رسالة ماجستير تقرأ روايات أنور الخطيب من بوابة النقد الثقافي لجواد العقّاد

رسالة ماجستير تقرأ روايات أنور الخطيب من بوابة النقد الثقافي
في امتداد لمسار القراءة النقدية والأكاديمية في تجربة الروائي والشاعر الفلسطيني أنور الخطيب، أنجز الباحث والشاعر الفلسطيني جواد لؤي حمدان العقاد رسالة الماجستير في جامعة القدس المفتوحة بعنوان: “البنية الثقافية وأنساقها المضمرة في روايات أنور الخطيب: فتنة كارنيليان، ووردة عيسى، ورقصة الفيلسوف”، بإشراف الأستاذ الدكتور زاهر حنني.
ونوقشت الرسالة أمام لجنة ضمت الأستاذ الدكتور زاهر حنني، والدكتور محمود صبري عودة، والدكتور زين العابدين العوودة، وقدمت الدراسة قراءة للروايات الثلاث من منظور النقد الثقافي، متتبعة البنى الثقافية والأنساق المضمرة التي تتحرك في مستويات الخطاب الروائي، وعلاقتها بالأيديولوجيا والهوية والدين والسياسة والمنفى والتحولات العربية.
وتأتي هذه الدراسة امتداداً لعلاقة نقدية مبكرة بين العقاد وتجربة الخطيب؛ إذ سبق للباحث أن تناول شعره في بحث تخرجه لنيل درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة الأزهر في غزة، قبل أن يعود في دراسته العليا إلى عالم الرواية، مستفيداً من أدوات النقد الثقافي في تفكيك ما وراء الحكاية وما تنتجه اللغة والشخصيات والأحداث من دلالات ثقافية.
من الشعر إلى الرواية: مسار قراءة متصل
لا تنطلق الرسالة من قراءة عابرة لأعمال أنور الخطيب، وإنما من مسار بدأ في مرحلة البكالوريوس واستمر في الدراسات العليا، واتسع من الشعر إلى الرواية، ومن القراءة الأدبية إلى مساءلة البنية الثقافية للنص.
ويضع العقاد روايات “فتنة كارنيليان” و”وردة عيسى” و”رقصة الفيلسوف” في سياق ثقافي وفكري واسع، متوقفاً عند التحولات العربية التي رافقت مرحلة الربيع العربي، وما أفرزته من أسئلة حول السلطة والدين والهوية والمثقف والدولة والحرب والمنفى.
وتقوم الدراسة على التمييز بين الخطاب الذي يظهر في النص بصورة مباشرة، والأنساق الثقافية التي تتحرك في طبقاته العميقة، بحيث تتحول عناصر السرد من شخصيات وأحداث وأمكنة وحوارات إلى علامات تكشف شبكة من الأفكار والقيم والتصورات.
ثلاثة فصول في البنية الثقافية
تتوزع الرسالة على ثلاثة فصول رئيسية، يسبقها تمهيد يتناول العلاقة بين الأدب والأيديولوجيا.
ويقدم الفصل الأول صورة موسعة عن أنور الخطيب، من نشأته وتكوينه الثقافي إلى إنتاجه الأدبي، مع عرض للروايات موضوع الدراسة ومرجعيات الكاتب الفكرية والثقافية، وتتبع حضور تجربته في النقد والإعلام والدراسات الأكاديمية.
ويتعامل هذا الفصل مع الكاتب بوصفه نصاً ثقافياً موازياً لأعماله، من خلال الحوارات والشهادات والدراسات والمواد التي تناولت تجربته، بما يسمح بقراءة العلاقة بين التكوين الفكري للكاتب ومشروعه الأدبي.
أما الفصل الثاني فيؤسس للإطار النظري، من خلال مناقشة مفهوم الثقافة والنقد الثقافي، وعلاقة النقد الثقافي بالنقد الأدبي والدراسات الثقافية، ثم مفهوم النسق الثقافي وصلته بالأيديولوجيا، وصولاً إلى آليات تحول الدين إلى أيديولوجيا داخل الخطاب الثقافي.
ويذهب الفصل الثالث إلى الجانب التطبيقي، حيث يقرأ الباحث الروايات الثلاث، ويبحث في الأنساق الثقافية التي تتشكل داخل بنيتها السردية.
“فتنة كارنيليان”: الهوية والاعتراف والتطبيع المعرفي
في قراءة “فتنة كارنيليان”، يتوقف البحث عند ازدواجية الخطاب لدى المثقف الفلسطيني المغترب، والعلاقة بين اللغة والجسد والهوية، وتمثيل راشيل كوري والأم الفلسطينية بوصفهما علامتين على الذاكرة المحاصرة.
كما يتناول مفاهيم “الاعتراف المدفون” و**”التطبيع المعرفي”**، والمؤلف المدني والمؤلف الضمني، إلى جانب الأسئلة المتعلقة بالعلاقة بين الفلسطيني واليهودي والصهيوني، والحدود الفاصلة بين الهوية الدينية والمشروع السياسي.
ومن النتائج اللافتة التي تتوقف عندها الرسالة قراءة بعض البنى الثقافية في الرواية على ضوء التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة لاحقاً، وصولاً إلى اتفاقيات أبراهام. ويقرأ الباحث هذا التقاطع من زاوية ثقافية وسردية، من دون التعامل مع الرواية بوصفها وثيقة سياسية تتنبأ بالمستقبل، وإنما باعتبارها نصاً طرح مبكراً أسئلة حول الهوية والاعتراف والعلاقة بين الفلسطيني واليهودي والمشروع السياسي.
“وردة عيسى”: الربيع العربي في مرآة الرواية
في “وردة عيسى”، ينتقل البحث إلى تمثيلات الربيع العربي والمدينة المنقسمة والهوية المركبة، ويتتبع حضور الدين في الصراع، وعلاقة الكنيسة بالمسجد، والأيديولوجيا بوصفها قوة لإنتاج الإقصاء والانقسام.
ويظهر الحاجز في القراءة بوصفه علامة ثقافية تتجاوز وظيفته المكانية، ليدخل في تشكيل دلالات الانقسام والعجز والانتظار.
وتتسع الدراسة لتشمل فتاوى الحرب وتوظيف الشريعة في الاقتتال، وصورة المرأة والجسد والحب والمقاومة في زمن الحرب، إلى جانب دلالة المدينة وما يراه الباحث نسقاً للتجريد والتعميم.
بهذا المعنى، تتحول الرواية في القراءة النقدية إلى مساحة لفهم الكيفية التي ينتقل فيها الحدث السياسي من مستوى الوقائع إلى مستوى البنية الثقافية التي تعيد تشكيل الإنسان والمكان والذاكرة.
“رقصة الفيلسوف”: المثقف في مواجهة السلطة
تحتل “رقصة الفيلسوف” مساحة واسعة من الجانب التطبيقي في الرسالة، لما تفتحه من أسئلة حول المثقف والسلطة والتغيير والدولة والديمقراطية والهوية.
ويتوقف الباحث عند مفاهيم من بينها “رجل التغيير”، و**”الموت الثلاثي”، و”القناع والوجه”، و”البلاغة بديلاً عن الفعل”**، والهوية المتشظية، والهوية المسروقة، والعلاقة بين الخلافة والدكتاتورية، والجسد السياسي، والزعيم، والكنيست، والربيع العربي، والوطن، والحوار الداخلي.
وتقرأ الدراسة شخصية المثقف الذي يدخل المجال السياسي من بوابة الفكرة والاستشارة والخطاب، ثم يجد نفسه أمام حدود الفعل السياسي وإكراهاته، لتتسع الأسئلة نحو العلاقة بين الأيديولوجيا والتغيير، ولا سيما في سياق الإسلام السياسي، ثم الديمقراطية والوطن والهوية.
أبو ظبي بوصفها فضاءً ثقافياً
ومن النتائج التي تبرز في الدراسة قراءة أبو ظبي بوصفها فضاءً ثقافياً وأيديولوجياً داخل مشروع أنور الخطيب الروائي.
ويرى الباحث أن المكان في الروايات المدروسة يتجاوز وظيفته الجغرافية إلى الإسهام في تشكيل إمكانات الحوار والاختلاف وإنتاج المواقف. ومن هذه الزاوية، تصبح أبو ظبي جزءاً من البنية الثقافية التي تتحرك داخلها الشخصيات والأفكار، وتكتسب دلالتها من طبيعة الفضاء الثقافي الذي تحتضنه.
وتتصل هذه القراءة بأحد مرتكزات النقد الثقافي الذي ينظر إلى النص في علاقته بشروط إنتاجه والفضاءات الاجتماعية والثقافية المحيطة به.
من جماليات النص إلى أنساقه المضمرة
تحاول الرسالة إقامة صلة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي، بحيث تظل القيمة الجمالية للنص حاضرة بوصفها مدخلاً إلى طبقاته الثقافية.
ولهذا يتتبع العقاد اللغة والجسد والهوية والحوار والمذكرات والاستباق والقناع والوجه والدبكة والفلسفة والكنيست وغيرها من التفاصيل السردية، ثم يعيد وضعها داخل شبكة من العلامات الثقافية.
ومن هنا يتشكل السؤال المركزي للدراسة حول المسافة بين ما يقوله النص في مستواه الظاهر، وما تنتجه بنيته الثقافية من دلالات كامنة في الشخصيات والأحداث واللغة والفضاء الروائي.
امتداد لسجل الدراسات حول أنور الخطيب
تأتي رسالة العقاد ضمن حضور أكاديمي متنامٍ لأعمال أنور الخطيب، إذ سبقتها دراسات ورسائل جامعية تناولت شعره وشخصياته الروائية وتقنيات السرد في أعماله، من بينها دراسات تناولت “رقصة الفيلسوف” و”رائحة النار” و”الكبش”، إلى جانب رسائل جامعية قاربت تجربته من زوايا متعددة.
كما سبق للعقاد أن نشر قراءات نقدية في تجربة الخطيب الشعرية، تناول فيها المنفى والوطن والتكوين الثقافي والتناص الديني والموسيقى الداخلية والصورة الشعرية، وهو ما يكشف امتداد العلاقة النقدية بين الباحث وتجربة الخطيب من مرحلة القراءة الأولى إلى البحث الأكاديمي المتخصص.
رسالة من غزة تحت الحرب
تحمل الرسالة بعداً توثيقياً يتصل بالظروف التي أُنجزت فيها، إذ جاء إنجاز البحث من قطاع غزة خلال الحرب، وفي بيئة قاسية فرضت على الباحث ظروفاً استثنائية في الحياة والعمل والبحث العلمي.
وتشير كلمة الشكر في الرسالة إلى جامعة القدس المفتوحة وعمادة الدراسات العليا والبحث العلمي وقسم اللغة العربية وآدابها، وإلى إتاحة الجامعة للباحث فرصة مواصلة بحثه في ظل تلك الظروف.
كما يوجه العقاد شكره إلى أنور الخطيب، الذي أتاح أرشيفه الخاص من حوارات ومقالات وكتب ومواد مختلفة، وأسهم في توفير جانب مهم من المادة البحثية التي اعتمدت عليها الدراسة.
وهنا تتجاوز الرسالة حدود الإنجاز الجامعي إلى قيمة توثيقية مرتبطة بظرفها التاريخي؛ فالبحث خرج من غزة في زمن كانت فيه المعرفة نفسها تواجه اختبار البقاء والاستمرار.
أنور الخطيب من موضوع للقراءة إلى موضوع للبحث
تكشف الرسالة عن انتقال تجربة أنور الخطيب من مساحة القراءة الشخصية والنقدية إلى فضاء البحث الجامعي المنظم، عبر العودة إلى النصوص الروائية والأرشيف والحوار والمقالة والدراسات السابقة والشهادات النقدية.
وفي هذا السياق، تتحول الروايات الثلاث إلى مدخل لقراءة مشروع أوسع، تتحرك داخله أسئلة الوطن والمنفى والهوية والسلطة والدين والمثقف والتغيير.
وقد وصف العقاد في حوار سابق أنور الخطيب بأنه “أبيه في الشعر”، في إشارة إلى عمق العلاقة التي بدأت مبكراً مع تجربته، ثم تحولت عبر السنوات إلى قراءة نقدية وبحث أكاديمي.
نحو إعادة قراءة الرواية الفلسطينية
تصل الدراسة في توصياتها إلى الدعوة لتوسيع تطبيقات النقد الثقافي على الأدب العربي المعاصر، وإعادة قراءة الأدب الفلسطيني خارج حدود القراءة التي تحصره في المباشرة الفلسطينية، إلى جانب إعادة الاعتبار إلى تجربة أنور الخطيب الروائية في المؤسسة الثقافية والأكاديمية العربية.
وتكتسب هذه التوصية دلالتها من طبيعة المشروع الروائي للخطيب، الذي يتحرك بين الفلسطيني والعربي والإنساني، وبين الوطن والمنفى، والسياسة والفلسفة، والتاريخ والواقع، ويفتح أسئلة تتصل بالإنسان العربي وعلاقته بالسلطة والدين والهوية والمنفى والتغيير.
وبذلك تضيف رسالة “البنية الثقافية وأنساقها المضمرة في روايات أنور الخطيب” حلقة جديدة إلى تاريخ تلقي تجربة الخطيب، وتنقلها من فضاء القراءة الأدبية إلى مساحة البحث الجامعي والنقد الثقافي.
فالرواية تحفظ زمناً عبر شخصياتها وأحداثها، والدراسات النقدية تحفظ طبقة أخرى من ذلك الزمن: كيف قرأ الباحثون النص، وما الأسئلة التي رأوا فيها انعكاساً لعصرهم.
ومن هذه الزاوية، تكتسب رسالة جواد العقاد قيمتها بوصفها قراءة أكاديمية لثلاث روايات، ووثيقة جديدة في سجل الدراسات التي تتابع تجربة أنور الخطيب، وتبحث في الطبقات الثقافية الكامنة تحت سطح الحكاية.
#جواد_العقاد#أنور_الخطيب#ماجستير#رواية#شعر#نقد#ثقافي

Players who refresh their bonus page every morning look for the latest thepokies.net bonus codes which are added frequently to reflect new game launches, partnership promotions, and seasonal events that carry additional free spins and cashback rewards.

اترك تعليقاً