الإنسان بوصفه كورونا.. بقلم: أنور الخطيب

الإنسان بوصفه كورونا

والكورونا بوصفه إنساناً أيضا، في إعادة التشكل والأعراض والأثر، وفي خلق الهلع والقلق والمرض والموت، وفي تشابه المهام والغايات والإستراتيجيات والتكتيكات، وفي تلاقي الصفات؛ الكمون والخبث والتحايل، هناك اختلاف غير بسيط يتغلب فيه الإنسان على الكورونا، ويكمن في همجية التفكير والتدمير وإشاعة اليتم والترمل، وفي التخطيط المسبق وإنجاز الفناء عن سابق قصد وإصرار .

وبغض النظر إن كان الكورونا مختلقاً أو مصنوعاً، فإن الإنسان بطريقة أو بأخرى يصنعه كل لحظة، بل يكاد لا يغيب عن ذهنه لحظة واحدة في استهداف البشرية والإنسانية. يخلقه سياسياً واجتماعياً وقيمياً؛

أليست السياسات العربية في معالجة الكورونا نفسه تنم عن كورونا معتّقة وموغلة في التخلف، سياسات تنتظر الآخر ليخترع اللقاح، لتجني هي الفائدة وهي تدخن النرجيلة وتضيع الوقت في ملاحقة النساء وبيع الأوطان وخدمة الأعداء.

أليست سياسات التشرذم وتفريق الصفوف تنم عن كورونا متجذر في اللامبالاة وعدم التخطيط وفقر الابتكار والإبداع، وأدت هذه السياسات الكورونية إلى كوارث على صعيد حقوق الإنسان وحاضر المواطن ومستقبله، وإلى بطالة غير مسبوقة وارتهان للآخر الصناعي المنتج؟

أليست السياسات الفلسطينية في إدارة القضية مصابة بكورونا منذ أكثر من سبعين عاماً، ورغم ذلك يصر أصحابها على انتهاج الآليات نفسها والمقاربات نفسها والخيانات نفسها، وزرعوا كورونا اليأس في جسد اللاجئين حتى أنهكوه وأتلفوه، وجاءتهم الكورونا البيولوجية الجرثومية لتسند مخططاتهم وتقاعسهم.

أليس التخلف في التصنيع العسكري كورونا يجعل قوة العالم العربي تحت سيطرة مصدري وبائعي الأسلحة، وبقرار يتيم تتحول طائرات ودبابات وأسلحة العرب إلى خردة معدومة القيمة، بل تتحول إلى عبء كبير.

 أليس إهمال التعليم وعدم تطوير المناهج كورونا أخطر من الفيروس ذاته، والعجيب أن الجميع يتحدثون عن التعليم عن بعد وهم ليسوا مهيئين لا تقنياً ولا منهجياً، وإنما كورونا الخداع تُمارس باحترافٍ شديد، ثم أن المؤسسة التعليمية العربية لا تعترف بشهادة التعلم عن بعد، لأنها لا تثق بالمتعلّم ولا بقدراته مواهبه ومهاراته، فهو متّهم بالغش  والكذب.

أليس التعامل مع الكتاب قراءة وطباعة ونشراً وتوزيعا يعكس تمكّن الكورونا من جسد وروح الثقافة العربية بما فيها الفعاليات والجوائز وسرقة حقوق الكتاب والمبدعين؟ وهذه الكورونا خبيثة ومزمنة ومتراكمة منذ عشرات السنين من دون التحرك لتصويب المسار أو زرع كورونا حميداً في الجسم الثقافي.

أليس التعامل مع المرأة يشكل كورونا اجتماعية وإنسانية بالغة الخطورة؟ وأليس التعامل مع الطفل في ساحات كثيرة يعكس الإصابة بكورونا إنسانية وزمنية تقتل الأجيال الحاضرة والمستقبلية؟ أطفال بلا مدارس وأطفال يعملون، وأطفال يُتاجر بهم، وأطفال متسولون، أليست هذه كورونا حضارية بالغة الخطورة؟

أليست الفوضى المستشرية في الشارع، كأنظمة مرورية، وكسلوك بين مستخمي الطرق تجسد الإصابة بكورونا أخلاقية ومدنية وحضارية؟

الآن، وفي هذه اللحظة بالذات، يبتهج السياسون وزعماء الأنظمة الطائفية والبوليسية المهترئة ويقدمون الشكر لسعادة السيد كورونا لأنه ألزم الناس بيوتهم، وسحبهم من المظاهرات والاجتماعات والأمسيات والندوات والمحاضرات ودور السينما والمسارح، بل وغيّر اتجاهاتهم في مشاهدة الأخبار، ووجدها السياسون فرصة لتغييب الأخبار السياسية، فلا يعرف الإنسان العربي ماذا يحدث في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا والسودان ومصر واليمن، وجلّ همه معرفة الأمكنة التي ينتشر فيها السيد كورونا الذي يهدد حياتهم، وأخشى أن يشيّد الزعماء تمثالا للسيد كورونا بوصفه حليفهم ومنجّيهم وحافظ ماء وجوههم وحاميهم من صراخ المظلومين والمقهورين والمسروقين والمغتَصَبين.

الإنسان كورونا بامتياز، والكورونا البيولوجي الفيروسي فقير وضعيف وغبي أمامه، ولا نقصد التعميم هنا وإنما التخصيص، ويضيق الوصف ليشكل معظم أولي الأمر الذين فشلوا أن يكونوا رعاة ومسؤولين، ونجحوا في التآمر على الرعية.

صحيفة اليوم الثامن

https://alyoum8th.net/News.php?id=768

اترك تعليقاً