أنور الخطيب.. يبتكر فلسطين في القصيدة  بقلم جواد العقاد 

أنور الخطيب.. يبتكر فلسطين في القصيدة بقلم جواد العقاد 

أنور الخطيب.. يبتكر فلسطين في القصيدة

بقلم جواد العقاد

لا يمكن النظر إلى اللجوء في تجربة أنور الخطيب بوصفه ذاكرة فلسطينية تستعاد كلما حضرت فلسطين في القصيدة، لأن اللجوء عنده يتجاوز حدود الحكاية إلى كونه جزءاً من الوعي الذي تشكلت داخله علاقته بالمكان والإنسان والوطن، وهو جرح الذاكرة حين يتحول إلى لغة، والمكان حين يغيب عن الجغرافيا ويظل حاضراً في الروح.
أنور يعيد إنتاج معنى اللجوء بالشِّعر كلما تغيرت علاقتنا بفلسطين، وكلما تعرضت صورتها للاختزال في الخطاب السياسي والشعارات. فاللاجئ في تجربته إنسان أعاد بناء علاقته بالوطن من خلال الذاكرة، وحمل المكان معه إلى المنافي والمخيمات والأجيال التي ولدت بعيداً عن البيت، لكنها لم تولد بعيدة عن حكايته.
ومن هنا، تبدو فلسطين في شعره أكثر اتساعاً من صورتها المتداولة. هي المكان والذاكرة والتاريخ، وهي أيضاً ذلك الحلم الذي ظل مفتوحاً رغم كل ما أصاب الفلسطيني من اقتلاع ومحو وتشظٍّ. وكلما ضاقت فلسطين في الخطاب، اتسعت في القصيدة، وكلما تحولت إلى فكرة مجردة، أعادها أنور إلى الإنسان وتفاصيل حياته الأولى: البيت، والمفتاح، والأم، والشجرة، والحنطة، والموت.
في قصيدة “اللاجئون” تتقدم هذه الرؤية بوضوح، إذ لا يتعامل الشاعر مع اللاجئ باعتباره صورة جاهزة من صور المأساة الفلسطينية، وإنما يحاول النفاذ إلى تكوينه الداخلي؛ إلى ذلك الصراع الذي يجعل الإنسان يحمل وطنه بوصفه ذاكرة وهوية وجرحاً مفتوحاً في الوقت نفسه. فاللجوء هنا أثر النكبة المستمر في الوعي الفلسطيني.
وهذا ما يجعل تجربة أنور مختلفة في علاقتها بفلسطين، فهو يكتب اللجوء باعتباره سؤالاً يتجدد داخل الإنسان.. يبحث عن فلسطين في ذاكرتها الإنسانية، وفي التفاصيل التي تمنح المكان روحه، وفي الخوف الدائم من أن تتحول القضية مع الزمن إلى صورة بلا حياة.
لهذا يبتكر أنور الخطيب فلسطين الحلم الضائع؛ فلسطين التي لا تختصر في حدود ولا نشيد ولا خطاب، وإنما تبقى طاقة كامنة في الذاكرة، وقيمة تتجدد في اللغة.
ومن هنا يصبح اللجوء في أدبه طريقة أخرى للبحث عن الوطن. حين يغيب المكان، تتقدم الذاكرة، وحين تعجز الجغرافيا عن استعادة البيت، تحاول القصيدة أن تبنيه من جديد. وفي هذه المسافة بين ما كان وما ينبغي أن يكون، يظل أنور الخطيب يكتب فلسطين؛ لا كما تُقال في الخطاب، وإنما كما تعيش في الإنسان.

التص

يستيقظ اللاجئون قبل العصافير
حيث المفاتيح مدوزنة
على مقامات الحناجر
معلقةٌ قرب القلوب
وحين يختنق اللاجئون
يبتكرون مجرى جديداً للهواء
حيث ذاكرة البيوت
مؤثثةٌ بوصايا الشهداء
اللاجئون مفاتيح تسكن الخيامَ
في القصائد المعلقةِ
يستدرجون كل غيمة تظللهم
يودِعون في مائها أبناءهم
ويطلقونها
 تمطر نرجساً وفسائل حب
اللاجئون سنابل قلب
حنطة الأمكنة
أرغفة الأزمنة
وقود القمر
 اللاجئون يُبعثون من الحرائق
لهب معشّقٌ بالشجر
لا يطفئون النار إنما
يعانقون مفاتيح الله
يرشدهم إلى بيوتٍِ
تجري من تحتها الأنهار 
فينشدون: بيوتنا يا ألله
يجري من تحتها دمنا المعسّل
وخمرُ شوقنا كآية تتنزل

 

اترك تعليقاً