رواية شوق مزمن للروائي أنور الخطيب-الفصل الخامس

رواية شوق مزمن – الفصل الخامس

الفصل الخامس

نجاة

(أشعر بانتشاء، اغمرني بنظراتك القاتلة، أرغب بالموت الآن..).

 قابلتُ صلاح لحظة توقيعه العقد مع الصحيفة، وسامته لم تجذبني، شعره الطويل الناعم الفوضوي أوحى لي بصعلكته، جسده النحيف أنبأني بضعفه، سروال الجينز الذي كان يرتديه وفوقه قميص طويل يغطي نصفه السفلي حتى منتصف ساقيه ذكرني بفوضى الرجال في البيوت، حذاؤه الضخم رسم أمامي عامل بناء، كوكتيل غريب أقرب إلى العفوية المتوحشة، عطره وحده استمالني، أسكرتني رائحة العشب المتداخل بعطر الياسمين المطعم برائحة الكحول المجبول بالعرق الذكري، شممته وشعرت برغبة فورية للعب من طرف واحد بشعر صدره الأسود والأبيض الكثيف الفائض على قميصه، سألته عن اسم عطره بعد أن سادت ألفة بيننا كزملاء، كان من الأنواع الرخيصة، ما يدل على أن رائحة جسده الطبيعية تمتزج بذاك العطر فتنتج عبق الإغواء، ورغم ذلك لم يجذبني بكلّه، ثمة هوة صغيرة كانت تحول بيني وبينه، تساءلت، وأقنعت نفسي أن الحب لا يستدعي الأسئلة، وتوصلت إلى نتيجة غبية بأنني لا أحبه، لكن لماذا أوليته اهتمامي إن كنت أحبه أم لا؟ لم أتوصل إلى إجابة في تلك المرحلة من تعارفنا.

شرح بعد توقيعه العقد: (أنسى توقيعي دائما، وهذا ما أذكره في هذه اللحظة، استخدمت هذا التوقيع قبل خمسة عشرة سنة ونسيته، يقال إن توقيع الرجل يدل على شخصيته، فهل عدم التزامي بتوقيع محدد يعكس رغبتي بالابتعاد عن الالتزام بشيء؟ رغم أنني حين أعشق أضجِر حبيبتي من شدة حرصي على قلبها..).

لم أطلب منه الحديث عن تواقيعه، ولذا لم أجبه، فتح موضوعا نفسيا فلسفيا لا علاقة لي به، ما معنى الانشغال بشكل توقيعاتنا وخطوطنا! أذكر أنه وقع العقد بنقطة تلاها خط مستقيم، لم أناقشه في أمر تافه كذاك، اعتبرته حرية شخصية، هو حر في اختيار التوقيع مثلما هو حر في ارتداء سروال جينز طوال الوقت، واصل: ( يبدو أنني سأتذكر هذا التوقيع دائما، لأنه نقطة البداية في العمل الصحفي هنا..).

استفسرت: (ألم تعمل في الصحافة من قبل؟).

أنّبني بهدوء: (كأنكِ لم تسمعي كلمة “هنا”، لقد عملت في دولة عربية في شمال أفريقيا، كنت أشرف على ملف سياسي خاص بالقضية الفلسطينية، طبيعة عملي فرضت علي عدم مغادرة المكتب إلا لمحاورة أحد المسؤولين النزقين. مللت من طبيعة العمل، قضيتنا إلى تراجع انعكس عليّ، وضجرت من المكان رغم جماله وحيويته فقدمت استقالتي، ولهذا أنا لست صحفيا عاديا ولن أكون، واتفاقي مع صحيفتكم يُرضي حريتي في الحركة، صحيح أن المسمى في العقد هو محرر، لكنني في الحقيقة محرر ميداني، المكان مفتوح أمامي، قد أكتب تحقيقا عن الطرق أو خزانات المياه، أو تحقيقا عن انتشار انفلونزا الخنازير، أو عن التعليم وحرص الأهالي على تعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية، أو ربما أكتب تحقيقا حول انتشار العاهرات في الفنادق، وظاهرة المثليين والمثليات، أو عن البنات المسترجلات، أو العنوسة أو الطلاق، أو عن مفهوم الناس للوطن، أو خيانة الرجال، موضوعات كثيرة..).

جاملته: (ربما يخدم عملك اشتغالك بالأدب وكتابة الروايات، كنت قد قرأت حواراً معك في صحيفتنا، على كل حال، أتمنى لك التوفيق..)

نهض بشكل مفاجئ ظنّا منه أنني أنهي المقابلة: (الآن أتجاوز النقطة وأخطو الخطوة الأولى على الخط..).

شكرني وغادر، تمنيت مكوثه لأستمتع في سري برائحته.

مر أكثر من ثلاثة أعوام لم ألتق به سوى دقائق قليلة، كاد الوقت أن يواري صورته ورائحته، خاصة أنه كان يستقبل نساء كثيرات في العمل، ويخرج لوداعهن فرحا كطفل، شعرت أن قلبه يتعلق بهن جميعا، إلى أن حدث أمر شغل الصحيفة بأكملها؛ وقع إشكال بينه وبين عبد الحي، أحد رؤساء الأقسام، بعد اكتشافه مؤامرة كان يحيكها ضده، تحاورا بلغة حادة وخشنة ومتوترة في البداية، ما لبثت أن تحولت إلى صراخ وكادا أن يشتبكا بالأيدي، تدخل الزملاء وفصلوا بينهما.

استقر صلاح في مكتبه لكنه سمع عبد الحي فجأة يتمتم في مكتبه، وينعته برجل العصابات وتربية مخيمات النازحين، لم يرد عليه صلاح، فانتهز الفرصة وصعّد من لغته ولعن أمه والزمن الذي جعله يعمل مع أناس لا يعرف أصلهم ولا فصلهم، اندفع صلاح باتجاهه وهو يحمل سكينا كان يقطع فيها الأخبار من وكالات الأنباء، توقف حين وصل حدود مكتبه ووجه كلامه له بهدوء من سيُقتل بدم بارد: (أخرج من مكتبك كي أعلمك كيف يتصرف رجال العصابات حين تُلعن أمهاتهم..). أخذ الرجل بالصراخ والاحتجاج، توافد الزملاء وفصلوا بينهم للمرة الثانية وساد الهدوء لأكثر من ساعة، لكن صلاح توجه إلى مكتب عبد الحي قبل مغادرته للصحيفة، حملق به بشكل متواصل ولم ينبس ببنت شفة، ورحل.

أغمي على عبد الحي بعدها بدقائق، سأله زميله حين استفاق: (ماذا حدث يارجل؟). دعك عينيه: (لا أعلم، وقف صلاح أمامي، رأيت في وجهه وجه ذئب، وقال جملة واحدة بصوت منخفض وهو يكز على أسنانه: “أتلعن أمي؟!”.

كان يشد على قبضته كم يطحن جمرا، بعدها وجّه نحوي نظرات غريبة من عينين حمراوين، أحسست أن جسدي الضخم ينكمش، ورئتي تضيقان، وهواء المكتب قد أُفرغ من الأوكسجين، فسقط رأسي على الطاولة..).

صار صلاح حديث الصحيفة، تساءل كثيرون كيف يمكن لرجل هادئ وشاعر رقيق أن يتحول خلال لحظات إلى محارب بالسلاح الأبيض! دافع عنه كثيرون فيما بينهم، تفهّموا ردة فعله، ونعت البعض سلوكه بالغريب. وبعضهم ممن تربطه علاقة برئيس القسم وصفه برجل شوارع في ثياب أديب، واستدل بشَعره ولباسه وشاربه الكثيف، وقال أحدهم إنه شاهد صلاح يغادر مبنى الصحيفة ركضا رغم بلوغة الخمسين من عمره، في طقس حار ورطب جدا، راقبه حتى وصل منطقة سكنه.

هل ركض صلاح لينفس عن غضب استبد به؟ وماذا لو لم يقطع تلك المسافة ركضا، هل كان سيهجم كالثور على زميله فيشرّحه بسكينه الصغيرة الحادة؟

نقل أحد الزملاء الذين زاروا صلاح في شقته الصغيرة وخلع نعليه قبل الدخول بناء على رغبته، إنه لا يستخدم مكيّف الهواء حتى في فصل الصيف، سأله عن سر قدرته على تحمل الحرارة والرطوبة فأخبره: (جلسة تأملٍ قبل النوم، أستحضر فيها ربيع بلادي، تُبقيني منتعشاً حتى الصباح، أما النهار فأنا كفيل به، جميعكم تشكون من نقص في فيتامين “دال” وأوجاع في المفاصل، أما أنا فتربطني بالشمس علاقة حب..).

هل ما شممته كان رائحة عرق صلاح؟ وما نوع الغذاء الذي يتناوله فيجعل جسده ينز ياسمينا ونبيذا! انتابتني رغبة بتضميخ جسدي بعرقه، كانت فكرة مجنونة، لكنها مناسبة لامرأة مثلي، وصلت الأربعين ولم يمسس أجزاءها الحساسة بشر، يبدو أنني أشتهيه ولا أحبه.

بعد عشرين يوما من المشكلة، أصر الزملاء في إدارة شؤون الموظفين على الاحتفال بعيد ميلادي الخامس والثلاثين، بعد انفضاض الجميع، وصلني صندوق ملفوف بورق هدايا مرسوم عليها ورود وأطفال يجتمعون حول امرأة عجوز، عجزت عن تحليل الرسومات بعد تأمل طويل، فتحت الصندوق، فاحت منه رائحة صلاح، رغم احتواء الصندوق عطرا من النوع الفاخر غالي الثمن، كان عطري المفضل الذي أستخدمه في الصباح؛ مزيج من الخزامى والعود، قرأت بطاقة صغيرة كُتب عليها: (أتمنى لك عمراً مديداً معطرا بالفرح. التوقيع: ص.ــــــــــ).

منذ ذلك الوقت، تراجعت عن اتهامي لصلاح بالبخل.

بصفتي مديرة شؤون الموظفين؛ أعلم أن كثيرين تبدأ أسماؤهم بحرف الصاد، لكنني اتصلت مباشرة بصلاح، شكرته واستأذنته بالحضور إلى مكتبي، تمنّى لي عيدا سعيدا واعتذر لانشغاله الشديد، لكنه أدهشني بحضوره بعد دقائق قليلة: (هل أعجبتك؟).

سألته بفرح: (كيف عرفت نوع عطري المفضل أستاذ صلاح؟)

نظر من النافذة: (عطرك يملأ المكتب والممرات سيدتي، يفوح منك كلما حركت كفك، أو غيرت وضعية “الشيلة” على شعرك، ثم أنه علق بنسخة عقد العمل، يبدو أن عطرك هو النقطة..هذا فأل جميل..).

أربكني، تحدث كالعارف بحواراتي الداخلية، وبعطره المخلوط بعرق جسده الذي سكن عيني، قال وهو يرسم عيني بنظراته: (هل يمكنني الاستيلاء على بعض من وقتك؟).

أحسسته يطلب الاستيلاء عليّ: (لك ما طلبت..).

تفقد المكان بالتفاتات حذره كمن سيبوح بسر خطير للغاية: (إنه موضوع خاص سيدتي..).

سألته عن سبب اختياري ليودع صدري سره فأجاب: (من يستعذب رائحتي أؤمّنه على روحي..).

لم يعطني فرصة التساؤل عن كيفية معرفته استعذابي لرائحته، تحدث مباشرة: (علمت بلا أدنى شك بسوء التفاهم الذي وقع بيني وبين زميلي العزيز عبدالحي، لقد مسني في قلبي ولعن طفلتي المقدسة، يبدو أن أحدهم كتب تقريرا بالإشكال فاستدعتني إدارة الأمن.. هل أكمل؟).

لم أدر بوجود مخبرين في الصحيفة، ثم إن سوء التفاهم بين الزملاء من اختصاص الإدارة وليس جهاز الامن؛ وقد حفظنا ملف الإشكال بعد المصالحة التي تمت برعاية مدير التحرير، طلبت منه مواصلة تفريغ ما بصدره، كان مهموما.

قال: (كلا ياسيدتي، لست مهموما، أنا لا أخشى رجال الأمن، ألفتهم لكثرة احتكاكي بهم، ولكن حين أبصر أحدهم ينتابني الغثيان، فأنا بكل بساطة أشك بانتماءاتهم، بغض النظر عن البلد التي ينتمون إليها، فهم يرتدون أقنعة ويبيعون أنفسهم لمن يدفع أكثر، ثم أن أشكال وجوههم لا تعجبني، لهم عيون واسعة في وجوه مربعة، سألني إن كنت أجيد استخدام السلاح، والى أي تنظيم أنتمي، وأسماء أصدقائي والدول التي زرتها، وطلب مني اسم شخص يعرّف بي فزودته باسمك، فملفي لديك وأنت خير من يزودهم بالمعلومات الحقيقية..).

نبّهته: (لا أعتقد أنهم يبحثون عن اسمك وتاريخ ميلادك ومؤهلاتك وخبراتك واللغات التي تجيدها، هل أجبتهم؟).

أجاب: (أنا لا أكذب، قلت لهم إنني انخرطت في شبابي المبكّر في دورة تدريب قتال خاص، وأجيد استخدام أنواع الأسلحة الخفيفة كافة، وحصلت خلال دراستي الجامعية على حزام أسود في رياضة الدفاع عن النفس “الكاراتيه”، وكنت ماهراً في إصابة الهدف بدقة بواسطة السكين، كما أنني كنت قناصاً ماهراً لا أخطئ هدفي، ثابتا كان أو متحركا، لقد فرحت لسؤاله، وقلت له بطيبة لا يشوبها شائبة: “أعتقد أنكم ستنظمون دورات تدريبية للشباب لتأهيلهم لمحاربة العدو الصهيوني، هذا عمل رائع تُشكرون عليه، وسيرفع اسم بلادكم عاليا في أوساط اللاجئين، وأعدك أن أكون أول المسجلين، رغم أنِّي في أربعينيات عمري، لكنها فرصة لاستعادة ما تعلمتُه وتدربتُ عليه، أشعر أنِّي نسيت كل شيء، فمنذ عشرين عاما لم أطلق رصاصة واحدة، ولم أقفز في الهواء كما كنت أفعل، فكرت في استعادة لياقتي في ناد للكاراتيه بالقرب من مسكني لكن الوقت ضيق..).

سألته وأنا أشعر أنِّي أمام بطل فيلم سينمائي: (وماذا كانت ردة فعله؟).

أجاب: (عبَّر عن دهشته، وكان يبتسم كلما فصَّلت له الأمر، قال: “لن ننظم أي دروات في الوقت الراهن، ولكن اهتم بعملك فقط ياصلاح، ولا تتهجم على الآخرين..”. علمت أن أحدهم نقل كل ما حصل بيني وبين عبد الحي فقلت: “لكنه لعن أمّي يا سيادة العقيد..”. فسألني: “وهل كل من يلعن أمك تهجم عليه بسكين وتهدده؟”، فأجبته: “وأطلق عليه النار دون تردد..”. سألني: “وهل سبق أن أطلقت النار على أحد؟”، أجبته: “نعم، أطلقت النار على كلب مسعور..”، فابتسم..).

لم أصدق قصة صلاح كلها، ظننته يستعرض أمامي ويختلق حكايات تشبه تلك التي يكتبها فسألته: (وهل تركك تمضي في حال سبيلك؟ ثم لماذا دائرة الأمن وليس مركز الشرطة؟ ما حصل بينك وبين عبد الحي ليس من اختصاص دائرة الأمن..).

اقتنص التهكم الخفي في حديثي، وقف فجأة وأخبرني بأن عبد الحي لم يشتك في مركز الشرطة، وأحد العاملين في الصحيفة رفع تقريرا إلى العقيد عبدالعزيز، فاستدعاه كما يبدو بصفة شخصية ليوصل له رسالة بأنهم يعلمون كل شيء: (جئت أعتذر منك لزجي باسمك في السجلات الأمنية..).

رائحة صلاح لم تكن كافية لأحبه أو أعشقه وأسلمه نفسي، كان غامضاً جداً، لا يختلط بزملائه إلا عند الضرورة، لم يكن لديه أصدقاء مقربين، مات صديقه الوحيد قبل استقالته بعامين، وما زاد من غموضه عدم مغادرته البلاد لعشر سنوات متواصلة، وبقائه في الصحيفة حتى وقت متأخر من الليل يكتب ويقرأ.

دعوته للعشاء في مطعم في فندق فوافق، قال إنه سيرافقني إلى الفندق ولكن ليس إلى المطعم، وإنما إلى مكان فيه ضوء خافت جميل، وموسيقى حالمة، هناك عازف سكسفون بارع يأخذه إلى عوالم بعيدة، وإن الخروج مع امرأة جميلة لا يكون إلى مقهىى، غبي من يفعل ذلك، ولا يجيد التعامل مع النساء.

هبت رائحته المثيرة حين دلف إلى السيارة، راودتني فكرة العودة معه إلى شقته لكنني جبنت بسرعة، تحدثنا في كلام عادي بخجل وتحفظ وتردد.

كنت قد أحتطت للأمر، ارتديت تحت العباءة سروال جينز، وفوقه قميصا فضفاضا طويلا، وسرحت شعري إلى الخلف، أثنى على هيئتي الجديدة دون دهشة، ودخلنا بسرعة إلى مكانه المفضل، مطعم وبار الأكواريوس، لم يسبق لي أن دخلت مكانا كهذا، قلت إن الحياة تقتضي المغامرة أحيانا، اقتربت من إدراك سبب خروجي معه، لم يكن إلا لسبر أغواره أكثر، تآمرت على نفسي وخدعتها.

خلع نعليه، واقترح عليّ مجاراته، اختار زاوية بعيدة عن المرتادين، لا يصلها صوت الموسيقى إلا كموجات ناعمة تسبح فوق محيط هادئ، طلب نبيذاً واشتهيت عصيراً، قضينا معظم وقتنا نستمع لعازف السكسوفون ونتبادل الابتسامات.

أمال رأسه نحوي: (انظري إلى العازف كيف يمسك بآلته ويرفعها نحو الأعلى كأنه يخاطب السماء، وكيف يعطيها من روحه ونبض قلبه، أنا أسافر معه في الطبيعة البعيدة، رغم أن هذه الآلة ليست من تراثنا الشعبي، إلا أنه يحملني إلى سهولنا وغاباتنا وبحارنا وبيوتنا الضائعة، أهيم فوقها كغيمة زائرة وأمضي، هل أعجبك المكان والموسيقى؟).

تجرأت: (مكان جميل، يشجعني على مرافقتك في كل زياراتك..).

بهدوء: (لا أعتقد، أنا أحضر هنا لألتقي بنفسي، أشحنها بالطاقة وأنظفها من درن الخارج، وأجواء العمل والناس والأسواق والشوارع والخيانات، وأخرج في كل مرة من هنا كحمامة بيضاء، أو كناسك زار الله وعاد بروح طفل..).

تذاكيت: (لا أريد انتشالك من أجوائك الساحرة وأخذك إلى أماكن تزعجك، ولكن قل لي لماذا غاب عبد الحي عن الوعي دون أن تمسَّه أو تحدثه، قالوا إنك وجهت نظراتك إليه فقط، وشعر هو بجسده الضخم ينكمش، كأن شُكَّ بإبر صينية خدّرته، ثم شعر بالاختناق وأغمي عليه للحظات..).

عقد جبينه: (لعن أمي يا نجاة، هل تعلمين ماذا يحدث لي عندما يلعنها أحدهم؟ إنها تنهض في خلاياي، تسري في وريدي، تدوزن نبض قلبي، تسكنني سُكنى حقيقية، بغضبها ونقمتها ولعنتها، فتصبها جميعا على المعتدي، أتحوّل إلى مخلوق متوحّش، سأقول لك، أصبت بحمى في صغري، شارفت فيها على الموت، عجز الأطباء ورجال الدين ومحترفو الحجامة عن إخراج النار من جسمي، حملتني أمي وانتبذت زاوية في البيت، حضنتني تسعة أيام بلياليها، غبت عن الوعي عدة مرات، لم تتنازل عني، أحسست أنها أدخلتني إلى رحمها وولدتني من جديد، في اليوم التاسع أنّت وتألمت وفتحت ذراعيها للسماء وقالت: “خذه بمشيئتك”، ومدّدتني أمامها، صرخت كالأطفال ثم نهضت ومشيت، أنا وُلدت مرتين يا نجاة، كلما سمعت هذا العازف يحضرني أنينها، أستسلم له، أتداخل باللحن فيسحبني إلى رحمها، وحين أتشبع أخرج فجأة..).

بإحساس بالذنب: (هل فصلتُ بينكما هذه الليلة؟).

بتأمل: (ربما وصلتِ بيننا أكثر..).

سألته بحنان: (لماذا لا تزورها؟ منذ عشر سنوات لم تطلب إجازة..).

سارع: (بلى؛ طلبتها مرة وغبت أسبوعاً، جازفتُ من أجل رؤيتها وهي تغيب للأبد، لم أتمكن من احتضانها تسعة أيام وليال كي تُشفى، كنتُ بعيدا ومطارداً ومطلوباً، عودتي كانت محفوفة بالقبض علي وإيداعي غياهب السجون، كنت سأطلب من العسكر منحي دقائق لرؤيتها، لكنني نجوت في يوم مغيبها، أنت تسألين عن عدم سفري، هل سمعت بمذبحة صبرا وشاتيلا؟).

لم أجبه. أخبرني وهو يتأمل بالعازف إنه استدرج أحد القتلة إلى مسرح الجريمة، وأطلق عليه الرصاص أمام حشد من الناس فصفقوا له، وغادر البلاد براً إلى دولة أخرى بسرعة مدهشة، كان ملثّما لكن أحدهم وشى به.

حاولت إعادته إلى الواقع: (دعنا نواصل الاستماع إلى موسيقاك حتى لا نفسد الليل، أمنياتك كثيرة وخيالك واسع..).

أخلى المكان ركضاً كالهارب من قدره، كان يحمل نعليه بيديه، تبعته بسيارتي، تذكرت قصة عودته من الصحيفة ركضا في جور حار ورطب، ظل يركض حتى وصل مكان سكنه، حلّفته بأمه ليدخل السيارة، كان يلهث، وقميصه قد تبلل بالعرق. ما أن دخل حتى انفجر بالبكاء، تركته يبلل خديه وياقة قميصه فامتزجت دموعه بعرقه. توقف عن النشيج، فاحت رائحته، قلت: (أريد مرافقتك لأطمئن عليك..).

طلب مني أن أخلع حذائي، كانت شقته صغيرة، لا سرير فيها، فرشة سرير كانت تحتل نصف غرفة النوم، وطاولة صغيرة للكتابة في غرفة الضيوف، وأريكة طويلة تعلوها الكتب المبعثرة والأوراق المسودة، وعلى الجدران صور أمه، وصوره معها. سألته: (ألا تشعر بالحرارة؟).

أعلمني أنني سأشعر بالبرد بعد قليل، وقف أمامي: (افعلي مثلي..).

خلع قميصه، لم أقاوم توحش عطره وشعر صدره، كان مبتلا بالعرق، احتضنته، وجعلت وجهي بين كتفه ورقبته، همس: (نسائم تهب عليّ من بعيد، تحمل انتعاش عطر أمي، وموسيقى رحمها..).

رجوته: (لا تستدع أحدا أو شيئا، ابق رطبا كما أنت، إنك تسرّب لي ثمالتك، أشعر بانتشاء لم أختبره طوال أربعين عاما، اغمرني بنظراتك القاتلة، أرغب بالموت الآن..).

تلاشى تأثير عطره تدريجيا، بدأت أستعيد وعيي، اكتشفت عريي التام، بينما هو لا يزال يرتدي الجينز وحذاءه الذي يشبه أحذية عمال البناء، واجهني بابتسامة، لكنني كرهت نفسي وكرهته، لملمتني وغادرت راكضة، بالطريقة ذاتها التي غادر فيها مطعم وبار الأكواريوس.

دلف موظف إلى مكتبي وقدم لي التعزية: (علينا إنهاء إجراءات نهاية خدمة عبد الحي والحصول على التقرير الطبي، تمهيداً لتسفير جثته إلى بلده، حاولت زوجته إيقاظه كعادتها اليومية، ولم يجبها..).

كانت صورة صلاح وهو يحملق بعبد الحي أول ما داهم ذاكرتي.

 …….

 صابر

ليس عطر صلاح ما جذب نجاة، تغزُّله بحنّاء يديها بلغة ساحرة فتح نافذة الدهشة في عينيها فاتسعتا، رمى حروفه وتركها تنتظر زيارته لكنه أهملها، تردد في رمي شباكه حولها لسببين، ادعى أولا أنه لا يفهم ثقافتها ولا يمكنه توقّع ردة فعلها، ووافقْته على ذلك، وثانيا، قرر منذ سنوات ألا يرتبط بعلاقة عاطفية بزميلة في العمل، لكنه لم يتوقف عن نثر أبيات من الشعر كلما قابلها صدفة في الصباح أو بعد الظهر ساعة انتهاء دوامها.

في تلك الليلة التي دعاها ودعته إلى السهر سوياً، وَسْوَسْتُ له بأن يتحكّم بأعصابه وشهوته احتراما لقراره: (المرأة في الأربعين كقطعة بوظة ملونة، ما أن يلامس لسانك أنفها حتى تذوب..). شكرته لالتزامه بالنصيحة، حافظ على دثاره رغم عريها الكامل، لا أدري إن حقدت عليه لصموده أم سُرّت لاحترامه لها، وهل عدم اقترابه منها يُعد احتراماًّ ربما حسبَته إهمالا لأنوثتها.

تذكرت فعاتبته: (لماذا تركت نجاة في المطعم وتصرفت برعونة فغادرت وركضت كأنك رأيتها تغمز رجلا في المكان؟).

بأسف: (لأنها لم تصدقني، وصفت خيالي بالواسع، أنت تعرف أيها الصابر عدم إجادتي للتشاجر بالكلام، إما أن أركض كالمسكون بجن، أو أضرب بقوة ثمل، فاخترت الثانية، لكنني أُهزم دائما أمام إلحاح الأنثى، ورغم ذلك التزمت بنصيحتك، هل أنت راض عنّي).

أجبت: (كلا، ما كان عليك الخروج معها، دعنا منها، هل كنت ستشرّح عبد الحي بسكينك أيها الوحش؟).

رد بأسى: (كلا، أنا على علم بمرض عبد الحي بالسكري وضغط الدم، سقط أكثر من مرة مُغمى عليه في الصحيفة، وأردت رفع ضغط دمه فقط، لكنه لم يحتمل، وحين استيقظ من غيبوبته كتب تقريرا وأرسله لدائرة الأمن بواسطة زميل تعاطف معه..).

لاحظتُ أن عبد الحي لم يغب عن ذهن صلاح دقيقة واحدة، شَتْمُه لأمه ظل يتردد في صدره وقلبه ومسمعيه حتى أنه كان يضغط على فوديه من شدة الطرق، وأحيانا ينهض عند الفجر ويركض بملابس النوم في شوارع المدينة الخالية ليتخلص من صوته، لكنه فشل، نصحته بالتصالح معه أو كتابة اسمه مائة مرة على ورقة يلعنه فيها ألف مرة فرفض، صرت أصحبه كل ليلة إلى الملهى الليلي وأقدم له الشراب ليعود ثملا فينام، لكن الخمرة كانت توقظ لعنة أمه أكثر فتركته يفعل ما يشاء.

سألني بعد ورود خبر موت عبدالحي: (هل أنا مجرم وقاتل أيها الصابر؟).

حاولت تهدئته: (هو مريض وأنت مريض، ولا أدري من قتل منكما الآخر..).

سألني بغضب: (هل تعني أنني مقتول أيضا؟). لم أجبه، وتركته يشفي نفسه بالكتابة عن عبد الحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *