يا شجرة الصنوبر العالية خذي نهدي بين غبارك    شعر سوزان علي

يا شجرة الصنوبر العالية خذي نهدي بين غبارك شعر سوزان علي

صباحٌ لرائحة الرصاص والإشاعات
للنسوة المنقّبات يدخلن الزقاق دون ظلال.
لون هذه اللحظة أسود مع نقاط رمادية
وله صفير حنفية قديمة تُربي في جوفها الصدى.
سأعلّق نهدي على شجرة الصنوبر قبالة شرفتي
سيكون أليفًا مع العصافير
سيكره شكل حلمته ولونها وطعمها،
ربما يهديها لذاك الغصن
الذي يحلم بأن يطل يوما على البحر.

سيتعلّم كيف يصنع عشًّا ثم يتركه للريح.
سيرى عروق يد الضابط في الطابق الأول،
كيف تتخثّر وهي تلمس عنق زوجته.
سيشعر بأسى الهواء الساخن وهو يمرّ بين الغرف الفارغة
وسيؤلف أغنية عن الرمل والخوذ الصدئة تحت الأسرّة.

الغرباء في الشارع قطط مشرّدة
الأغاني العراقية لا تعرف شرب القهوة صباحًا،
رغم أنها تعيش في المنفى

جارتي ترمي رماد السيجارة في أصيص أسود،
ونهدي، يا شجرة الصنوبر، مزاجيّ وأحمق.
تربّى في كوخ من القصب له سقف أليف كتجاعيد الجدّات.

أرجوكِ، كوني السمّ في طبق امرأة باردة.
وإن فكّر يومًا بالانتحار،
اقرئي له الشعر
كي ينتهي كالشوك أعالي الجبال.

مزّقي رسائل أهلي إن وصلت.
كي ينسى،
كي يرتعش لحمه مع رائحتكِ كترويتة عند الغروب.

وإن شاهده الجيران، سيظنّون أن مناماتهم تمشي،
وعيونهم ترى البحر،
وستظنّ جارتي الأرملة بأن حمّالة نهديها على حبل الغسيل تشي بعادتها السرّية،
وبأن غرابًا دخل فراشها وسرق بظرها.

يا شجرة الصنوبر العالية، ممّا تخافين؟
هل لديكِ عائلة؟
هل وصلت جذوركِ إلى الصخر؟
أم دخلتِ بالخطأ بيت ذاك العجوز الذي لا يفعل شيئًا لحياته سوى السعال؟

خذي نهدي بين غباركِ، ألا تحبّين الأطفال؟
سيرتعش معكِ إن مرّ فوق سجن أو حانة.

أنا أسكن قبالتكِ
إن حدث وجاء الخريف،
واصفرت ملامحكِ،
وهجرتكِ الطيور،

لا تقلقي،
سيعود نهدي إليّ.
لن يعذّبكِ في البقاء.
إنه يعرف طريق العودة إلى جسدي أكثر منّي.

لكن ما أريده منكِ، وبقوّة كرأسكِ المصلوب وحيدًا،
أن تأكلي نهدي،
أن تدفعيه في الريح فتاتًا يابسًا، أن تعطيه للطيور المهاجرة كتذكار.

لا أريد أن أفيق ذات يوم وأجده على الشرفة ينتظرني،
أريده ملطّخًا بين تنهّدات المارّة، جائعًا تحت السماء الزرقاء، يظنّ الأبواب قبرًا، ضائعًا بين سرب الحمام، هشًّا لا يعرف بيتي أو جسدي أو موسيقاي.

كُلي نهدي يا شجرة الصنوبر أوّل الخريف.
صدّقيني، سينتصب جذركِ في الهواء، وسترين النمل يرطّب ساقيكِ، وستجدين السكارى يضحكون تحتكِ ويرمون بعضهم بكمشة هواء.

وسترين وجهي على الشرفة يبتسم للمرّة الأولى،
ولساني حارًّا شهيًّا
يلعق نبتة الغاردينيا اليابسة تلك
ويتأوّه.

اترك تعليقاً