رواية شوق مزمن لأنور الخطيب الفصلان التاسع والعاشر

 الفصل التاسع

                                       سلمى

(لا أحد هنا يسكن هذه الدور وحبيبك هنا في ساق تلك الجورية الحمراء)

لزمتُ بيتي المطل على الآخرة عشر سنوات، خمس منها سكنت فيها الشرفة بسبب حلم رأيته وآمنت به، جرحت خلالها زمني بسيف صدىء، ترقّبت في البداية تحليق شاهدَ يوسف حد الذوبان في اللامكان، لينهض قمر وسيم مفتول العضلات، ينفض عن جسده التراب ويعود، ويوقف نزف الدم في جسد الانتظار، يتمطى بكسل، يقفز من آخرته إلى دنياي، ويعيدني إلى الشرفة عروسا من جديد، نرتشف القهوة مع قبلات الصباح، أمام سكان الدنيا والآخرة.

لم اكن أملك معطيات حقيقية تجعلني أستمر في ذاك الجنون المحض سوى حلمي، تمنيت لو يتحرش بي أحد المارين ويسألني عن سبب التصاقي بالشرفة، ويغمزني بشقاوة رجل لعوب، فأنزع بعض الصمغ عن جدرانها.

مرت سنتان وعيناي ملتصقتان بالشاهد الأبيض، ومرت الثلاث الأخرى وأنا أراقب الداخلين إلى الآخرة والخارجين منها، أرصد حركة الناس في الشارع الضيق، تكدست لدي معلومات عن أوقات خروج الموظفين القليلين والعمال الكثيرين إلى أعمالهم، وأوقات مرابطة العشاق أمام بيوت النساء الأرامل والمطلقات والصبايا الصغيرات، شغلت نفسي أيضا بكتابة بعض الخواطر التي يسميها البعض شعرا، كتبت كثيرا حتى ملأت دفترا سميكا، اسميته “قرآن سلمى”.

توقفت سيارة غريبة عند غرفة فوزي العطية؛ حارس الآخرة، في الساعة الواحدة والنصف من بعد ظهر يوم الواحد والعشرين من أيار من العام 2016، ترجل منها رجل خمسيني أنيق ووسيم، سحب حقيبتين من صندوق السيارة بلياقة رياضي متمرس، ناوله السائق علبة كرتون كبيرة وانطلق مسرعا، دار حديث بين الزائر وبين الحارس، تخللته بعض الابتسامات والمصافحات الحارة.

حمل القادم الحي الجديد العلبة، توجه وحيدا نحو الآخرة، جلس قبالة أحد الشواهد، أخرج قالب حلوى، ثبّت شمعة في وسطه، تحدث كثيرا قبل أن يشعلها ويغني:happy birthday to salah .

ذاب بعض الصمغ عن الشرفة، غادرتها مسرعة، كأنني رأيت قمرا مفتول العضلات يتمطى بكسل، كادت سيارة يقودها عفريت أن تحملني إلى الآخرة، نجوت على طبق من الشتائم القذرة، قللت اندفاعي تدريجيا حين تخطيت البوابة وصرت في قلب الآخرة، مشيت مدّعية غرقي في الحزن، اخترت مكانا قريبا من الزائر، قال بصوت المستيقظ للتو من نوم طويل: (صباح الخير ياأمي..).

لم ألتفت ناحيته، مسحت ببطء وهدوء متناه سطح القبر بورقة تين كبيرة وخشنة، قال: (قالوا لي إنني بلغت الستين من عمري، وعليّ أن ألملمم ثيابي وأرحل، قسوت على قلب نجاة وغادرتُ مثل طائرٍ هرمٍ لا يأبه لطلقات صياد، وعدت..). سأل كمن يرى ما لا يُرى: (أتبتسمين؟!)

أرسلتُ نظرة خاطفة إلى القبر، لم أجد أحدا يبتسم، لامست نظرتي وجهه، حدثت نفسي: “يقول إنه في الستين ويبدو في أول الخمسين أو نهاية الأربعينيات، ذاك كان أول تخمين خاطئ يا سلمى..”.

تحدث صلاح كمن يجيب على حوار: (تعلمين أنني أكمل في هذا اليوم ستين عاماً؟ ذاكرتك لا تزال نشطةً ياعمري، ولهذا أحضرت قالب حلوى وفوقه رقم الستين (. ٦)؛ واحدٌ على رأسه نصف مظلة تتجه يساراً، تظلّل صفراً ينكمش أسفل جهة اليمين، كلّما مرت السنون ينبت من أسفل هذا الواحد برعمٌ هرمٌ يتطاول مائلا على استحياء، فإذا وصل طوله طول جاره غاب نصف المظلة، فينتظر جمرة تأتي من السماء لتستقر في الزاوية وتنفلق، ويهوي البرعم الهرم يمينا، وجاره الأكثر هرماً يهوى يساراً، فتأتي مجموعة من الناس تسوّي “الواحدين” حتى يأخذا شكل خطّين متوازيين، فيلقون عليهما قطعة من القماش المقوّى أو لوح خشب، ويحملون الصفر فيمددونه ويرسلونه نحو الغياب..)

رسمتُ عقدة بين حاجبيّ، حاولت فهم ما سمعت وفشلت للمرة الثانية، حتى أمه، كما يبدو اتهمته بالجنون، لكنه واصل: (كلا ياأمي لم أفقد عقلي، هي مجرد صورة رسمتها فقط، أطفأت الشمعة وغنيت لعيدي الستين، وها هو قالب الحلوى على سطح دارك، سأقطعه قطعاً صغيرة وأوزّعها على سكان الدور الأخرى، أعلم أن الغائبين يحبون الحلوى، وأعلم أن منهم من لم يتذوق “الغاتوه” طيلة حياته..).

لم أسمع صوتا يرد عليه لكنه أجاب كمن سمع كلاما يتعلق بالحارس: (طبعاً ياأمي، حسبت حساب الحارس، أحضرت له قالب حلوى ليحمله إلى بيته في المساء، هل ما زالت تتّبعين نظاماً غذائياً يستبعد الحلوى؟ الحلوى مسموحة هنا؟ ولا تؤذي المريض بالسكري؟ ولا شيء يرفع ضغط الدم هنا؟ ولا شيء يخفّضه أيضا؟ لا أوجاع هنا؟ هذه أخبار جيدة ياحلوتي، جميل أن الألم اللئيم الذي كان يتسلل إلى رئتيك ومفاصلك كاللصوص الحاقدة توقّف عن زيارتك إلى الأبد، والله كنت أعلم حجم وجعك في الليل، وكتمانه أمام أبنائك وبناتك والجارات في النهار، انتهى كل شيء الآن؛ لم يعد يصل أنينك الذاهبين إلى صلاة الفجر، غلبتك الخلايا المتوحشة الشرسة، وعجزتِ عن نهرهه عندما استشرست..).

اقتربت منه، التقطت قطعة “غاتوه” وركضت إلى آخر المكان، وضعتها على إحدى الدور، عدت ركضا والتقطت قطعة ثانية وجريت نحو الجهة اليمنى وعدت، ثم إلى الجهة اليسرى فمنتصف المكان، ركضت بسرعة من مكان صلاح وإليه عشر مرات حتى انتهى قالب الحلوى، وعدت إلى مكاني، لم يحدثني، واصل كلامه مع أمه: (اشتاقتك إحدى جاراتك، دخلت البيت وفتشت جوانب سريرك، وألقت الكيس المليء بالدواء في القمامة، وربما قالت “شُفيت أم الفؤاد تماما، لا حاجة لها بعد الآن للدواء”. والقط الأبيض السمين ذو الوبر الطويل الذي اعتنيت به منذ ولادته، ولازمك في كل الأوقات، أوقف مواءه الحزين، فقد الأمل وهجر البيت..).

يمر قط أبيض بسرعة بين الدور ويتقافز في الأمكنة وفوق الشواهد كلها ثم يختفى، يواصل صلاح: (والزهور التي كنت تسقينها كل صباح، وتتحدثين إليها كما كنت تفعلين مع صاحباتك، باتت تعاني من تصلّب في الشرايين، وبعضها أصيبت بكسر في عمودها الفقري..).

تحضر امرأة عجوز تحمل باقة كبيرة من الزهور مختلفة الألوان والأنواع، توزعها على سكان الآخرة، تقدم وردة لصلاح وأخرى لي، وبعدها غادرت بهدوء، يُكمل كأنه لم ير أحدا: (والفقراء المحبّون حدّوا من زياراتهم لغرفتك، والأقارب باعدوا بينهم وبينك، باتوا يلقون عليك التحية من بعيد خوفاً من عدوى الغياب، وطبيبك الذي قدمتِ له وردة الجوري قبل إجرائه لعملية في عينك لا يفتقدك كثيراً، مات، وبقيتِ وحدك، هل تشعرين بالعزلة الآن أيتها الجميلة؟).

أطل رجل بمريوله الأبيض وسماعات طبيب من البوابة الكبيرة، يقترب من دور كثيرة، كان يضع سماعته على الشاهد وينصت، يبتسم ثم يمضي إلى آخر، يدنو من صلاح واضعا سماعة على ظهره، يتقدم منّي فيلامس بها صدري، ينسحب وهو يتمايل منشرح الصدر! لم يأت صلاح بحركة، كأن ما رايته خفي عليه، ماذا يجري ياسلمى؟! مسحتُ دموعي بطرف قميصي، كان صوته واضحا جدا، سربت أكثر من مرة نظراتي إلى مكانه، وقفت وجلست مرات عدة علّه يشعر بوجودي، لكنه ظل مسترسلا في حديثه، لم أحاول رؤية ما يرى، كان ذلك عبثا.

نظفت صدري من الوساوس، وأذنيَّ من الأصوات واستمعت: (أعتذر عن غيابي الطويل يا سيدة قلبي، أود لو أستطيع الآن تقبيل جبينك دون خوف، لو أنحني وألقي برأسي المزدحم بالدروب ورجال الأمن والمحطات والمطارات بهدوء على كفك البيضاء، وأغمض عينيّ لثوانٍ على خطوط العمر، لو أمسّد قدميكِ لعلّ مفاصلك الخشنة ترتاح… لماذا تطلبين مني عدم الاعتذار وقد غبتُ عنك أربعين سنةً بنهاراتها ولياليها؟ هل لأنني كنت أزورك كلما سمعتُ صوتكِ المجروح على الهاتف؟ أو كلّما قلتِ لي: “اشتقتك ياضوء العينين..؟”. أذكر أنني حين همستِ في أذني على الهاتف بخجلٍ شديد: “اشتقتك ياضوء العين..” _لم أسمعك من قبل تعبرين عن شوقك لأحد بهذه الكلمة_ سافرتُ في اليوم التالي، واصطحبتك في الصباح إلى المشفى، زرع الطبيب عدسةً في عينك اليمنى، وحين أزلتِ الرباط بعد ساعةٍ قلتِ لي: “الآن أراك بوضوح أكثر ياضوء العينين”، تحرك ماء عينيّ من فرط حنانك وذكائك، كانت نفسك شامخة كملكات الغيم، تأبى طلبَ ما تحتاجه حتى لو كان من ابنها، ذاك الشموخ الذي أتعبَ كل المحيطين بك، ومنهم أبو القاسم، هل تشتاقينه!؟

-…………………..

سأتجاوز سؤالي، علمتُ فيما بعد أنك كنت تكابدين ألماً في رئتيك ولم ألتقط إيماءاتك؛ كنت تتأملين شجرة اللوز من فتحة الباب الواسعة بصمت حزين، سألتك عن شرودكِ فقلتِ بهدوء ناسكة: “يبدو أن الشجرة هرمت، ولم يعد الهواء يصل إلى صدرها لتعطي المزيد من الزهور..”، اعتقدتُ، وكنت غبياً في اعتقادي، أنك قلتِ شعراً، ألست من أسرةٍ يتوارث أبناؤها الشعر مع الجينات؟ أخواك كانا يرتجلان الشعر، ومعظم أبنائك يتعاطونه، رغم اختصاصاتهم في الطب والقانون والهندسة، لم أفهم أنكِ كنت تلك الشجرة، قبضتِ على جمرك لأيام طويلة، حتى خانك جهازك المناعي وفقدتِ قدرتك على المقاومة، فقلتِ: انقلوني إلى المستشفى، أشعر بسكاكين في رئتي..”، أعتذر عن غبائي، لعنة الله على الشعر، لو كنت أعلم لمنحتك رئتيّ الاثنتين، أقسم لك ياألمي أنني حين تذكرت التاريخ الدقيق الذي نقلوك فيه، كنت أشعر فيه بالاختناق.. أعتذر عن تعطّل جهاز استقبالي لألمك المقدس، إحساسي المفاجئ بالاختناق لم يكن له أي سبب سوى ألمُك، كان عليّ أن أسافر، لكنِّي لم أفعل، فالغربة أمَّارةٌ بالنسيان والتغابي والتواطؤ..).

وقف القادم من الغياب كمن يستعد للصلاة؛ يداه مسبلتان، عيناه تحتضنان الشاهد النظيف، اقتربتُ منه مسافة دارين، سالت دموعه على خديه وفمه المرتعش، توقف عن الكلام، أرسلت السماء رذاذها، بللت شعره والشجرة القريبة منه، انحنى كخطوة صلاة أولى، أسند كفيه على ركبتيه: (عليّ الآن أن أقدم اعتذاري بروحٍ منحنيةٍ أمام دارك، لك ولله، لأنني لم أصلّ عليك، هربتُ من كل تلك الطقوس التي كانت تؤكد غياب ظلك، واختفاءَ نظراتك من النافذة نحو شجرة اللوز، أعتذر أكثر، وأطلب المغفرة عن الهلع الذي سكن ركبتيّ حين أوصلوك إلى هذه الدار، سامحيني ياصاحبة القلب السماوي لأنني لم أسهم في بناء دارك، وفي حَملِك إلى حجرتك الضيقة، ربما رفضتُ فكرة أن يشاركني أحد في حملِك، اعتدت حملَكِ وحدي، تتكئين على كتفي، وأكون عكازتك الوحيدة ياعمري، اغفري لي ياطفلتي عدم اصطفافي في الخارج مع الأهل والأقارب والجيران، بعد انتهاء مراسم إيداعك في دارك، كان الطابور طويلا، والمارُّون به أطول بكثير، خرجت لأن الطابور سيبدأ بالتناقص حتى أجد نفسي وحيدا، بعد أن يكون الجميع قد عانقوني، خفت أن أعانق نفسي وأمشي كالماشين.. تركت الناس واقفين وهربت سريعاً، اختبأت خلف جدارٍ بعيد، كتبت اسمك على حجر أملس، كتلميذٍ يتهجّى الحروف في اليوم الأول في الصف الأول في المدرسة الأولى، سالت دموعي على الحجر حتى جَرَفَتْ اسمك، أدركتُ عندئذٍ بأنني الساكن الوحيد على الكرة الأرضية، فعدت كي آنس بالغياب، وجدت المودّعين قد فارقوا دارك، ففارقتها أيضا، هل رأيتِ كم كنتُ عاقاً وقاسياً؟ اعذريني ياسمائي الرحبة، الطفل الذي ارتداني عجز عن فهم ما حدث، احتلّني الخواء ياأمي، تملّكني إحساس بالون أطلقوه في سماء لا يعرفها..).

يستقيم ثانيةً، يمسح وجهه كأنه قرأ الفاتحة، يجلس، يلتفت يمنة ويسرة يهمهم: (أستأذنك ياأمي، لا أحد يجب أن يلفت انتباهي غيرك، أشعر بوجود كائن يشاركني زيارة المكان..).

انكمشت على ذاتي، بدأت أدّعي تنظيف القبر غير مكترثة لحديثه، درت حول المساحة الصغيرة ذاتها، أترقب اللحظة التي سيتجه فيها نحوي معاتباً متسائلا، جهزت نفسي لإجابات مثلا: “أنا حرة في هذا المكان، لي فيه ما لك..”، لكنه استمر: (هنالك امرأة تجلس إلى جانب إحدى الدور البيضاء، يبدو أنها هناك منذ وقت، تمسح الغبار وتزيل أوراق الشجر اليابسة، تتحدث ولا أستطيع سماعها، تبتسم وتشير إلى الدور المحيطة بها مرة، وإلى السماء مرارا، إنها الآن تشير بإصبعها نحوي، أو نحوك، أو نحو دارك، وربما إلى شجرة اللوز، أو المكان الذي يقبع فيه الحارس، أو إلى الثكنة أو المدينة أو بحرها، أو إلى جهة الغرب أو الجنوب. قلبي يحدثني ياأمي أنّي أعرفها، لكنّي لن أدعها تسرق منّي لحظاتك، كنت أتمنى العودة النهائية من سفري لأجدك في البيت أول من يبتسم لي، أول من يعانقني، نشرب شاي الوصول، ثم نتعشّى، وبين كل لقمة وأخرى أضع حبة زيتون في فمك، وتخجلين من الدلال كعادتك، فتبعدين وجهك وتتناولين حبة زيتون من بين أصابعي، ثم نشرب الشاي ثانية، ونتحدث في كل شيء، وتكونين آخر من أراه قبل نومي………

-……….

كلا ياقلبي لم أغادر، لكنّي لاحظت على سطح دارك آثار مجموعة من الحلزونات وخراج عصافير! الحزن يُعمي ياأمي، استأذن عينيك قليلا، سآتي بالماء وأغسل سطح دارك ليستعيد لونه الناصع، سأقلّم الياسمينة أيضاً بروحي وكفّيَّ، وأهذّب أوراق وردة الجوري الوحيدة التي يميل كأسها بحنوٍ على دارك كأنها تتوسد صدرك..)

انتابني شعور بانتهاء حواره مع أمه، وسيجلب الماء ليغسل دارها ويمضي إلى حال سبيله، قررت المغادرة بعد ذهابه لإحضار الماء. تقابلت نظراتنا عند البوابة، قال لي: (كيف حالك ياسلمى..). قالها كأننا تسامرنا على الشرفة ليلة أمس، هل يقرأ هذا الرجل الوجوه؟ هل يعلم الغيب؟ هل هو ملاك؟ عدت ورقصت بين الدور البيضاء كما الظلال، راقبني حتى انتهيت، ثم اقترب مني وقال: (بعد هذه الرقصة ستعودين إلى البيت، وستجدينه هناك، بعضلاته المفتولة ووسامته المعهودة..).

اقتربت منه كالمأخوذة، تولدت لدي رغبة في عناقه، قرأ سؤالي على وجهي فأجاب: (هل تعلمين أن لا أحد هنا يسكن هذه الدور، لقد نبتوا مع الأشجار والزهور، وحبيبك هنا في ساق تلك الجورية الحمراء، وهو في بيتك، يعتقد الناس أنهم نقلوا أحباءنا إلى هذا المكان، لكنهم لا يعرفون أنهم نقلوا أشجارا مقطوعة، بينما الأشجار الحقيقية بقيت في البيت، حين تعودين يا سلمى، لا تخرجي إلى الشرفة، ادخلي البيت وانظري جيدا إلى ما بعد المكان، ما بعد الأريكة التي كان يجلس عليها، ما بعد قمصانه وسراويله وعلب سجائره، ما بعد صوره، تعطري بعطره وتمددي على سريره واغمضي عينيك، ستشعرين بذراعيه القويتين يضمانك، بقاؤك خمس سنوات على الشرفة يعني أنك تتنفسينه وتتناولين طعامك معه، عودي إلى البيت، وارقصي له كما رقصت قبل قليل..).

رسم لي حلما جميلا، لكنه لم يعد إلى البيت ليحلم كما اقترح علي: (أنا لم أكن في البيت لعشرات السنين، لهذا لم تعد، لا تزال هنا في كأس تلك القرنفلة، سأحملها عما قريب، وسأعود.. اذهبي ياسلمى حتى أحبك أكثر، بالمناسبة؛ هل اكتشفت من قتل يوسف؟).

لا أدري إن كنت أسمع صوته أم صوتي، كان يحرك شفتيه ويغوص في عينيّ ويشير بيده إلى الورد وزهور شجر اللوز، ربما كان يقول لي: “لا تتنصتي على الآخرين في هذه الدنيا، لا أحد يسمع أحدا هنا..”.

تركني واتجه نحو حارس الآخرة، تبعته ثم واصلت سيري، وجدته ينظر نحوي حين خرجت من الشرفة، أشار بأن أقفل الشرفة وأدخل. ففعلت؛ وبدأت ترجمة أشعاره بجسدي.

…………………..

الفصل العاشر

فوزي

(الموسيقى لا تزعج سكان الآخرة..)

كنت عاطلا عن العمل، ككثيرين من أبناء المخيم. شاركت في إيصال أعز أصدقائي إلى الله عصراً، اشتقته فعدت عند المساء بعد مغادرة آخر فرد من أسرته؛ أمه التزمت الصمت حتى منتصف الليل.

في الصباح، اصطحبت معي مسجلا ألقمته شريط نجاة الصغيرة، واحتسيت القهوة فوق داره الأخيرة، بينما كانت نجاة الصغيرة تغني “عيون القلب”، الأغنية التي أدمن كلانا على سماعها في الصباح، خلافا لكل الذين يبدؤون نهارهم مع صوت فيروز الملائكي. صببت فنجانيّ شاي، وحرقت رئتي بالنيكوتين الرخيص، لم أشعر بالسكين وهي تجز الوقت ببطء.

زرته في المساء، كان النسيم منعشا مثيرا للشجن، تبادلت معه أطراف الحديث، حدثته عن زوجته وأبنائه الصابرين وبناته الصامدات، وخروج ابنه للعمل بهمة وإصرار، حدثني عن صعوبة تأقلمه في داره الجديدة، قال إن كل شيء شاسع كالضياع، والعالم الجديد فيه أكثر من أربع جهات، كل جهة محاطة بأجرام سماوية تختلف عن أختها، لم أطلب منه الاستفاضة بالشرح، فتفسير الظاهر ممنوع في عالمه، غادرت في آخر الليل حين انتهت أم كلثوم من غناء “أقبل الليل”.

لم آبه لتعليق زوجتي حين عبّرت بفرح: (رائحتك تشبه ريحان الموت..).

في الصباح وجدتني أحمل قهوتي وسجائري وجهاز التسجيل، وأجلس قبالته، حضرت أخته صبحية، دُهِشت لدى سماع أغنية فيرز “ردني إلى بلادي”، جلستْ قِبالتي فصار صديقي بيننا كملاك، اقترحت: (لم لا تقيم هنا عمو فوزي؟)، سيستأنسون بك في غربتهم الأبدية، وستجد من تتحدث إليه في السياسة، جميعهم رحلوا بداء المنفى..).

كانت صبحية في الثلاثين من عمرها، قارئة نهمة، تتابع الأخبار كالعجائز، تبدي رأيها كالحكيمات، لم تبك أخاها كما تفعل الأخوات كلما مر خيال الأخ في الذاكرة، كانت تجلب معها كل يوم وردة وحبة كاراميل، تتركهما قرب الشاهد وتمضي.

قدحت في رأسي الفكرة، صرت أنهض في الصباح الباكر، أتوجه إلى الآخرة بصحبة قهوتي ومسجلتي، ألقمها بالأغاني الوطنية؛ “ردني إلى بلادي وزهرة المدائن لفيروز، ووين الملايين لجوليا بطرس”، وكاسيت لأشعار مظفر النواب سيّما قصيدته عن القدس، وأطرب حين أسمعه يصرخ: “أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة!؟”، وأحيانا كنت ألقم المسجل بكاسيت قرآن، حين يأتي ساكن جديد، خجلت حين بدأ الزوار بمنحي المال، لكنني اعتدت العطاء، وصرت أعمل عند مؤسسة يفقهها قليلون.

استهجن زوار آخرون الاستماع للأغاني في الآخرة، اتهمني بعضهم بالعربدة، وبعضهم بالتطاول على السكينة الأبدية، وهددني آخرون بالطرد والقتل. لكن كثيرين أيضا لم يعترضوا، ومنهم أقارب من الدرجة الأولى لسكان الآخرة، خاصة أنني كنت أضع أغان حنونة جدا أبكت كثيرين، وهكذا امتهنت إبكاء الناس!

تردد رجل على زيارة المكان، كان يوبخني في كل مرة ويطلب الإخلاء؛ فالأغاني حرام، والتكسّب من وراء الأموات حرام، ووجود النساء حرام، دار حوار بيني وبينه، سأنقله هنا متجنبا وصف ملامح القرف والاستصغار التي كان يرسمها على وجهه:

هو: لماذا تشغل الموسيقى في الآخرة وتزعج سكانها؟

أنا: هل شكا لك أحد منهم وعبّر عن انزعاجه؟

هو: كلا؛ كيف سيحدثني؟

أنا: وكيف علمت بأنه مزعوج؟ عليك أن تذهب هناك أولا وترى إن كان السكان يستمعون إلى الموسيقى أم لا، وحسب ظني أنهم يستمعون، أليست الموسيقى من صنع الله؟

هو: كيف؟

أنا: ألا تسعد حين تستمع لزقزقة العصافير عند الصباح؟ ألا تهدأ روحك وأنت جالس أمام شلال مياه؟ تلك هي موسيقى الله، ونقلها الإنسان إلى شريط واسطوانة وقرص ممغنط.

هو: وأنت؛ هل عبر لك أحد السكان عن سعادته بالموسيقى والأغنيات؟

أنا: نعم؛ وأشاهدهم يرقصون أحيانا في الليل، تعال الليلة وسأدعك ترى..

هرب الرجل كالملسعوع بلحيته الطويلة وثوبه القصير.

لم أغضب حين تناهي إلى علمي تلقيبي بـ “أبو الموت”، لم أتعامل مع المكان كموظف أو عامل، لم أكن أنتظر آخر الشهر لأحصل على راتبي، ولم أكن مديوناً لأحد، وكنت أحمد الله كثيرا عن قرب، وأشكر الموت الذي يهب الحياة.

ذكرني صلاح بالساعات الطويلة التي جلستها قبالة صديقي على مدى سنوات، الفارق بيننا يكمن في استخدامي للغناء والموسيقى كلغة تواصل، ربما لم يكن لديه الوقت الكافي، طغت الأحاديث على جلساته، حدث أمه كأنها متجسدة أمامه.

كانت صبحية تزورني في أوقات متفرقة، تحدثني بعد أن تنتهي من استعراض أخبار العالم، عن هؤلاء الوحيدين النائمين وحدهم في عراء الزمن، في البداية كانت بعض مفرداتها صعبة الفهم لرجل مثلي لم يتخط المرحلة الإبتدائية، لكن تكرار مجالستي لها فتح لي مسارات في الأرض والسماء وصلت حد الكشف.

يحلو لي استعادة مشهد قدوم صلاح؛ توقفت سيارة غريبة أمام غرفتي، نزل منها رجل أنيق ونظيف جدا، هرعت للمساعدة حين فتح السائق صندوق السيارة، رحّب القادم بي: (أهلا بك يافوزي، ما زلت قويا ما شاء الله، لا تندهش أنت رجل مشهور..).

شكرني بلطف لمساعدتي له، ثم واجهني: (أنا ابن أم الفؤاد..).

هزّزت برأسي آسفا: ( أهلا بابن “أبو القاسم” .. حمدا لله على سلامتك..).

أخبرني وهو يتنهّد أنه قادم من سفر طويل دام أربعين عاماً، لم يزر المكان بعد انتقال أمه إليه، وعاد ليرتاح من التنقل، وينظف روحه من غبار الترحال، أعجبه إنصاتي باهتمام بالغ، استأذنني: (أود السلام على أم الفؤاد، وسأترك حقائبي أمانة لديك، وسيكون لنا لقاءات كثيرة..).

منحته الخصوصية التي ينشدها، حضرت سلمى بعد دقائق، حاولت تنبيهها بعدم الاقتراب من الزائر الجديد، قالت إنها رأته من شرفتها يحمل قالب حلوى، وهي تحب طعم حلوى الأموات، حذرتها من استخدام كلمة “أموات”: (هذا الرجل كما يبدو يتصرف مثلي في أول عهدي بالمكان، حين كنت أحضر وأستمع للموسيقى، وأتوقع أن يدور حوار طويل بينه وبين أم الفؤاد..).

بدهشة: (هذا ابن أم الفؤاد؟!)، وسارت نحوه.

ناديتها بصوت خافت: (سلمى..)، لم تجب، ربما كانت فراشات الفضول تحيطها.

سمعته وهو يحدث أمه كالأطفال، تركها وطلب مني دلو ماء وإسفنجة ومقصا، دار حديث سريع بيننا، والتحق مرة ثانية بأمه، كنس سطح دارها، أزال الأوراق الميتة، حمل الاسفنجة، بللها بالصابون الذائب في الماء وواصل حديثه: (الماء لن يكون بارداً، لن تشعري بقشعريرةٍ أبداً، بيتك دافئ، وشوقي حار، سأتعامل مع وردة الجوري كمزارع كعاشق، سأتحول إلى نسيم وأمسح كؤوسها ورقةً ورقةً، سأنفخ عليها من رئتيّ المشتاقتين لرائحتك، هل تذكرين حين كنت ألتصق بك خلال أيام زيارتي؟ كنت أشم رائحة طفلٍ حديث الولادة، وأخاف من تلك الرائحة، فأخرج إلى ساحة البيت حين يغمرني خوفي، وأشعل سيجارة، أتأمل نبتة الميرمية، وأكبت غصّةٍ أكبر من حنجرتي، فأغسل وجهي من أقرب دلو ماء، ثم أعود لألتصق بك ثانية، لأسمع سؤالك دون أن تنطقيه: “كم مرة تغسل وجهكَ في اليوم يا بني..!”. لا تقلقي يا أم الفؤاد، بالمناسبة، كيف هو الفؤاد الآن؟ … نعم؛ ابتسمي هكذا يا جميلة الجميلات، اشتقت لابتسامتك الساحرة التي لم تتحول إلى ضحكة، لكنِّي كنت أسمعها عاليا كتصفيق أجنحة الحمام.. في قلبي كلام كثير يا غاليتي، لن أدعك تشعرين بالوحدة بعد اليوم، أنا الزائر الدائم يا دمعة القلب. الآن تبدو دارك وكأنها شُيّدت قبل لحظات، أذكر حين أُقفِلَ الباب عليك كيف أنني عدت أدراجي كطفل تائه فقدَ طرف فستان أمه، ذلك اليوم ضيّعت طريقي قصداً كي لا أعود إلى البيت، اسمحي لي ياحبيبتي، أريد أن أعيد للحارس دلو الماء والإسفنجة والمقص، نعم.. سأكرمه، تحت أمرك.. ما زلت تحتفظين بعاداتك المقدسة..).

عدت بسرعة إلى مكاني، رأيت صلاح يقطر منه الفقد، جلست على كرسي القش الصغير أمام غرفتي، أشعلت سيجارة، ادعيت تحضير فنجان شاي على طباخ الكاز “البريموس”، بكى بحرقة: (أنا لا أجيد التمثيل أخي فوزي، لكنني أشتاقها كثيرا، أحشد كل طاقتي لأرى وجهها على سطح دارها).

وضع في جيبي مبلغا من المال، ربما لتهدأ روحه، ترحمت على أم الفؤاد، وعدت لأسترق السمع: (عدت يا وجعي.. نعم بكيت، قلت للحارس: “هذه الهدية من الوالدة..”. ارتجفتْ شفتاه: “حتى وهي هنا تزرع الورود في القلوب..!”. “…………؟. لا تقلقي يا أمي، أنا كما تعلمين أحب المطر، لن أمرض، منذ ثلاثين عاماً لم يبللنني ماء السماء، في كل فصل شتاء كان الناس يصلّون صلاة الاستسقاء، مرة يستجيب الله ومرة يدير ظهره إليهم، الآن سيهطل المطر دون صلاة استسقاء، أريد أن تلتصق ملابسي بجلدي، أن اقطر حياةً وأنا بقربك، ربما تشق الأرض كمأة، هل تذكرين حين كنت أخرج للبرية بعد توقّف المطر الغزير، لأحضر لك الكمأة، كنا نسميه لحم الفقراء، وكنت تطهينه بالبصل وزيت الزيتون، وتسخنين الخبز وتقدمينه فنأكله مستشعرين طعم اللحمة، كأنني الآن أشم رائحته.

  • “………….؟”

  • نعم؛ أشعر بالجوع يا أمي، منذ سكنتِ هذه الدار لم يسل لعابي، لم تصفق معدتي لأي طبق طعام، يبدو أنني سأبقى جائعا حتى آخر يوم من عمري،

  • “……………!” كانت الساعة الرابعة عصراً، أحضرت لي زوجتي الغداء، سألتني عن سبب اهتمامي بالإصغاء لذلك الرجل، همّت بالاقتراب من مكانه، رجوتها ألا تفعل، قلت لها إنه يصلي، لم تستوعب، حاولت الدفاع عن المشهد، فسارعتُ: (ليس كل ما يبدو لنا هو جوهر الفعل..).طلبت من صلاح أن يتصرف كأنه في بيته، أشار لي بأن أخفض صوتي: (لو سمعتك أم الفؤاد لنهرتك، ستعتقد أن المقبرة بيتي، كانت عيناها تدمعان لمجرد مرورها بالمكان، تتذكر ابنيها الفؤاد والجميل وزوجها أبا القاسم وأخويها وأخواتها وجاراتها وحماتها، لم يبق أحد من جيلها يا أبو أحمد.. لم يبق..).رد: (لن أجعلك حزيناً..).سألني: (هل حصلت على الجنسية ياأبو أحمد؟). 

  • حركت رأسي ببطء إلى الأسفل، فسألني عن الشيء الذي تغير فأجبت: (لم نعد نحصل على المعونات، الإنسان يجوع حين يبدّل جنسيته..).

  • حدثته عن لذة خبز أم الفؤاد؛ كان يصلني طازجا منتفخا على شكل أقمار ساخنة، نظر حوله كأنه يتفقد المكان مرة أخرى، أخبرته أن أحد السياسيين قدم الأرض منحة لأهالي المخيم الذين حصلوا على الجنسية، لمؤازرته في موسم الانتخابات، فصّلت وأنا أضحك كالأطفال: (حتى عندما يريدون تقديم هدايا لنا فإنهم يهدوننا مقبرة!).

  • ربت على كتفه وأشرت إلى الطعام مُشجعا: (يبدو أنك خجول جداً ياأستاذ، أنا أحسب حسابي دائما لوجود ضيفٍ معي، فلن تنافسني على طعامي، وأنا اليوم سعيدٌ جداً بوجودك، أفرح حين يشاركني زائرٌ طعامي، وأحزن حين يرفض، تناولُ الطعامِ مع الآخرين يفتح الشهية ويقلّل من عاصفة الحزن في القلب..).

  • غادرت وهي تضرب كفا بكف.

  • لا؛ لم أذهب إلى البيت بعد، لست على عجلة من أمري؛ العجوز الأنيقة التي كانت تصر على الوقوف والمشي متكئة على عكازتها للوصول إلى بوابة البيت فاتحة ذراعيها عند وصولي، لم تعد هناك، غابت مع ابتسامتها وحضنها، رحلت، الرجل المبارك الذي تجاوز عمر جسدِهِ الستين، وعقله لم يتجاوز ثلاث سنوات، الذي كان يقتحم البيت لحظة حضوري، مات، بكيته وتذكرت ضحكته، كانت الفراشات تطير من بين شفتيه، وجارنا البسيط؛ أشهر أعزب في الحارة، الذي دأب على فتح نافذته كلما توقفت سيارة أمام البيت ويقفز منها عند حضوري، أصيب بخللٍ في ذاكرته، واختفى، قيل إنه عشق فتاةً في قريةٍ بعيدة، وضلّ طريق العودة، لم يسأل عنه واحد، لا أحد يسأل عن الثّملين بعزلتهم، لا أحد في البيت يا بيتي، ليس هناك من يسأل عن صحتي وعملي وأبنائي وغربتي أو يسخّن الطعام لي بعد عودتي ثم يغلي الشاي، لا أحد يتأمل وجهي خلسةً ليرى غزو السنوات الكافرة، أتذكرين حين قلتُ لك إنني أصبحت في الخمسين، كيف دُهشتِ كطفلةٍ عاشقةٍ تحب رؤية حبيبها شاباً مدى الحياة؟ قلتُ لك يومها مداعباً: “لا أدري، ربما أخطأ والدي في كتابة تاريخ ميلادي، وقدّمه عشر سنوات كي أدخل المدرسة”، أنكرتِ بصوت جاد: “كلا.. أبوك لا يزوّر شهادة الميلاد”.. هل علمتِ الآن لماذا لم أدخل البيت، لكنني سأضطر لدخوله اليوم، ألا تأتين معي؟! أقسم بالله أن أزهار القرنفل والجوري وياسمينة السور والكولونيا وشجرتي التين والزيتون سيزغردون لو عدتِ، وسيتدفق ماء البئر إلى الأعلى للترحيب بك، وسيعود قطك الأبيض حين يشم رائحتك، وستفتح البوابة نفسها بنفسها، ألا تأتين معي؟! الحارس يلوّح لي بذراعه ياأمي، إنه كما يبدو يدعوني لتناول الغداء، ولا شهية لي للطعام.. لن أتأخر..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *