الغضب يدمّر القلب
وتفيد الأبحاث أنهم عندما استرجعوا تذكر الأحداث التي فجرت غضبهم، هبطت كفاءة ضخ الدم من القلب بنسبة 5% وهبطت كمية الدم التي يضخها القلب في بعض المرضى إلى 7% أو أكثر، هذا المعدل يشير إلى نقص كمية الدم الواصلة إلى عضلة القلب، وهذا مستوى خطر في نقص تدفق الدم إلى القلب في رأي اختصاصي أمراض القلب.
الغريب أن الهبوط في كفاءة ضخ الدم لا يحدث في حالة المشاعر المؤلمة الأخرى مثل القلق أو الإجهاد الجسماني، ويبدو أن الغضب هو الانفعال الوحيد الذي يضر القلب، قال المرضى إنهم باسترجاع الحادث المزعج شعروا بالغضب إلى درجة تصل إلى نصف حالة الغضب الشديد التي كانوا عليها أثناء الواقعة الحقيقية. وفي دراسةٍ حديثة لمؤسَّسة الصحَّة النفسية Mental Health Foundation، قال 28% من البالغين إنَّهم يشعرون بالقلق حول الغضب الذي ينتابهم أحياناً، وقال 32% منهم إنَّ لديهم صديقاً أو قريباً يعاني مشاكل في التعامل مع الغضب، وتشتمل القضايا الصحِّية المرتبطة بالغضب المستمرِّ على ارتفاع ضغط الدم، والنوبات القلبية، والاكتئاب، والقلق، ونزلات البرد والإنفلونزا، ومشاكل الهضم، وفي بعض الحالات مرض السكري، لكن يجب عدم أن يكونَ الغضبُ مشكلة، حيث لا بدَّ من السيطرة عليه، ويتحمَّل الشخصُ مسؤوليةَ ذلك.
كلّ شخص لديه ردَّة فعل جسديَّة تجاه الغضب، لذلك يجب الانتباه لاستجابة الجسم عندَ الغضب، واتِّخاذُ خطوات للتهدئة باستمرار مثل التعرّف إلى علامات الغضب التي تتلخص في ارتفاع وتيرة نبض القلبُ، وتسارع عملية التنفس، والتوتّر في الكتفين أو انقباض القبضتين، فإذا لاحظ الشخصُ هذه العلامات، يجب عليه التفكير في طريقة جيدة لإدارة هذه الانفعالات المتصاعدة والسيطرة عليها، أما إذا فشل في ذلك فعليه الانسحاب فوراً من المكان لبضعة دقائق حتى يعود إليه الهدوء، حتى ولو كان مقر عمله أو مكتبه فعليه الاستئذان من رئيسه واللجوء إلى مكان هادئ مثل حديقة الشركة أو حتى الحمام.
يفيد الزفير لمدَّة أطول من الشهيق في الوقاية من الاندفاع، لأن الشخصُ يقوم بالشهيق بشكل تلقائي أكثر من الزفير عندما يشعر بالغضب، ولذلك ينبغي فعل العكس فذلك يسرع بتخفيف التوتر، وعلى التفكير بشكل أكثر صفاء.
ويساعد التعرف إلى إشارات الغضب على حسن إدارته فور حدوثه وقبل انفلات الأمور، وعندما يصبح الشخصُ قادراً على التعرّف إليها، يمكنه تَهدئة نفسه، والبدء بالبحث عن وسائل شاملة للسيطرة على الاندفاع.
وأثبتت الدراسات إمكانية خفض مستويات الشدَّة والتوتّر بممارسة التمارين الرياضية والاسترخاء، إذ يساعد ذلك على تفريغ الطاقات السلبية الموجودة في الجسم، وأوضحت الأبحاث أن المشي لمسافات طويلة أنسب الطرق للتخلص من التوتر، على أن يكون منتظماً وبصورة يومية ومن الأفضل أن يقوم به الشخص في نفس الزمان والمكان.
أما على المستوى النفسي فيمكن إدارة الغضب عن طريق التأمل والأفكار الإيجابية، فعندما يتأمل الشخص الذي ينعم بوظيفة راتبها قليل حالة جاره أو صديقه الذي لم يحصل على وظيفة ويعاني الديون والمشكلات المالية تنخفض لديه معدلات الغضب لأنه يدرك بذلك التأمل أن وضعه أفضل من غيره، وهكذا يمكن قياس العديد من الأمور على ذلك المقياس.
ويساعد الاسترخاء والحصول على قسط من الراحة يومياً والابتعاد عن مشاهدة البرامج التلفزيونية الصاخبة والمنافسات القوية على الحد من التوتر الذي يجلب الغضب، كما تساعد العادات السيئة مثل تعاطي المخدرات والخمور وإدمان بعض أنواع العقاقير التي تعمل كمؤثرات عقلية على اشتعال الغضب وخروجه عن السيطرة، بينما يمكن للكتابة والرسم أو أيِّ عمل إبداعي أن يقلِّلَ من التوتّر، ويساعد على الحدِّ من مشاعر الغضب.
جاءت كثير من البيانات المتعلقة بالعداوة من بحث قام به د. «ردفورد وليامز» بجامعة ديوك، حيث وجد أن الأطباء الذين حصلوا على أعلى الدرجات في اختبار العداوة عندما كانوا طلبة في كلية الطب، كان احتمال وفاتهم في سن الخمسين يزيد سبع مرات على زملائهم الذين حصلوا على درجات منخفضة في اختبار العداوة، اتضح أن ميلهم للغضب كان مؤشراً قوياً على وفاتهم في سن أصغر وليس نتيجة لعوامل الخطر الأخرى مثل التدخين وارتفاع ضغط الدم وزيادة الكوليسترول.
وأبرز الباحثون في جامعة ييل أن الغضب وحده، ربما لا يكون سبب ارتفاع معدل خطر الوفاة بأمراض القلب، إنما الانفعالية السلبية المكثفة من أي نوع كانت هي التي تؤدي إلى انبعاث هرمونات التوتر بانتظام في الجسم.
وعموماً، ترجع أقوى الروابط العلمية بين الانفعالات وأمراض القلب إلى الغضب، وعلى سبيل المثال، عندما سئل أكثر من 1500 رجل وامرأة تعرضوا لأزمات قلبية، عن حالتهم الانفعالية في الساعات التي سبقت الأزمة القلبية، وذلك في البحث الذي أجري في كلية طب جامعة هارفارد، تبيّـن أن خطر السكتة القلبية تضاعف مع مزيد من الغضب مع مرضى القلب بالفعل، واستمر تزايد الخطر لمدة ساعتين تقريباً بعد إثارة انفعال الغضب.
من ناحية أخرى، سجلت مجموعة من مرضى الأزمة القلبية بجامعة ستانفورد في برنامج خصّص لمساعدتهم في تخفيف المواقف التي تجعلهم سريعي الغضب، نتج عن تدريبهم على السيطرة على انفعال الغضب انخفاض في معدل حدوث الأزمة القلبية الثابتة بنسبة 44% على مَنْ لم يحاولوا تغيير انفعالاتهم العاطفية.
كما حقق البرنامج الذي وضعه وليامز نتائج مفيدة ومشابهة، حيث يعلّم هذا البرنامج مثل برنامج ستانفورد عناصر الذكاء العاطفي الأساسية، وخاصة التنبه عند بداية إثارة الغضب، والقدرة على تنظيمه بمجرد بدايته والإحساس بالتعاطف.
ويطلب من المرضى تسجيل أفكارهم العدائية بسرعة، ومحاولة إيقافها إذا استمرت معهم، ويُشّجع هؤلاء المرضى على استبدال أفكارهم العدائية القاسية بأفكار معقولة من خلال المواقف التي تتم فيها التجربة.
