لا ضوء في نهاية النفق: لنكن هتلريين…..بقلم أنور الخطيب

لا ضوء في نهاية النفق.. لنكن هتلريين

أنور الخطيب

(إني أرى ضوءًا في آخر النفق)، قالها سياسيون فلسطينيون كثيرون، بعضهم في الدنيا الآخرة وبعضهم لا يزال ينتظر. ولا ندري، أهو ينتظر داخل النفق أم خارجه، لكن ما ندريه هو أننا كشعب فلسطيني، في نفق مظلم ولا بصيص ضوء. من الذي سرق الضوء من نهاية النفق؟ من وضعنا أصلا في النفق وتركنا هناك؟ نحن نعلم الإجابة السوداوية بلون النفق ولكننا لا نصرّح، لأن الإجابة تلامس أشخاصا مقدّسين عند الشعب، وللأسف، شعبنا حتى اليوم يعبد الأشخاص بحجج كثيرة، من بينها الوظيفة، راتب آخر الشهر، الظهر والمحسوبية، وقليلون يعبدون الأشخاص ويتبعونهم بسبب الوطنية، لأن هذه المفردة تقترن بالنضال، ولا نضال اليوم، اليوم مفاوضات مهترئة لن تفضي إلى شيء، بل ستفضي إلى اللاشيء وأقل منه بكثير.

السؤال الذي يجب طرحه بقوة وعناد: وماذا بعد؟

قد يعني هذا السؤال اللاجئن المشتتين أكثر من المواطنين في بقعة لا سيادة فيها لشرطي ولا سياسي، هل سيبقى اللاجؤون في مخيماتهم الرثة المليئة بالفوضى والجهل والبطالة والحاجة؟ وإلى متى؟ هل ستبقى الفصائل والتنظيمات المسلحة وغير المسلحة موجودة وإلى متى؟ وماذا تريد أن تحقق وما هي برامجها؟ هل تعزيز الوطنية ولا برامج لتحقيق ذلك؟ هل لتطوير مهارات الناس ولا خطط لفعل ذلك؟ هل لتدريبهم للعودة إلى وطنهم ولا نية لذلك؟ ما هو أفق المخيمات؟ هل ينتظر الناس التوطين؟ هل ينتظرون الهجرة إلى كندا والسويد وأستراليا؟ أو هل ينتظرون الموت؟

الانتظار في هذه الظروف وفي إطار هذا الواقع هو انتظار للموت، الفراغ سيد الحالة في المخيمات، فراغ الأفكار وفراغ الإستراتيجيات وفراغ التوجهات. حتى التعليم يتجه نحو الحضيض، وخدمات الأونروا تتقلص يوما بعد يوم، هل ستبقى الأونروا؟ هناك خطط لتذويبها؟ هل ستبقى التنظيمات والفصائل والأحزاب التي توزّع مبالغ تافهة على الناس؟

لا أحد يدري، ونعود مجبرين مكتئبين محبطين إلى السؤال: وماذا بعد؟

هل يفكر القادة على سبيل المثال بحل السلطة؟ هل هو الخيار الأمثل لتحريك القضية أم أنه قرار عشوائي غير مدروس؟ وهل يسلّمون السلطة للعدو؟ العدو يدرس بشكل جدي ضم هذا الوطن الهلامي الذي تحكمه سلطة لا إجابات لديها على أسئلتنا السابقة، هل تعلمون، حين يعيد العدو بسط سيطرته على الوطن (أراضي السلطة) ويترك للسياسيين صلاحيات الإدارة الذاتية فإنه يطبق اتفاقية أوسلو، حكم ذاتي لا أكثر، وربما أقل.

هل يفكّر الفلسطينيون، على سبيل المثال، بحل التنظيمات والفصائل وتخليصها من البهرجات، والتوجه نحو العمل السري التوعوي والعنيف؟ وهل المجتمع الفلسطيني أرض خصبة للعمل السري مع وجود عملاء في الداخل والخارج؟ في الداخل عملاء للعدو وفي الخارج عملاء للسلطة، يثرثر الفلسطينيون كثيرا في المخيمات عن أعداد كثيرة تتعامل مع السلطة، لا لشيء إلا لتحمي نفسها وتسهل أعمالها، لكن الأمر في النهاية يصب في بحيرة الخيانة الآسنة، نعم خيانة، وهذه المفردة، يناقش المتفذلكون دلالاتها وإمكانية إطلاقها على القيادات، هل خانوا القضية والشعب؟ لن أقدّم إجابة، لكن وصولنا إلى نهاية النفق وعدم عثورنا على الضوء يمهد السبيل لتوجيه تهمة الخيانة وليس التقاس، فقد يتقاعس الإنسان سنة أو عشر سنوات لكنه لا يتقاعس خمسين سنة ولا يستيقظ.

نعم تعرّضنا للخيانة بل لخيانات أدت إلى هلامية الحالة والموقف وارتباك التوجه وضياع البوصلة. لقد تعرّضنا للخيانة وليس لسوء الإدارة، والآن نتعرّض للذبح بكل ما تحمله الكلمة من حقارة، ذبح حق عودتنا، ذبح أحلامنا، ذبح أملنا، وذبح أناشيدنا وأشعارنا، هو الدمع ذاته الذي يخنق صاحبه وهو يشيّع عزيزا لديه وحبيباً له، فكيف إذا كان يشيّع ذاكرة أبيه وأمه وجده وجدّته، ويشيّع ذاكرة المستقبل التي بناها على مدى سبعين عاماً، أي يشيّع وطناً. ولا نعلم على وجه الدقة حال الذي يشيّع وطناً؛ يبكيه؟ يتحسّر عليه؟ يلحق به إلى مثواه الأخير؟ يلطم؟ يمزّق ثيابه؟ يشدّ شعره؟ أم يحيط جسده بأحزمة ناسفة ويذهب نحو صانعي الخيبات؟ لا نعلم الحالة ولا الشعور ولا ردود الفعل.

كلام معروف ويجري على ألسنة الناس، لكنهم لا يتوقفون عنده لأنهم في قلب المشهد، والخائنون لم يعطوا الناس فرصة واحدة لقراءة المشهد من الخارج، حتى يتبينوا كم هو قبيح ومخيف.

القادة الفلسطينيون الآن، من يحمل السلاح ومن يجلس على طاولة المفاوضات، عليهم مصارحة الشعب بخططهم، والأمر بسيط للغاية؛ هل تريدون التنازل عن السيادة وتمكثون تحت سيطرة العدو مكتفين بالحكم الذاتي وأن تتحولوا رسميا إلى (مخاتير)، أم أنكم تختارون المقاومة؟ إن اخترتم الأولى ستتركون الشعب يقول كلمته، إما أن يصادق على خططكم وإما أن ينقلب عليكم ويضعكم في الزنازين، أو قد لا يفعل شيئا، ويواصل حياته بلا مبالاة ولا أمل، أما إذا اخترتم المقاومة، فعليكم إزالة كل شيء ظاهر واللجوء إلى كل أمر باطن، وأعني المقاومة السرية الشبحية التي لا تعرف المهادنة ولا المناطق الرمادية، أبيض أو أسود، وطني أو عميل، مقاوم أو مستسلم، ولا هدنة لعشرين عاماً مع العدو، وستجدون الشعب الفلسطيني يتوهج من جديد، وقد لا يفعل، ولكن عليكم، بصفتكم القادة وأولي الأمر ومسؤولين عن الرعية، أن تضعوا الحلول وتصارحوا شعبكم، لأن الاستمرار في هذا الواقع من الكبائر، وإدامته كمن يزني بشعبه.

وإذا اخترتم المقاومة، عليكم قبل أن تشرعوا فيها أن تهيئوا شعبكم وتحقنوا دماءه بقيم التفوق والتميز، ولتكونوا هتلريين في صناعة الشخصية الوطنية، وكونوا (حجّاجين) في عدم تسامحكم مع الخائن والمشبوه، وكونوا عمريين في عدلكم وحسينيين في استشهادكم، كونوا الاستثناء والداء الذي ليس له دواء، كونوا على قدر هامة فلسطين، (أصلها ثابت وفرعها في السماء).

 

 

 

اترك تعليقاً