والمَانجُو

تَرُصُّ كَرَاسِيَّ التّرحِيبِ

تُشْجِينَا .. تُوزِّع حَلوَةَ التَطرِيبِ

تُنسِينَا لَيالٍ أوغَلَتْ فِي الحُزن.

تُصْلِّحُ يَاقةَ النِّيلِ – عِنْدَ البَابِ – قُبْلَ خُرُوجِه لِلبَحْرِ،

– كَانَتْ تِلْكُمُ الكَلِمَات مِنْ صَقْرِ جِديَانٍ يُخَاطِبُ عُمْلَةً وَرَقِيّةً،

وَيبَكِي عَلَى مَجدٍ تَبعثرَ بَينَ أيدِيِ السَاسَةِ البُلَهَاء،

وَوَحِيدُ القَرنِ يُربِّتُ عَلَى كَتِفه..

الوقتُ تَمَامَاً الآنْ

مَطَرٌ يَتَرنّحُ فِي دَمِي

جُرْحٌ فِي خَاطِرِ النَّشِيدِ، والبِلَادُ تَنزِفُ سُكَانَهَا والشَّجَر. عَجُوزٌ تَنثُرُ أُمُومَتَهَا عَلَى حَمَامٍ وطُيُورٍ بَائِسَةٍ، طِفْلٌ يُفْزِع طَائِرَانِ يُؤَدِيَانِ صَلَاةَ الخُصُوبَةِ، عَاشِقٌ يَفتِلُ حِبَالَ الصَّبْرِ تَحتَ ظِلِ ذِكرَيَاته ويَسأَلُ الرَيَاحَ عَنْ تُفَاحَةِ آدَم، عَوانِسُ يَستَأجِرنَ طَائِرةَ الأَمَلِ لِلحَاقِ بَقَطَارِ الزَواجِ الّذِي فَاتَهُنَّ بِبِضعِ سِنِين، سَيِّدَةٌ تُطِلُّ مِنْ شُرفَتِهَا وهِيَ تُعَايِّنُ إِلَى صُورَة ِزَوجِهَا المُهَاجِرِ، تُدَاعِبُ ضَفَائِرَهَا ثُمَّ تَتَحسَسُ مَكَاناً مَا فِي فَرَاغِهَا العَاطِفِيّ..

الوَقْتُ تَمَامَاً الآنْ

مَطَرٌ يَتَرنّحُ فِي دَمِي

دَمْعٌ ونَحِيبٌ.

الدَّمْعُ فَاكِهَةُ البُكِاء،

نُضُوجُ العَبرَةِ فِي طَنَاجِرِ المَآقِي.

ماءٌ تَفلَّتَ مِنْ قُنَنِ الخَوَاطِرِ

واْنفِعَالاتِ الدَّوَاخِلِ،

إِسْتِدرَارُ الخُدُودِ لِغَيمِ المَوَاجِعِ…

بِذَا ..

فَاقَ العَاشِقُ مِنْ نَوبَتِهِ

واْسْتَرسَلَ قاَئِلاً:

الحُبُّ

لَسْعَةٌ مِنْ نحَلِ الحَبِيَبةِ

نَمْلٌ يمَشِي عَلَى جِدَارِ الرُوحِ،

وشوَشَةٌ فِي أُذُنِ القَلْبِ.

الحَنِينُ

أَسْئِلةٌ تُفَتِّشُ عَنْ مَلَامِحِ غَائِبٍ فِي أزِقَةِ الغُربَةِ

إجترارٌ لِمِا فِي سَنَامِ الذّكْرَى

مِن شَغَبِ الَحَكَاَيا

إِنْحِرَافُ الآن عَنْ مَجْرَى هُوِّيَتِهِ

تَقَاعُسُ الأَحلَامِ عَن المَسِير،

والبَحثُ عَنِ المَاضِي الوَثِير.

الفَرَحُ

قِطٌ يَعبَثُ بِحَبلٍ يَتَدلّى مِنْ نِهَايَةِ سَريِرٍ

سُرُّ لِغِيَابِ صَاحِبِه.

الِّلقَاءُ

مَوتُ الكَلَامِ وحَيَاتُه الأَبَدِيَة

شَمْسٌ تَسْكُبُ نُورَ الرَّغبةِ فِي أَوعِيةِ الَجَسَدِ

ونَحْنُ نَنْسِبُ لِلقَمَرِ الضِّيَاء

نَتَسَامُرُ تَحْتَ فِضَّتِهِ

نُبَهْرِجُ أْرْجَاءَ الطُّرُوسِ بِعَاطِرِ الكَلِمَاتِ

نَهْزُجُ عَلَى شَرَفِ الحَبِيبَةِ

نُعَبِّءُ الأَوتَارَ أنْغَاماً

أَلَا أيّتُهَا الممّشُوجَةُ مِنْ رَهَجِ العَنَابِرِ

وثَبَجِ القَصَائِد.

حَديِثُ الّليلِ فِي دَوحَةِ العَاِشقِينَ،

إنْدِلَاعُ الشّوقِ فِي عَرَصَاتِ الضُّلُوعِ،

إصْطِلَامُ القَوَافِي فِي حَضْرةِ وجهِكِ المَنْحُوتِ

في شَفَقِ المَغِيْبِ،

إحِتِضَارُ الآهَةِ عِنْدَ صَهِيلِ خَيْلِ النَّشوَةِ العُظْمَى

مَدُّ البَحرِ الّذِي يَتَمرّغُ فِي آَثارِ قَدَمَيْكِ،

وجعُ فِي خَاصِرةِ الكَلَامِ المُكَبّلِ بِفُضُولِ الحَاضِرِينَ.

ألَا أيّتُهَا المُسْرَجَةُ فِي وُضُوحِ النِّسَاءِ الفَاتِنَات،

عِنَاقُ العِطْرِ لِلشّوَارِعِ المُترَعَةِ بِالسَالِكِينَ،

إِشتِهاءُ الوَقتِ لِرغبةٍ كَانَتْ فِي مَاضِي الخَلِيقَةِ

بِأنْ يَسنُدَ رَأسَهُ عَلَى حِجْرِ أُنثَى وَلَو بَعْدَ حِينٍ

ثُمَّ يَسقُطُ مِنْ قَافِلَةِ التَوارِيخِ الذّمِيَمَةِ

رَقصَةً

أو رَعشَةً

تُسَاوِرُ الشِّفَاهَ عِندَمَا

يَصُبُّ واكِفُ الإِفصَاحِ بَغتَةً:

أحِبُك يَا …

أُحِبُك يَا …

احبك ياوطن

رواية الكبش: الحياة على تخوم الوهم..بقلم:محمود الغيطاني

الأربعاء، 14 مارس 2018

الكبش.. الحياة على تخوم الوهم

بقلم: محمود الغيطاني

محمود الغيطاني

في عام 2006م قامت دار برزان للنشر- وهي دار نشر عربية أُنشئت عام 2002م في لندن، ولها فرع في لبنان- بترجمة رواية مهمة للروائي والمؤرخ البريطاني روبرت إيروين هي رواية “الكابوس العربي”، ولعل أهمية هذه الرواية تكمن في أحداثها التاريخية وبنائها الذي اعتمد تقنية الكوابيس المتوالدة من كوابيس أخرى. ويظل الأمر هكذا حتى نهاية الرواية؛ فلا يستطيع القارئ معرفة الكابوس الحقيقي من الكابوس المفترض، أي أن الروائي كان يتلاعب بالقارئ من خلال تقنية الكوابيس الغير منتهية، ومن ثم يظل المتلقي في حالة شك دائم وحيرة بين الواقعي والكابوسي، وإن كان همّ الروائي على طول الرواية هو سرد أحداث مصر الفاطمية من خلال عالم غرائبي يزخر بالشخصيات الغريبة والمخيفة التي تعيش حياتها في أزقة القاهرة الفاطمية، كما كانت الرواية عبارة عن تسجيل بارع للتاريخ الاجتماعي في هذه الحقبة من تاريخ القاهرة أيام المماليك اعتمد فيه الروائي على توالد الحكايات الكابوسية.

كل من قرأ رواية “الكابوس العربي” بالتأكيد سترد إلى ذهنه مرة أخرى حينما يبدأ في قراءة رواية “الكبش” للروائي الفلسطيني أنور الخطيب، ليس لأن الخطيب قد تأثر بروبرت إيروين، أو أخذ منه- فربما يكون الخطيب لم يقرأ إيروين من قبل-، ولكن لاعتماد كل منهما نفس التقنية المعتمدة على الشك في كل شيء. الشك في الواقع والحلم، المتخيل والمعاش، الحقيقة والكذب؛ ففي رواية “الكبش” كل شيء قابل لأن يكون حقيقة، وقابل أيضا في نفس الوقت لأن يكون وهما لا وجود له. ينجح الروائي هنا في التلاعب بعقل القارئ حتى أنه يأخذه إلى تخوم الوهم، أو الحدود الفاصلة بين الحقيقي والمتخيل؛ فيظن أنه يحيا في وهم دائم يتوالد من أوهام كثيرة حتى لكأن الحياة كلها مجرد حلم طويل، أو أحلام وهلاوس تتوالد من غيرها إلى ما لا نهاية.

في رواية الخطيب كل شيء قابل للتأويل، وكل شيء قابل للشك فيه، كل الأحداث قابلة لأن تكون حلما طويلا أو كابوسا، وفي نفس الوقت تمتلك قابليتها لأن تكون واقعا مريرا، لكن المؤلف يعود بذكاء لنفي ما حدث وما سبق أن صدقناه لنكتشف أن هناك شكلا من أشكال التلاعب الحقيقي بكل الحقائق والأحداث الروائية.

هذا الشك الدائم في كل ما يدور حولنا يؤكده الروائي من خلال الإشارات من دون أن يفصح، أي أنه يعطينا المفاتيح فقط؛ كي يشترك معه القارئ في لعبة السرد؛ فالراوي الأساس في الرواية هو “الغزالي”. المهرج أحيانا، والطبيب البيطري أحيانا أخرى، ولعلنا لا بد لنا من التوقف أمام اسم “الغزالي” الذي لم يكن من قبيل الصدفة، لاسيما وأن هناك شخصية أخرى مهمة تقابل شخصية الغزالي وهي شخصية “المسعودي” مفسر الأحلام من خلال خلفيات الناس صباحا، ومن خلال مقدماتهم بعد الظهر، كذلك شخصية “التوحيدي”/ الرجل الكبير أو رجل الأعمال الفاسد المتاجر بكل شيء سواء كان أعضاء البشر أو القطع الأثرية. إذن فالأسماء هنا كانت من الذكاء ما يوحي بالكثير من الإحالات على التاريخ والثقافة الفلسفية، مما يؤكد أن المُقبل على هذه الرواية لابد له أن يتسلح بالكثير من المعرفة قبل البدء فيها لاسيما أنها تُحيل إلى الكثير من المعارف والتراث الفلسفي والديني.

إذا كان الإمام أبو حامد الغزالي في تاريخ الفلسفة قد اتخذ من الشك منهجا ضروريا له؛ فقد اتخذه من أجل الوصول إلى الحقيقة في نهاية الأمر؛ فالشك المنهجي لا ينكر الحقيقة كما ينكرها الشك الارتيابي، لكنه شكل من أشكال الشك الذي يبحث عن الحقيقة المطلقة محاولا أن يجد لها أساسا مطلقا، وفي هذا يقول الإمام الغزالي: “إن الشكوك هي الموصلة للحقائق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بات في العمى والضلال”، وبعد أن شك الغزالي في الحواس والعقل وأثبت قصورهما في الوصول إلى اليقين، امتد شكه إلى الحياة الشعورية بصفة عامة. وشكه في الحياة الشعورية هو تأييد لشكه في العقل، وإمكان وجود قوة أخرى تثبت خطأه، فمن يدري ربما تكون الحياة كلها مجرد وهم وخيال؟ ووجد الغزالي تأييدا لرأيه بأحوال المنام؛ فالإنسان يرى في أحلام النوم أمورا ًويتخيل أحوالا ًلا يشك في ثبوتها واستقرارها، وعندما يستيقظ يعلم أن ما رآه في الحلم كان مجرد وهم. ويرى الغزالي أنه إذا وردت تلك الحالة التي يكون فيها ما نعتقده في اليقظة بالحواس والعقل مجرد وهم وخيالات بالنسبة لها تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها. افترض الغزالي أن حياتنا قد تكون حلما طويلا لم نستيقظ منه لنعرف حقيقة الأمور مستندا إلى حديث يقول: “الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا”.

من خلال مبدأ الشك الذي اعتمده الإمام الغزالي كمنهج فلسفي من أجل الوصول إلى الحقيقة يحاول الروائي أنور الخطيب المزج بين شخصية “الغزالي” الروائية في روايته من خلال اسمه وسلوكه، وبين شخصية الإمام الغزالي حتى لكأنه يحرص على إسقاط كل من الشخصيتين على بعضهما البعض في شكل من أشكال التماهي؛ من أجل الوصول إلى الحقيقة التي لا يعرفها أحد، وهي الحقيقة الملتبسة الغامضة التي كلما توصل إلى جزء منها باتت سرابا لا حقيقة له؛ فيضطر للبدء مرة أخرى.

هذا الشك الدائم والريبة في كل ما يحيط بالشخصية مكانيا وزمانيا كانا من الخصائص والسمات السيكولوجية المسيطرة على جميع شخصيات الرواية لا سيما الغزالي/ الروائي الأساس فنقرأ قوله: “هل كان النبيذ هو السبب؟ مغشوش مثلا؟ هل يمكن أن يكون لحارس الهمنغواي أي دور في الخدر، كأن تنبعث من ملابسه بودرة مخدرة؟ هل ماء الملهى أو البطاطا المقلية المقرمشة كانت منقوعة بالكحول؟ هل دسّتْ معصومة شيئا في علبة السجائر مثلا؟ أم أن بخارا مُسكرا مُخدرا رشح من مؤخرتها؟ هل ترك سمير شيئا من شذوذه في تلافيف دماغي؟ الشذوذ يؤدي إلى الخدر أحيانا! هل المسعودي هو الرأس المدبر الذي يخطط لغزو الرؤوس جميعها ليقرأ أحلامها؟ هل كانت النادلة “جاكي” تتآمر مع المسعودي ويشكلان تنظيما سريا يهدف إلى استقطاب الأطباء البيطريين تمهيدا لاستقطاب كل حمير وكلاب وقطط وخيول المنطقة؟! هل دسّتْ جاكي مادة مخدرة في عصير البرتقال الأحمر؟ وهل ذاك الشيء السافل يؤدي إلى النوم وإيقاظ الهلوسات والأحلام أو اللاوعي، ولكن، هل كان في لاوعيي قتل “أوفيسر؟!”.

من خلال هذا الاقتباس يتبين لنا أن الراوي الأساس/ الغزالي مسكونا بالكثير من التوجس والريبة من كل ما يحدث حوله؛ حتى أن نظرية التآمر تكاد تكون هي النظرية التي يفكر من خلالها في كل دقائق حياته.

لكن، هل كانت شخصية الغزالي مجرد شخصية مريضة تسكنها الهلاوس والريبة من الجميع؟

لم تكن شخصية الغزالي من الشخصيات المريضة، بل تكاد تكون من أكثر شخصيات الرواية تعقلا وإدراكا لكل ما يدور حولها، لكن الواقع الذي يعيش فيه هو واقع يدفعه فعليا إلى الجنون بسبب محاولات السيطرة الدائمة عليه؛ فثمة الكثير من الشخصيات المحيطة به، والراغبة في استغلاله من أجل تجميل وجهها أمام العالم، وبما أنه سيكون الكبش الذي سيضحون به من أجل تجميل ما يقومون به من تجارة في كل شيء وأي شيء؛ كان لابد من دفعه إلى الاعتقاد بوهم كل ما يحدث حوله باعتباره هلاوس أو أحلام؛ مما يجعله يلجأ في النهاية إلى المسعودي/ مفسر الأحلام المقيم في الدور الأول من البناية، الذي سيسطر عليه بإيهامه بأنه “المبارك” المختار صاحب البركات الذي لا ينطق عن الهوى، وحينما يصدق الغزالي ويتقمص هذا الدور سيعمل على تجميل وجه ونشاط “الفارس” وغيره من المتاجرين بكل شيء من المقيمين في القصور الفارهة.

يتبين لنا منذ بداية الرواية فانتازية عالمها، رغم أن هذه الفانتازية ترتبط ارتباطا وثيقا بالواقع وما يدور فيه، فثمة راو يحاول القيام بدور المهرج منذ الصفحة الأولى، وهو لم يلجأ إلى ذلك إلا لأن شرطة المدينة لم تصدق كلامه وما حدث معه من أمور يرى أنها واقعية وإن كانت تقترب من الخيال؛ ومن ثم اعتبرته مهرجا لابد أن يروي لأهل المدينة قصته؛ فإذا ما صدقوه سيسمحون له بالإقامة في المدينة: “شرطة بلادكم رفضت تصديقي، قال لي المحقق السمين ساخرا: هذا مونتاج دقيق ومتقن، ثم، كيف عبرت البحر مشيا على الأقدام، هل أنت سمكة أو موسى أو المسيح أو بوذا؟ أنت لست كل هؤلاء، أنت المهرج ومكانك مسرح المدينة، هنالك مرتادون دائمون يستمعون إلى قصص الغرباء أمثالك، فإن صدقوها منحناك إقامة بيننا مدى الحياة، وإن كذبوها سنقطع أذنيك، ولهذا من الأفضل أن تسرد قصتك بأسلوب كوميدي لتجعلهم يضحكون ونحن هنا نراقب كل شيء؛ نراقب المسرح والسينما والتليفزيون ودار الأوبرا والمسرح الروماني، والقلعة البيزنطية، وسور عكا وأبو الهول وحمام المسخوطين والحدائق المعلقة والأهرامات، وقلعة بعلبك ومسرح تدمر، وقبر المعتمد ابن عباد والحمامات، كل شيء، احرص على إضحاك الجمهور، كما نفعل نحن، وإلا كانت قصتك حقيقية”، كما أن هذا المهرج/ الطبيب البيطري سيجد نفسه فجأة في عالم ليس عالمه حينما يتعرف على “الفارس” الذي استمع إلى خطبته ورغب منه علاج خيوله التي توقفت عن الصهيل، وحينما يعالجها له يعطيه الشقة رقم 1007 في إحدى البنايات ومعه سيفا ويؤكد له أنهما هدية له مقابل شفائه لخيوله، بل يفتتح له أيضا عيادة بيطرية.

يبدو لنا السرد منذ بدايته موغلا في الإيهام والفانتازيا سواء على مستوى الحدث الذي يتحدث فيه الروائي، أو على مستوى اللغة المتناسبة تماما مع الجو السيريالي الذي اتخذه المؤلف مسرحا لروايته، فالحدث منذ بدايته غير واقعي حينما يروي الغزالي قصته للناس وكيف مشى على الماء: “قفزت فوق الموجة الأولى، ثم الثانية ثم الثالثة ثم بدأت بالسير كأنني أنقل خطواتي الواسعة على طريق معبّد. لم تكن معجزة، ربما كانت.. وربما كان الماء متجمدا، ربما حملتني كبسولة الزمن، ربما حملني دولفين على ظهره، ربما خطفتني حورية البحر، ربما مت وروحي الآن تحدثكم، ربما كنت نائما على الرصيف المحاذي لمسرحكم وبالغت في الرؤيا، ربما كنت في إغماءة، لا أدري، لكنني حين مشيت على الماء وفردت ذراعيّ كشراعين، ونظرت خلفي، وجدت الرجال راكعين وقد ألقوا سيوفهم على الرمل، فتحررت رؤوس النساء وسحبتها الأمواج، ونبتت للرؤوس أجساد فامتلأ البحر بالنساء الجميلات العاريات”، فبعد سرد حكايته الطويلة كمهرج يبدأ في حياته الجديدة التي منحها له الفارس الذي لا يعرفه لتتنامى الحكايات السريالية، ولعلنا نلمح من خلال هذا الاقتباس الريبة والشك الدائمين في كل شيء؛ حتى أنه يتشكك في حكايته التي يرويها ويقتنع بها وبأنها قد حدثت له، فهو قائم بين الشك واليقين وبين الحلم والواقع غير قادر دائما على التمييز.

أما من حيث اللغة السردية التي ينتهجها الروائي لتتناسب مع ما يرويه سنراها من خلال الرواية بالكامل كقوله: “قلت وأنا أتعمد مراقبة نملة كبيرة كانت تستلقي على ظهرها وتضع ساقا على ساق”، و”هل أُصيب حصانك بهزيمة أو هزائم؟ أم أنه عاتب عليك جراء موقف لم يعجبه؟ أم أنه عشق أنثى فرس في مزرعة جارك ورفضت السماح له بنكاحها بذريعة أنها ليست على دينه أو دينك؟”، و”تواجهت مع رجل للحظات؛ كان هو نفسه الذي زارني وقال أنه ليس بالإنسان وليس بالحيوان، استدرت بسرعة البرق فاختفى بسرعة الصوت، خرجت راكضا فلم أجد أحدا، كأنه ذاب مع رطوبة المكان”، وغير ذلك الكثير مما يدل على جدة التعبيرات واللغة التي تتعمد الكثير من الدهشة المتناسبة مع الحدث السردي الذي يرويه.

ثمة شخصيات تحاول الالتفاف حول الغزالي منذ بداية السرد؛ فنلمح سمير الشاذ جنسيا، ومعصومة المرأة صاحبة المؤخرة الكبيرة، والفارس، والمسعودي مفسر الأحلام، وحياة الممرضة التي تعمل في عيادته، والمرأة التي تضاجع الكلب، والأخرى المنتقبة التي تشعر بأنها حيوانة وذات مؤخرة كبيرة، وغير هؤلاء من الشخصيات الكثيرة التي يتم دفعها في طريق الغزالي بشكل يقرب من المصادفة، وإن كانت الأمور في حقيقتها قد تم التخطيط لها بدقة لتكون هذه الشخصيات من مفردات حياته ويعملون على التأثير عليه من أجل تهيأته من أجل خدمة منظومة الفساد الكبرى في نهاية الأمر والتي يتزعمها “الفارس”، والرجل الكبير.

 أنور3

أنور الخطيب

كل هذه الشخصيات تحاول دفعه متكاتفة نحو الجنون، أو الشعور بالهلاوس وعدم واقعية أي شيء يدور حوله؛ حتى أنه يظل دائما متشككا في كل ما يحدث له: “توجهت بخطى ثابتة نحو سيارتي، فتحت باب السائق، وقبل دخولي انطلق صوت من وراء شجرة خلفي متبوعا بصدى: شكرا لأنك صرفت المرأة البقرة ولم تستسلم لإغوائها. لم يمهلني الصدى وقتا لأتبين صاحب الصوت حتى فاجأني صوت ثان مشابه حد التطابق للصوت الأول من خلف شجرة أمامي: وشكرا لأنك لم تتعاطف مع الشاب كثيرا، فقد غادر الصالة وجنبك الإحراج. توالت الأصوات الشبيهة، فانطلق صوت من جهة اليمين يكمن خلف شجرة ثالثة: شكرا لأنك لم تترك النبيذ يذهب بعقلك، ولكن لا تقرب الصلاة حين تعود إلى بيتك وحيدا. ثم انطلق الصوت ذاته من خلف شجرة على الجهة اليسرى متبوعا بصدى: شكرا لأنك لم تُشارك في الرقص مع النساء. وعليك اللعنة لأنك استسلمت لإغواء الفتاة الشقراء. قلت بعد استتباب الصمت: من أنت، ولماذا كل هذه الحركات المسرحية التافهة؟ اظهر لنتحاور حول ما قلت. جاءني الصوت من الجهات كلها: لا تتسرع فتخطئ، فإن أخطأت اتخذنا في حقك إجراء وتكون من الخاسرين. ولماذا تختبئ خلف كل هذه الأشجار؟ لأنني في كل مكان! هل كنت في الهمنغواي؟ أنا في كل مكان. يقولون إن الله وحده فقط في كل مكان. أنا وكيل الله”.

حينما يحدث له هذا الحدث بعد خروجه من الهمنغواي، وهو البار الذي يسهر فيه يوميا، يتجه إلى المسعودي ليفسر له الأمر؛ فيحاول المسعودي إيهامه: “أنا على يقين من أن الأصوات التي سمعتها هي علامة من السماء، وذاك الرجل الذي ادعى بأنه وكيل الله قد يكون ملاكا هبط ليوحي إليك بأمر ما، صحيح أنك تعربد أحيانا ولكن قلبك أبيض كالثلج الذي يغسل الذنوب، ومهامك المستقبلية قد تحتاج أن تكون داعرا ومؤمنا، رسولا وصاحب عصابة، المهام الكبرى تحتاج إلى رجال يجمعون الضدين. لا تجبني، اخرج الآن إلى بيتك”، من خلال هذه اللعبة التي لعبها المسعودي ومن معه على الغزالي كي يوهمونه أنه بالفعل المختار لأن يكون “المبارك” يكونون قد عملوا على تأهيله كي يصدق هذا الدور ويرتدي عباءة الرجل الحكيم الذي تأتيه التنزلات من السماء، ومن ثم يعمل على تجميل صورة الرجل الكبير والفارس اللذين يمارسان كل أشكال الفساد ويريدان الاحتماء بالدين والحكماء.

يبدأ الغزالي في الانسياق إلى ما يجره إليه المسعودي حينما يحلم أن “أوفيسر” حارس العقار قد قُتل وتم اتهامه بقتل الحارس ويتم التحقيق معه واحتجازه لعدة أيام، وحينما يلجأ للمسعودي يؤكد له بعد تقبيل يده أنه أحد الرجال المباركين: “اسمح لي أن أقول أنني في حاجة ماسة إلى بركتك، والسياسيون ورجال الأعمال والأثرياء والأمراء يحتاجون إلى بركتك، وبالتالي المدينة كلها في حاجة إلى رجل مثلك، يرى ما رأيته، يشهد ما شاهدته، مر بالتجارب المقدسة التي مررت بها، والأكثر من هذا وذاك، قادر على كبح غريزته”، هنا يبدأ الغزالي في الانسياق الحقيقي لما يدفعه إليه المسعودي، ويستهويه أن يكون مباركا بالفعل، ويبدأ في تقمص هذا الدور لولا أن “حياة” الممرضة في عيادته تكشف له اللعبة الكاملة التي تُحاك حوله، وتؤكد له أن المسعودي ليس سوى رجل مخابرات موكل به، وأن الفارس هو أبيها الذي يتاجر بالأعضاء البشرية وبالتاريخ والآثار، وكل شيء، وأن سمير الشاذ من رجال أبيها، و”المعصومة” ذات المؤخرة الكبيرة كذلك من نساء المسعودي، والمرأة الكبش/ الحيوانة المنتقبة ذات المؤخرة كذلك من نساء المسعودي، وأن كل من هم في حياته ليسوا سوى رجال أبيها الذين يرغبون في تأهيله ليكون المبارك الذي يُجمل وجه أبيها، بل إن والدها حينما فتح له عيادة الطب البيطري لم يفتحها إلا من أجل التجارة في الأعضاء البشرية، ولكن حياة التي ترفض سلوك أبيها وحياته دفعت نفسها في طريق الغزالي من أجل أن تكون حماية له، ولولا وجودها في حياته وفي عيادته لكان قد تورط منذ البداية، وهذا ما منع أبيها من التجارة في تجارته من خلال العيادة البيطرية.

يفهم الغزالي خيوط المؤامرة التي تُحاك حوله شيئا فشيئا: “لم أعد في حاجة إلى قرابين، وإن كان لابد منها سيكون المسعودي قرباني الأول والأخير بعد إجباره على الاعتراف بما يخفي من خيوط استغرق في نسجها حولي أسابيع وربما شهورا لإدخالي دائرة المباركين. هل فعل كل ذلك من أجل دخولي القصر ومقابلة الفارس وكبيره ورجل صرخ في وجهي: ويحك يا رجل! أم أن الأمور انفلتت من عقالها وصرت أنا وهو رهن اعتقال غير مرئي؟”، وهنا يبدأ في التيقن بأن جميع الهلاوس التي كانت تنتابه ليست سوى محاولة للسيطرة عليه، وأن هناك الكثير من الحقائق التي فهمها باعتبارها أحلام أو كوابيس رغم أنها لم تكن كذلك، وأن الهدف الرئيس من كل ما حدث معه هو محاولة غسيل الأدمغة وغسيل أموال الفارس وحاشيته من خلال استخدام الدين الذي سيمثله هو، وهذا ما أكده له الفارس: “أعلم أنك على استعداد للتعاون، فانتظرني في منزلك، واستقبلني بهذه الثياب، أنا أفتقدها، ثم إن دورك سيكون في تلابيبها، ستكون المبارك الذي يظهر ليبارك أعمالنا في المساجد والصحف والقنوات التليفزيونية، وستعود إلى البيت ثم تخرج إلى عيادتك بهيئة الطبيب، فلا أحد يعرفك، ولن يتابعك أحد، ألا يستحق من وهبك “حياة” أن تقول كلمة حق تبيّض بها خيره وأمواله التي أصبت شيئا منها، وتُجمل قصره الذي يشوهه الآخرون! أنا وهو واحد أيها الغزالي، وسيكون الإعلام الرسمي كله في خدمتك، فارحل”.

يوقن الغزالي من اللعبة التي تورط فيها مع الكبار من الفاسدين والحكام والمتاجرين بكل شيء وكيف يعملون على توظيف كل مقدرات الدولة من أجل خدمتهم وتجميل صورتهم المشوهة فعليا: “أرادني الرجل الكبير الذي بدأ يصغر شيئا فشيئا، أن أكون مسحوق غسيل، أرغي وأزبد وأتحول إلى فقاعات تهاجم القذارة التي علقت بالفارس وبطانته ومرؤوسيه، وأن أحك لساني النظيف بجلده، وكنت على دراية تامة من الاستغناء عني أو تصفيتي عند إتمام مهمتي أو تعثرها، أرادني أن أكون كبش العيد أو القربان أو المحرقة. ولهذا تعمدت إطالة مكوثي لأناقش مواكبته لما كان يحدث في محيطه، وقلت له: إنه الإعلام الرسمي الذي لا يشاهده أو يصدقه أحد، إنه في واد والحقائق في واد آخر، فماذا لو خرجت شياطين الوادي الآخر، وهي تخرج يوميا في صحف المعارضة، ومواقع التواصل الاجتماعي، بأسماء حقيقية وأخرى وهمية، وترمي المعلومات والحقائق أمام الخلائق، هل يستطيع العبد الفقير إلى الله وكلماته مواجهة السيل المتدفق؟”.

ربما يكون السبب الرئيس في رفض الغزالي لأن يكون طرفا في كل هذه المنظومة الفاسدة انتباهه إلى ضلوع الصهاينة في تحريك منظومة الفساد والسيطرة الكاملة عليها، أي أن العرب يتحركون ويؤدون أدوارهم باعتبارهم مجرد عرائس ماريونيت يحركها الصهاينة في حقيقة الأمر، بينما العرب يظنون أنهم هم من يمتلكون المنظومة بكل فسادها، كما أن الروائي أنور الخطيب كان من الذكاء ما جعله لا يقحم هذه المعلومة بشكل مباشر في السرد حتى لا يُفقد السرد غرائبيته أو يميل به نحو المباشرة، بل أشار إلى هذا الأمر عدة إشارات سريعة للقارئ المشارك له في السرد: “كانت المسافة بين البوابة والبيت أكثر من مائة متر، على جانبيها أشجار صغيرة وورود من كل الأنواع والقارات، وفي وسط المسافة نوافير مياة تصعد من أشكال هندسية سداسية الزوايا. أصبنا بالذهول حين دخلنا الصالون الرئيس الكبير؛ لوحات عالمية معلقة على الجدران، تماثيل وقطع أثرية كنعانية وآشورية وبابلية وسريانية ورومانية تنتشر في الزوايا، أما أرضية الصالون فكانت رخامية مزركشة بنجوم سداسية وأهلة”، كما يكتب في موضع آخر ما يؤكد هذا الأمر حينما يقول الغزالي لحياة: “كلمات كثيرة صادرتها، أولا الديكور الداخلي المستند إلى الزوايا السداسية، كنت أود أن أقول إن الأشكال الهندسية لا تثبت انتماء ولا توحي بهوية، وعلى المغرد خارج السرب مراعاة الطيور والأشجار والهواء، لكنني تساءلت بيني وبين نفسي إن كان التصميم قد دس بنوايا مسبقة أم لا، وإن كان صاحب البيت انتبه إلى إيحاءات ودلالات التصميم أم أنه أُخذ بجماليات الشكل وتداخل الخطوط وحدة الزوايا”.

هنا يكتشف الغزالي اللعبة كلها؛ لذلك يرفضها ويخرج من قصر الرجل الكبير ليعود إلى بيته لكن أنور الخطيب يعود إلى لعبة السرد الملتبسة مرة أخرى بعدما تبينت لنا الحقائق فيسقطنا مرة أخرى في عالم الأحلام والهلاوس؛ لنكتشف أنه حتى الحقائق التي توصلنا إليها ربما لم تكن حقائق، وأنه تلاعب بنا كروائي حينما جعلنا نفهم ما حدث من أمور غرائبية ونعتقد أننا توصلنا إلى الحقيقة في حين أنه لا توجد حقيقة راسخة في هذا العالم الذي جذبنا إليه لنسقط في تلابيبه غير قادرين على الخروج منه، أو التوصل إلى أي شكل من أشكال الحقيقة، وهو ما يؤكد نظرية الشك لدى الغزالي وأننا نعيش في عالم كبير من الأوهام أو الهلاوس، وربما نكون في حلم كبير لا يمكن له أن ينتهي. يتبين لنا ذلك حينما يخرج الغزالي من القصر عائدا لبيته: “كانت الساعة تُشير إلى الثانية ليلا، توجهت مباشرة إلى سطح البناية، طرقت باب “أوفيسر” عدة مرات، ناديته باسمه، أطل رجل على مشارف الستين من عمره، أخبرني أن أوفيسر غير موجود، ثم سألني: من هو أوفيسر؟ إنه الحارس. طلب مني المغادرة بفظاظة وأغلق باب حجرته. هبطت إلى الطابق الأول، طرقت باب الشقة 107، فتح الباب شاب وهو يفرك عينيه، سألته: هل المسعودي موجود؟ أجاب بلغة مؤدبة: يبدو أنك أخطأت في العنوان أيها الطيب. صعدت إلى الطابق السادس لأسأل عن “حياة” فلم أجدها، فتحت لي سيدة كانت تحميل غيتارا وتتحدث بلغة أجنبية لم أفهم منها حرفا واحدا. انطلقت إلى الطابق السابع، قرأت لافتة صغيرة معلقة على باب الشقة التي كانت تسكنها الفتاتان: “للإيجار، للمثليين فقط”. توجهت إلى الدور العاشر، فشلت في فتح الباب، قرأت لافتة صغيرة: صالون تجميل الحيوانات. ضربت جبهتي بكفي. أمسكت الهاتف بأصابع مرتجفة، اتصلت بسمير فرد عليّ ضابط في إدارة مكافحة المخدرات. اتصلت بالمرأة الكبش القربان، ردت سيدة قالت إنها تتحدث من الكنيسة وأنهت صلواتها الليلية قبل لحظات، وباركتني. اتصلت بالفارس، رد عليّ رجل الأمن في الهمنغواي، اتصلت بالرجل الكبير، رد صوت ناعم من آلة تسجيل يتحدث عن أنواع المساج. ضربت رأسي بالجدران ومرآة المصعد حتى سال الدم وساد الضباب”.

من خلال هذا الاقتباس يحاول الخطيب إرباك القارئ وحبسه داخل عالمه السيريالي الذي كان قد تكشف له حقيقته ليؤكد له أن كل ما توصل إليه لم يكن سوى حلم جديد أو إمعانا جديدا في هذا العالم الغرائبي الأسطوري الذي لا توجد فيه أي حقيقة ثابتة؛ فها هي جميع شخصيات الرواية قد اختفت تماما، وكل ما عرفناه عن الغزالي ورحلته الطويلة وخيوط اللعبة التي كانت تُحاك حوله باتت كحلم جديد، أو كأسطورة جديدة، ورغم أن السرد ينفي وجود جميع الشخصيات وينفي كل ما سبق أن حدث في الرواية باختفاء الجميع إلا أننا نلحظ العديد من الإشارات الأخرى التي تؤكد لنا أن هذه الحكايات قد حدثت ولم تكن وهما كاملا: “انطلقت إلى الطابق السابع، قرأت لافتة صغيرة معلقة على باب الشقة التي كانت تسكنها الفتاتان: “للإيجار، للمثليين فقط”. توجهت إلى الدور العاشر، فشلت في فتح الباب، قرأت لافتة صغيرة: صالون تجميل الحيوانات”، فالشقة التي كانت تسكنها فتاتان مثليتان يوجد على بابها ما يُشير إلى وجودهما المُسبق: “للإيجار، للمثليين فقط”، كذلك الشقة في الدور العاشر التي كان يسكنها الغزالي باعتباره طبيبا بيطريا حينما وصل إليها قرأ لافتة “صالون تجميل الحيوانات” في إشارة إلى ساكنها السابق الذي كان الغزالي. إذن فالروائي هنا يتلاعب بالسرد مستمتعا في المزيد من الإيهام والتوريط لقارئه؛ لذلك كان الروائي من الذكاء ما جعله ينهي روايته بعد هذا الاقتباس مباشرة بما يلي: “في الصباح وجدتني أجلس أمام مسرح المدينة الكبير، أسند ظهري إلى السور المنخفض، أتأمل حركة المارين والقطط السمينة والكلاب الضالة والمخبرين والعاهرات الشقراوات وتجار الأعضاء البشرية وتلاميذ المدارس الذاهبين إلى المعسكرات وموزعي بطاقات دكاكين المساج وسيارات الأجرة و… عطّل تأملي صوت رجل لامس قفاي بنغمته الخشنة: ما هذه القصة التي سردتها فوق خشبة المسرح وكان الجمهور بين غاف ومأخوذ وراكع ومائل؟ هل تربطك صلة بالمخرج؟ هل تواطأت معه؟ هل أنت ممثل؟ هل أنت مقاتل هارب من جبهات الجهاد؟ هل أنت لاجئ؟ هل أنت ولي صالح؟ أم أنك رجل خانتك أمك مع أبيك؟”.

ربما كان ذكاء الخطيب في إنهاء حدثه الروائي في أنه عاد بنا مرة أخرى إلى بداية الرواية، حيث الغزالي الذي يحكي عند مسرح المدينة الكبير في البداية عن حكاية حدثت له ولم تصدقها الشرطة وطلبت منه أن يقوم بدور المهرج ويحكيها للناس كي يسمحون له بالإقامة في المدينة، وحينما تسرب العالم الأسطوري الكامل الذي رأيناه إلى السرد يعود لينتهي بنا مرة أخرى أمام مسرح المدينة الكبير بينما هو يحكي أيضا، فيلتبس علينا الأمر حول حقيقة كل ما دار وما حدث، هل هو حدث بالفعل للغزالي، أم كان يحلم، أم يتخيل، أم أن الرجل الكبير حينما تأكد أن الغزالي لن يخضع له ويلعب دور الرجل المبارك عمل على إخفاء كل شيء؟ ولكن إذا كان الرجل الكبير قد فعل ذلك بالفعل وأخفى كل ما دار فأين “حياة” التي كانت تقف خلفه وتحبه؟ لقد اختفت بدروها وحينما بحث عنها في البناية لم يجدها. أم أن الأحداث كلها كانت مجرد حكاية يرويها الغزالي منذ البدء ولم تكن قد انتهت بعد؟

ربما كان المأخذ الوحيد الذي يؤخذ على رواية “الكبش” للروائي الفلسطيني أنور الخطيب هو بعض الأخطاء اللغوية التي لم يتم الانتباه إليها والتي كانت عائقا أحيانا أمام استرسال السرد وعالمه الخاص منها قوله: “وجود السيف معلقا على الجدار في زاوية أنيقة هو من أزال شكوكي”، فالكاتب هنا استخدم الاسم الموصول “من” للعاقل، بدلا من “ما” لغير العاقل التي يجب أن تعود على السيف، كما أنه يستخدم واو الجماعة في غير محلها حينما كتب “لاعبوا السيرك” بدلا من “لاعبو السيرك”، وقوله: استطاع ذاك الشاب أن يزرع بي الشعور بالذنب، والصحيح هو “أن يزرع في”، وقوله: كنت أنوي مساعدته وربما حضور حفلة زواجه، والصحيح هو التذكير في “حفل زواجه”، وقوله: هل كنت أدخل كحمار أطأطؤ رأسي متوجها مباشرة إلى مكتبي، بدلا من أطاطئ، ولعل تصريفات “يطأطئ” كان الروائي مصرا على الخطأ فيها حينما قال في موضع آخر: كانت تطأطؤ رأسها، بدلا من تطأطئ أي أن الروائي يصر على الخطأ فيما يكتبه، بالإضافة إلى عدم إدغام ما وجب إدغامه في اللغة حينما يكتب: لا تتراجع عن ما أبدعه الخمر المغشوش، ومن المعروف لغويا أن “عن وما” إذا ما جاءا متتالين وجب الإدغام ليكونا “عما”.

لكن تظل رواية “الكبش” من الروايات المهمة والمتفردة بعالمها السيريالي الغرائبي الذي نجح من خلاله الخطيب في تقديم عالم روائي جديد يخصه وحده استطاع من خلاله إيهام القارئ بأحداث عالمه، بل وتوريطه معه وإشراكه في العملية السردية، ثم سرعان ما صفعه ليؤكد له أن كل ما تأكد منه لم يكن حقيقيا، وأن على القارئ العودة مرة أخرى لبداية الرواية لإعادة قراءتها والقدرة على فهمها من خلال لغته الروائية المدهشة داخل سياق الرواية، والتي كانت تتناسب مع سرده الغرائبي.

محمود الغيطاني

 مجلة عالم الكتاب

عدد ديسمبر 2017م

مرسلة بواسطة محمود الغيطاني في 4:08 ص

https://mynewar.blogspot.ae/2018/03/blog-post_14.html?spref=fb

 

مسرحي اليوم مقفل… شعر أنور الخطيب

مسرحي اليوم مقفل
أنور الخطيب

أنور3

واقف خلف منصة
لا قصائدَ على مائدة الشعر
لا بوحَ شيطانة هاربة من وادي الظلام
لا سيداتٍ يسرّحن سحرهن في مرايا العقيق
لا مراهقين يمارسون هواية التصفيق
واقف بين صمتي واعتلال الطريق
وللعنة ما، قررت فتحَ بعض المغاليق
فوسْوَسَتْ لحتفي الحروف
لأقرأ ما قالت الكعبة للمنجنيق،
ارتبكت، وصرت في مرمى الحريقِ
وكدت أجثو: يا نارُ كوني ..
فتذكرت: مسرحي الآن مقفل،
والعيون تحملق بي
في انتظار ما يَدُلُّ لا ما يُدلّل
في انتظار ما يشير بإصبعين
للقتيل المقتّل
لدي كل الكلام واللا كلام
وقلبٌ منزّل
يرتل ما لا يرتَّل
مفعم بالخيانة والعشق
والقليل الضليل والكثير المضلَّل
تسللت نحو قلبي..
وجدته يلعب الشطرنج
يبدل خيلا هنا بقلعة هناك
يبدل نبض الحبيب بنبض الغريب
يفرش في الشرايين ما تيسّر من وطن ترمّل
انطلقت كباشق يمارس العشق
مع من تحِلُّ ومن لم تُحلّل
وقلت بعد ذاك الخراب المدلّل:
لأُلقي خطبة للفراغ المبجل
قد يقود الكلام إلى غريبين في شارع مبلل
إلى سائرين في قطار معطل
ثمة كأس تراودني منذ ستين مقتل
يرفعها الذاهبون في غيّهم
يرفعها العائدون من غيبهم
وأنا بين هذا وذاك رأسٌ معطّل
وفكرة، تكتسي ماءها
ساشربها الآن دفعة واحدة
بِصِحةِ الداخلين لحفلة زار ومنجل
بصحة المنتظرين في معقل تعقّل
بصحة من تسرب مني ولم يخنّي
من تسلل لي كالملاك
لأقتُلَه أو لأُقتَل
ففي الحالتين أمضي إلى حيث لعبتي:
كأس مليء بدمي
وكأس مليء بحنظل،
حروف تمارس البغي
أمام وجهي المغفّل،
لم يهدِني الوقت شالا لأستر أحرفي
هدّني العريُ والعجزُ لكنني اكتشفت:
مسرحي الآن مقفل.
لا أحد يقدمني للكراسي
فالكراسي منازل تتنزّل
ثمة لعبة غامضة منذ ولدت
من محفلٍ إثر محفل
لا أحدَ يصفق للاكلام المجوقل
ثمة صمتٌ منذ أبجدية التيه
والكر والفر، عبلة والمهلهل
صمت تناسل فرّخ فخر قبائل
شعرا يقبّل كف الولاة
إذا المال أقبل
صمت تنحنح صار حدودا نشيدا ومعقل
صمت تجشأ، صار حديث الحداثة،
ما بعد بعد الحداثة
صار للصمت مفردات
تقول ما لا يقوّل
تذكرت لعبتي والناسَ والحروفَ والكراسي
والمفرداتِ والدفوفَ والوحيَ المؤجل
وفجأة، قدمني هارب من قومه
كانوا يصنعون آلهة ويأكلونها
فقلت: لخولة أطلالٍ ..
ثم قدمني هارب إلى قومه
كانوا يصنعون آلهة فتأكلهم
فقلت: آن للفارس أن يترجل!
لم يصفق القادمون نحوي
ولا الخارجون مني
لم تستح الجهات
لم تشكل جملةً مفيدةً لهذا الشتات
تذكرت في غمرة العبث المحلَّل:
مسرحي اليوم مقفل.
#أنور_الخطيب

See More

 Comments
Aborozana Abdulkareem

Aborozana Abdulkareem

كما عودتنا لا تأتي الا بكل ابداع
1
Soad Assaf

Soad Assaf

مسرح اليوم مقفل في إستراحة المحارب
وغداً الفكر يصول ويجول في ساحات الحياة ليُحارب الظلم والفقر والخيانة والكفر المُبطّن والجهل المهيمن والهجرة داخل الأوطان وخارجها والعيش المُكدّر من قلة الناس الصادقين
إفتح الستارة اليوم و تأمّل الوجود من خلال شباكٍ يتيم ترى الله وحده فقط هو الرحمان الرحيم See More
2
Mutlaq Alshatop

Mutlaq Alshatop

سيدي …كلّ ما في المسرحِ مُرْسل… تَرَجّل ..قبل أنْ تبقي مجندل …أو بعيداً.. نحو أرضِ الثلجِ إرحلْ… اذهب بعيداً .. وقل ما شئت … بيتُنا كهفٌ عتيق .. من قديم الدهر مقفل… الترتيلُ في الاسواقِ لهواً … ها هنا دار القبيلةِ …ليس فيها مَنْ افاق .. ليس فيها من تَعَقّل…. رائع استاذ انور .. اتمني اني اصبت…………………
القبيله .. تناسخ الافكار والنمطيه تسود المجتمع
الكهف … تحجّر العقول ونمطيه شخصيه غير قابله للتغيير
السوق … الفوضي والمفردات العقيمه المبتذله يضيع في صخبها كل كلمة عظيمه
المسرح … تاريخ مشوش يختلط فيه الحق في الباطل…
الفكره مستوحاه من اوهام( فرانسيس بيكون) الاربعه
11
Linda Mch

Linda Mch

جميلة جداً…دام حرفك.
11
Haifa Fakhry

Haifa Fakhry

محبتي أيها المبدع
11
Naim Issa

Naim Issa

قمة في استدراج الماضي من خلال حوارية ذانية رائعة ترجمها التساؤل المحير.
دمت مبدعا متألقا ولازال المخبوء أغزر .
2
Issam Elkhatib

Issam Elkhatib

لا قصائد في حضرة الشعر المرتل لا تبوح بسر هاربة من رجس مغفل ولا تفوح منها سحر النساء المترفات بالعقيق ولا تلوح من مراياهن نزوة التصفيق لمن فروا من وادي الظلام العتيق…ولا فتية يمارسون التخفي في اعتلال الطريق واقف انت بين صمت يسد الأبواب وصوت يوصد الاقفال في المغاليق …هو الصدأ يعتري النفوس ام لعنة الحروف أمارة بشبهة البسوس او ناقة تجثم في رحى الطريق لا تبقي ولا تذر في مرمى الحريق !
وانت ترتل النار سلاما ومقاما والعيون تحملق فيك كمن يحمل قشة الغريق في اصبعيه فلا انت قادر ان تلجم الطوف الهادر ولا انت بقادر انت تقحم الطوق الأسر لكاهليك في انتظار ما لا يدلل وما يدل للكلام المقتل. .وقلبك على فطرة الخلق يرتل الكثير من ظل مظلل بالحق والقليل من كيد مضلل
سر بقلبك نحو مروج النفس واسرح أنا شئت كل الأرواح تزدان بخيلك في قلبك متسع للحبيب الطريب للغريب القريب لنبضك لا يلجم ما تيسر من عشق وما تعسر من وطن يلاقيك في أعلى القمم ترجل لا يوجد في ناموسك وطن ترمل ولا مضارب تقفل..فالمسارح يا صديقي تحل الحرام بحل مبجل ….!
فلا انت خطيب الفراغ ولا انت بكأس معسل ..ثمة عهر يراودهم منذ ستين مقتل وأكثر هم الزاءفون المارقون بغيهم يقودهم رأس معطل ..وثمة فكرة تأتي ولا تأتي على سرر ومحفل بصحة المنتظرين في الأدوار بصحة الداخلين في الأطوار تشبه عصرا تحلل ….وانت يا صديقي في الحالتين كاسين امرهما حنظل …واحد يلهو بقطرة ماء يراه غيثا يهطل واخر يمارس البغي ويستحيي وجها مغفل واخر يتقمص حرفا ويعري شعرا ترجل ..وأمة تتسابق الكراسي كقفير نحل تغزل وشهدها شاهدها وقطافها لا يتنزل ..ولا أحد يصفق للا كلام في أبجدية التيه والتحريف والتخريف المجوقل ..جهل تناسل ففرخنا قبائل تناحرت إذا الخير أقبل ..صمتنا رعينا ومعقلنا سنين عجاف وخراف وقطاف اينع زهرا فاكلناه وبات الخيل مؤجر والنصر مؤجل وكل شيء مبعثر………دمت مبدعا صديقي الأديب انور الخطيب…
22
Ibrahim Kassem Aoudi

Ibrahim Kassem Aoudi

بصحة الفارس الذي آنَ له أن يترجَّل ….. إبداع فكري وشعري
11
Wassila Mekki

Wassila Mekki

رائعة آداء وكلمات، نبرة الحزن التي اسبغتهاعلى الكلمات ،والموسيقى تبحثان عن كيفيةاستنطاق الحزن الرابض خلف اسوار قلب الشاعر الذي يريد قول
اشياء اخرى لكنه يستوقف المستمع بقوله مسرحي اليوم مقفل، كلمات كثيرة محكمة الترابط تشد على معان غاية في الالم ، البعض الذي يتسرب من الشاعر في حالات وعيه مؤلم للغاية ، وعادة ما نحب طي صفحة
الكلمات الكبيرة العابر ة للآلام نلوذ للصمت
كذلك يحاول الشعر، غير ان الكلمات تظل تنساب من مسامات الروح المعذبة، شكرا لك استاذ على فسحتك الدائمة.
1
Hadibi Aissa

Hadibi Aissa

في صوتك بحة ناي القصيدة ومفرداتك رسم معان جميلة، وفي كل مقطع من القصيدة توّلد قصيدة، ما أروعك وأنت تقول:

لم تستح الجهات See More

1
Fayez Fares

Fayez Fares

مسرحك لم ولن يقفل ما دامت قلوبنا تضجّ بشعركَ ..
11
Kamal Ahmad

Kamal Ahmad

كما قيل في التراث والموروث….الصمت أكثر وابعد صدى.. وأبلغ رسالة من الكثير من صخب وضجيج البوح من قبل بعض دعاة الابداع…وما إعلانك عن إغلاق مصاريع المسرح…إلا أنه إشهار ونداء وصرخة على افتتاح المسرح وللإلتئام على مقاعد النظارة …والتمتع والإستمتاع بمشاهد وعروض مسرحك الجميل…الذي يصول ويجول فوقه وعليه …عمق الفكر…وبلاغة الحرف…دمت مبدعا….
11

Charlie Madi

….لا يا صديقي …مسرحك لا يقفل …
11
جاسم الحمود

جاسم الحمود

استعراض بترتيب منثور متقن اللغة والايقاع،،لكل الاضاآت الوهمية والمضللة للاحداث التارخية وكشف التفاصيل المرعبة،،،تحياتى لك
1
Sara Bahzad

Sara Bahzad

كالعاده تمضي بنا الى ألما وراء ونثر على المعنى وجع الانام صديد أرواح تاهت بالكراسي ولعبه المسرح تنتشي بهم ،، واين المصير من ذاك و ذاك ! فراغ يلملمنا بصمت ،، ونسيت أن مسرحك اليوم مقفل 💔🌹🌹🌹🌹 قصائدك لا يكفي ان تقرا مره واحده بل مرارا حتى نشبع فضل المعنى لدينا ،، بوركت هذه الروح يا أبتي وأستاذي الغالي 🌹
1
ناصر درويش

ناصر درويش

لم يزرني الإلَهُ منذُ أن كتب أنور الخطيب شعرهُ وقرأته أنا ؛
وتدثرت بما به تعثرت وتبعثرت ؛
منتشياً بما لا يُسكر كالكلام …………
112
 
محمود جمعة

محمود جمعة

لك الشعر طيعا سلسلا لكنه عميق الفكر ممتع .. لله درك
1
Ahmed Alamir

Ahmed Alamir

عمق حزين، وجرح دفين، وحروف مسكونة بالعبرات، وكلمات محشوة بالمآلات، تستنطق عبق الحنين لما فات، حالمة بما هو آت، تستعطف الفاررس ألا يترجل، متوسلة إلى المسرح ألا يقفل … دمت مبدعا متألقا كما عودتنا، صديقي الشاعر الأديب أ/أنور الخطيب
22
Kadhejah Salamah Khalefah

Kadhejah Salamah Khalefah

ابداع في سرد الماضي وتاريخ عظيم وحاضر وواقع فوضى وانتظار مايخالف هذا الألم تحياتي واتمنى لك مزيدا التألق ووصف حاضرنا وماضينا بحروف وجمل لعلها تهدأ المتا واوجاعنا
11
Ahmad Khader

Ahmad Khader

أنور الخطيب شاعر يسكن الوجدان، ومبدع في الدفاع عن الحلم والقيم الجميلة، ينتمي شعره إلى أوجاعنا المريرة التي كشف عنها الواقع المعاش، إنه يبحث عن مصيره ومصير شعبه، فيجد أن المسرح مقفل،، إنه الزمن الذي لا يرحم أحداً.
11
نوار الشاطر

نوار الشاطر

مسرح شعرك
مفتوح الأفق
لا يمكن للسماء See More
1
حورية عبيدة

حورية عبيدة

وكيف يُقفل مسرح بطله يرفل بثوب الإبداع قصةً وقصيداً.. روايةً ومقالا؟!
كيف يُقفل مسرحٌ بطلُه حَواريّ عاشقٌ للكلمة الأنيقة المعتقة بنفثات حبر روح محتفية دوماً ببهيج الحياة رغم حزنه السرمدي؟!
كيف يُقفل مسرحٌ بنيانه مرمري مسكونٌ بترانيم ومزامير فسيفساء الحروف المقدسة؟!
طوباك شاعري وسعداك.. انهض وافتح مسرحك وقف عليه وأنت تتيه وتميس كطاووس..ً فالجمهور ينتظر منك مزيداً من ألق يراعك.. ولا يقبل الأعذار.
ً
1
Naim Issa

Naim Issa

مقفل على الذين لا يقدرون معنى الكلمة أو يحددون معالم الصورة الشعرية وأبعادها
ورسالة الكلمة ذات الدلالات ورموزها .
1
د.أديب حسن

د.أديب حسن

مبدع
1
Nada Hoteit

Nada Hoteit

بديع 🌹
1
لألئ المعرفة والأدب

لألئ المعرفة والأدب

كلماتك تعبر عما بي
تشابه إحساس
دمت با صديقي ودام حرفك .

الغيوم حتما تحمل المطر …

رائع صديقي الشاعر

11Sabah Al Saleh

Sabah Al Saleh

شمعة مضاءه استاذ انور بشعرك الرائع اذا كنت موجود او مسرحك مقفل …واتمنى ان يبقى مسرحك على مسرعية لاعطاء المزيد من الكلمات الرائعة … تحياتي
11
Madleen G Akkary

Madleen G Akkary

ايها الكبير
كم هزتني هذه القصيدة الأكثر من رائعة والتي ترجمها صوتك الحزين كم هزتني هذه الكلمات وجف حلقي وتخرسن لساني مالذي أقوله وأنا أرتجف أمام عملاق ركعت كل الكلمات عند قدميه والحروف كالفراشات تحوم حول قنديل فكره والمعاني راحت ترقص حوله
لك ألف تحية مودة وتقدير والف الف زهرة من الياسمين شكراً ايها الكبير
11
Hussein Kawtharani

Hussein Kawtharani

اجمل ما قرأت…ويكفي
11
Nagwa H. Elmaghrabi

Nagwa H. Elmaghrabi

نص يراقص ارواحنا