حين وحَّدت الثقافة ما فرَّقته السياسة
د. مفيد عرقوب
صاحب «السردية الفلسطينية الكبرى»
الحلقة (١)
حين أصبح المستحيل ممكنا
في حياة الشعوب محطات لا تُقاس بضجيجها، وإنما بما تتركه من أثر في مسارها. وقد يكون الإنجاز الهادئ أبقى من أحداث كبرى تملأ الدنيا صخبًا ثم تنطفئ؛ لأنه لا يغيّر الوقائع فحسب، بل يغيّر اتجاهها.
وقد تجسد هذا المعنى في مشروع وحدوي قاده الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، ساعيًا إلى استعادة وحدة المؤسسة الثقافية الفلسطينية، وإعادة بناء فروعها على قاعدة واحدة تقوم على الديمقراطية، ووحدة المرجعية، والانتماء إلى الاتحاد العام، بعد سنوات طويلة من التباعد التنظيمي الذي فرضته الظروف السياسية.
وتعود جذور الحكاية إلى التحول الذي شهده العمل الثقافي الفلسطيني في ثمانينيات القرن الماضي، حين فُصل الكتّاب عن الصحفيين في الوطن، فتأسس الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين إطارًا مستقلًا للمبدعين، بينما انتظم الصحفيون في نقابة الصحفيين الفلسطينيين. غير أن هذا التحول ظل محصورًا في الداخل الفلسطيني، في حين بقيت فروع في سوريا ولبنان وغيرها تعمل وفق الصيغة القديمة، داخل اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
ومن هنا بدأت رحلة طويلة لإعادة توحيد البناء المؤسسي للاتحاد.
ولم تكن المهمة تنظيمية فحسب؛ كانت سياسية ووطنية بامتياز. فمكونات تلك الفروع تنتمي إلى مختلف فصائل العمل الوطني الفلسطيني، وتحمل معها ما حملته الساحة الفلسطينية من تباينات عميقة في الرؤى والمواقف بفعل الانقسام. وكان السؤال يطل في كل محطة: إذا كانت السياسة قد عجزت عن جمع المختلفين، فكيف تستطيع الثقافة أن تفعل ذلك؟
لذلك لم تبدُ الفكرة، في بداياتها، مشروعًا قريب المنال، بل حلمًا يقف على تخوم المستحيل.
لكن الأحلام التي تجد من يؤمن بها طويلًا قد تغيّر حدود الممكن.
سنوات من الحوار، وجولات ولقاءات، وأبواب تُطرق ثم تُطرق من جديد. وكان الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، الشاعر مراد السوداني، يرافقه عدد من أعضاء الاتحاد، يتنقل بين القوى والفعاليات الوطنية، باحثًا عن تلك المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها المختلفون حين تصبح الثقافة أوسع من الاصطفاف، وفلسطين أكبر من الفصيل.
لم يكن المطلوب من أحد أن يتخلى عن قناعته السياسية، وإنما أن يتركها خارج باب المؤسسة الثقافية حين يدخل إليها كاتبًا فلسطينيًا. وهنا، في تقديري، كانت الفكرة الأصعب والأجمل في آن: أن الوحدة لا تشترط إلغاء الاختلاف، وإنما القدرة على إدارته تحت سقف جامع.
وكان لا بد لمشروع بهذه الحساسية من خطاب لا يستفز المختلف، ولا يستقوي على المتحفظ، ولا يحوّل الحوار إلى مباراة بين غالب ومغلوب. وقد امتلك السوداني نفسًا وحدويًا، وإيمانًا راسخًا برسالة الثقافة، وقدرة على إدارة الحوار جمعت قوة الحجة إلى رقي العبارة، وسعة الصدر، واحترام الرأي الآخر. وكان للصبر نصيبه أيضًا؛ فبعض الأبواب لا تُفتح من الطرقة الأولى، وبعض القناعات تحتاج إلى زمن حتى تنتقل من التحفظ إلى الاطمئنان.
وأدرك السوداني كذلك أن المشروعات الوحدوية الكبرى لا يصنعها فرد، مهما بلغت قدرته؛ فهي تحتاج إلى المؤسسة وذاكرتها ورصيدها الوطني المتراكم. ومن هنا جاء الحرص على استحضار الرعيل المؤسس للاتحاد، وفي طليعتهم الشاعر خالد أبو خالد، والأديب رشاد أبو شاور، رحمهما الله، ووليد أبو بكر، أطال الله في عمره، إلى جانب قامات أسهمت في بناء الاتحاد وصياغة وعيه.
ولم يكن حضور هؤلاء حضور أسماء تُستدعى لتزيين المشهد، بل حضور ذاكرة وشرعية واستمرارية؛ يذكّر بأن المؤسسة أقدم من خلافاتها، وأن ما جمع أجيالًا من الكتّاب الفلسطينيين قادر على أن يجمع أبناءها من جديد.
وهنا أدركنا معنى آخر للذاكرة المؤسسية: فهي، حين تُستدعى في اللحظات المفصلية، لا تبقى تاريخًا يُروى، بل تتحول إلى قوة تسهم في صناعة التاريخ.
وكانت سوريا الامتحان الأصعب.
في ساحة فلسطينية شديدة التعقيد، مثقلة بحساسيات السياسة وتراكمات السنوات، نجح الاتحاد في إعادة تأسيس فرعه، وإرساء قواعد العمل الديمقراطي فيه، وفتح الطريق أمام انتخاب هيئاته، ليعود جزءًا أصيلًا من الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين.
فما تحقق هناك لم يولد من جولة أو جولتين، ولا من حوار امتد أشهرًا؛ بل سبقه ما يقارب عشر سنوات عجاف من المحاولات والحوارات بالغة الصعوبة والتعقيد، تتقدم مرةً وتتراجع أخرى، وتُفتح فيها الأبواب ثم توصد، قبل أن يُعاد طرقها من جديد. عشر سنوات ظلت خلالها الفكرة معلقة بين إرادة الوحدة وثقل الانقسام، وبين ما تريده المؤسسة الثقافية وما تفرضه تعقيدات الساحة الفلسطينية وتشابكاتها السياسية والتنظيمية.
ولذلك، حين نجح الاتحاد أخيرًا في إعادة تأسيس فرعه في سوريا، وإرساء قواعد العمل الديمقراطي فيه، وفتح الطريق أمام انتخاب هيئاته، لم يكن قد أضاف فرعًا إلى هيكله التنظيمي فحسب؛ كان يطوي عشر سنوات من الصبر، ويبرهن أن ما يقف طويلًا على تخوم المستحيل قد يدخل، بالإصرار والحوار، في حدود الممكن.
كان ذلك هو الاختراق الحقيقي.
وما إن انفتح الباب في سوريا حتى أخذ المشروع يتجاوز حدودها؛ فامتد إلى لبنان ومصر، حيث استُكملت خطوات الفصل بين الكتّاب والصحفيين، وشُكلت اللجان التحضيرية تمهيدًا لعقد المؤتمرات الانتخابية وإعادة بناء الفروع، ثم صعد المشروع شمالًا وشرقًا نحو الخليج وأوروبا، حاملًا الفكرة نفسها: أن يستعيد الكتّاب الفلسطينيون، حيثما وجدوا، صلتهم بمؤسستهم الثقافية الجامعة.
كان الاختراق السوري قد غيّر السؤال نفسه: لم نعد نسأل هل تستطيع الثقافة أن تجمع ما فرقته السياسة، بل أين ستكون المحطة التالية؟

