كل الجمهوريات تسقط الا جمهورية الشعر..بقلم الشاعر مردوك الشامي

كل الجمهوريات تسقط الا جمهورية الشعر

بقلم الشاعر مردوك الشامي

الشاعر مردوك الشامي

كل الجمهوريات تسقط ، الا جمهورية الشعر ، وكل الجمهوريات تشهد الانقلابات والثورات ويسقط فيها الضحايا ويكبر فيها الطغاة ، إلا جمهورية الشعر.

تخيلوا عالما يحكمه الشعراء ..

عالما تضع قوانينَه القلوب ، عالما يكون رايتَه الواحدةَ قوسُ قزح يزنر خصر السماء لكي تقوم إلى الرقص..

جمهورية الشعر بياضٌ ومحبة وفهم عميق لأبجدية النبض وقواميس العناق ، لكن هل في واقعنا المأزوم جمهوريةٌ حقيقية للشعر ، نلوذ بها وقت نشعر بالضياع ، ونقدم لفراشاتها أوراقَ انتمائنا للشجرة والساقية والعصفور؟..

أم الشعر أيضا تعرّض للتلوث ، وتصدعت فضاءاته المفتوحة على الدهشة أمام هجمة المدعين ومريدي الخراب؟..

وهل الشعر الذي ينسكب اليوم مهطالاً من جرار الهشاشة واللاشعر ، يمثل لنا الحلم الذي نحاول الإبحار إليه؟..

وهل كل الذين يطلقون أو نطلق عليهم لقبَ شعراء ، هم شعراء حقا وشاعرات؟..

وفي هذا الجمع الكريم كما في كل جمع مماثل، شعراءٌ وأنصافٌ ومدّعون أيضا ومدعيات ، واعذروا وقاحتي حين أقول صادقا كل واحد منا يساهم إمّا عامدا أو مجاملا في تكريس الخلل والانحراف، وجميعنا يتصدى سرا وعلانية لهذه الهجمة على كنيسة القصيدة الأصيلة ومسجد البوح الجليل ، ويعلن وقوفه إلى جانب الشعر، وحربه على المتسلقين .

إذاً كلنا ندعي الحرص على جلالة الشعر ، وكلنا ننهض لمؤازرته ، وفي هذا الكل كثير ممن هم في الأصل أصلُ البلاء العظيم !.

أين يكمن الخلل إذاً ، ومن الملام ، ومن الذي يستحق أن يحمل العصى ليطرد الطيور القمّامة ، عن مائدة البريق ، ويفتح الحقول لتعبر آمنة غزالاتُ الضوء ، وأيائل المسرات؟..

أقول عني وعن كثيرين منكم : الضمير ، الضميرُ.. لا الناقد يصلح ، ولا الإعلامي ، ولا القارىء ، ولا متابعو الشعر ، الضمير وحده فيصل البيان ، ضمير الشاعر ، وضمير المتلقي ، وضمير الناقد ، إنْ وجد حقا نقاد لا ينحازون إلى تكريس الفقاعة والنشاز.

وأظن أن هناك ضميراً حياً ، مستترا ، أو منفصلا ، أو هو ينمو في مهد القراءات السوية، سيكبر ذات يوم.

أطلت قليلا في تفسير القلق الذي ينتابني كماكم هناك ، واعود إلى الهُنا ، إلى حيث تتشكل جمهورية شعرٍ فيها صفاء وفيها اتساع ، وفيها مواطنون من كل الطبقات ، شعراء وغير شعراء ، وساعون إلى استحقاق اللقب أيضا.

أقصد جمهورية القناديل السهرانة ، وهي رغم ما تتعرض له من محاولات غزو، وإرباك ، وهجمات ، وزخات صاروخية طائشة تحت شعار الحرص على القصيدة من جهات عديدة لم تقدم للقصيدة قيد حرف مضيء ، تستمر وتنشط وتعطي.

القناديل السهرانة حالة مختلفة ، وأقولها ليس لأني اقف على منبرها اليوم ، بل لأني توغلت في تفاصيلها ، وتابعت تأثيرها الايجابي لأكثر من عامين ، وتقاسمت رغيف الوجع مع مؤسسها النابض كقلب ، وهو يحفر مع ثلة من المؤمنين بالهدف الأسمى ، إعادة الدور للشاعر والقصيدة ، يحفر الدروب والحجارة الصماء لينبثق دفاقا الضوءُ رغم الحلك ..

ليست سهرات القناديل ، أمسيات شعر فحسب، هي سهرات حياة، سهرات إعادة الحياة إلى كل ما هو مبدع ونبيل ، إلى اللغة ، والصورة واللوحة والنغم والصوت العذب، لهذا حين تهمس القناديل لروادها قبل كل سهرة قنديلية “كونو كتار” إنما تفعل لتنصر الابداع على التلوث الذي يجتاحنا من كل حدب وصوب، تفعل ليزداد عدد المتذوقين ، وكلما ازدادوا واحدا ، كلما نقص عدد الطرشان عشرة .

إذا كونو كتار ، لأننا هنا نؤسس لجمهورية الفرح وعشق الحياة.

أما عن سهرة الليلة ، فركائزها شعر أصيل ، ونغمٌ وصوت يجيء من بهاء الذاكرة ، ورسم على الأفئدة يأتي من محترف الجمال..

هي سهرة إبداع حقيقي ، يكتمل فعلا بهذا الجمهور الذي بات ينتظر الأربعاء الأول من كل شهر ، ليلتقط أنفاسه بعيدا عن الاستهلاك والعبث.

وسام كمال الدين ، هذا المرهف كنسمة ، كم أقرأ في لوحاته شعرا ، وكم أرى في قصائده بوحا من قماشة الحرير..وسام رسام فيه أصالة وتجلّ ، وفيه تجديد وارتفاعات إلى أعالي البذخ كي يلتقط فكرة منتشية باللون وقراءة التوليف.

أما عن شاعرَي هذه الليلة ، الدكتورة المبدعة يسرى البيطار، والمتألق علي وهبي دهيني ، فيقال فيهما الكثير ..كلاهما من قماشة الضوء ، ومحبرة الكرامات..

حين أقرأ يسرى البيطار أو أسمعها تنشد نبضها ، أشعر أن الشعر بخير ، لن أطلق على نتاجها تسمية شعر نسوي ، أنا لست مع تجنيس القصيدة ووضعها في فستان مزركش أو بنطال رجالي.. الشعر هو الشعر ، ويسرى البيطار شاعرة تنتمي إلى مطارح نتوق لاستعادتها كي تستعيد ساحة البوح فضيلة التوهج والاشتعال ..

لغة قوية لا تختلس شرعيتها من اسمنتية القواميس ، هي تستمد من الحياة طراوة الجذور لتؤسس على ليونة المبنى متانةَ المعنى والتغريدَ خارج سرب كشاشات الحمام ..

شاعرة من شمال لبنان، حائزة على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، وشهادة الكفاءة في التربية، ودراسات عليا في الحقوق.. أستاذة اللغة العربية والألسنية في الجامعة اللبنانية، وفي الجامعة اللبنانية الأميركية LAU … حائزة على جائزة ناجي نعمان الأدبية العالمية للإبداع عام 2016 عن قصائد من ديوانها “أكاد من المحبة أسقط” ،، ترجمت لها قصائد إلى الإنكليزية والألمانية ، لها أبحاث منشورة في الألسنية وفي النقد الأدبي.. قال عنها الدكتور يوسف عيد مدير كلية الآداب في الجامعة اللبنانية : “افرحي يا دنيا الأدب، فها هي ربة الشعر الصغيرة آتية على خيل أصيلة” .

وأنا أقول هنيئا للقصيدة المعاصرة بشاعرة تقفُ على الأرض ، وجبينُها شمسُ سماء..مرحبا دكتورة يسرى..

علي وهبي دهيني ، شاعر يمتلىء بريقا ووداعة ومقدرة على إيصال نبضه من خلال توظيف لغته الساحرة في بلاط الادهاش ..ينسج على الإيقاع قصائده فيوقعنا في شـِـراك الجمال والابداع السهل المنيع، يموسق بخفة المايسترو وحنكة الريح حروفه ، ويوشح أفكاره بالوطن والحب والانسان..يقارب الفراهيدي أصالة ، ويلامس الحياة والواقع معاصرة..

علي وهبي دهيني ابن الجنوب اللبناني ، هناك حيث الشعر رغيف الناس ، يكتب الشعر فصيحا ومحكيا على نكهة الفرادة ، والشعر الشعر ليس في العباءة بل الروح وفي الشعرية والجمر.

( مدرّس ) في التعليم الرسمي، وحضوره كبير ومؤثر في كثير من المنتديات على امتداد الساحة اللبنانية ، وله مشاركات تركت آثارا إيجابية بلا حدود في مسابقات دولية .

عضو الحركة الثقافية في لبنان وعضو اتحاد الكتاب اللبنانيين

وعضو بيت الشعر. له ديوان بالفصحى بعنوان ( يقظة القوافي) وديوان باللغة المحكية اللبنانية ( ناطور الورق ) صدر العام الماضي.

مردوك الشامي على الفيسبوك

https://www.facebook.com/mardouk.alshami

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *