قرن من الإدارة بلا سيادة: قراءة في كتاب “إدارة فلسطين: سلطة معلّقة”      بقلم:  سحر الهنيدي بالمر

قرن من الإدارة بلا سيادة: قراءة في كتاب “إدارة فلسطين: سلطة معلّقة” بقلم: سحر الهنيدي بالمر

قرن من الإدارة بلا سيادة: قراءة في كتاب “إدارة فلسطين: سلطة معلّقة”
تأليف: توفيق الغصين | مشروع بريطانيا فلسطين، 2026 | 151 صفحة
سحر الهنيدي بالمر — كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية

السؤال الذي لم يُجَب عنه
ثمة سؤال يتردد في صميم القضية الفلسطينية منذ أكثر من قرن، ولم يتلقَّ حتى اليوم إجابة: مَن يملك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين، وبأي حق؟
لا يبدأ توفيق الغصين في كتابه الأول بتحدٍ أو بيان أو عنوان صحفي. يبدأ بوثيقة — صك الانتداب الصادر عام 1922 — ويقرأها بصبر مَن يدرك أن أشد أنواع العنف فتكاً، هو البيروقراطية الصامتة.

يُسمّي الانتداب الشعب اليهودي كياناً سياسياً، ويمنحه ممثلاً معترفاً به، ويكتب مستقبله في القانون الدولي. أما الأغلبية العربية التي كانت تشكّل نحو 88 بالمئة من السكان آنذاك، فلا تظهر في النص إلا عبر النفي: “المجتمعات غير اليهودية القائمة”، “سائر فئات السكان”، “السكان الأصليين”. شعب واحد مُنح صفة الفاعل السياسي، والآخر أُدرج كسكان ينبغي إدارتهم.
وحجة الغصين المحورية أن هذا التمييز التأسيسي لم يُلغَ قط، بل أعيد تشكيله بطرق مختلفة، من قبل كل سلطة تعاقبت على حكم فلسطين منذ ذلك الحين.
الاعتراف بلا سلطة
يقدّم الكتاب تمييزاً فكرياً بالغ الأهمية بين الاعتراف والسلطة. فهما ليسا شيئاً واحداً، والغصين دقيق في بيان الفارق بينهما. أن تُعترف بك يعني أن تُرى وتُسمَّى وتُمنح مسموعية. أما أن تمتلك سلطة فهو شيء آخر تماماً: أن تكون أنت المصدر الذي تصدر عنه القرارات الملزمة.
يمكن لشعب أن يحظى باعتراف واسع — وأن تُوثَّق أحواله وتُجرى عنه الدراسات والمسح الجغرافي الكامل، ويُمثَّل في المحافل — دون أن يمتلك أي سلطة فعلية.
هذه هي الحالة الفلسطينية بامتياز. فلقد أقرّ وعد بلفور بوجود سكان البلاد ولم يمنحهم أي سيادة على مستقبلهم. كما وثّقت لجنة كينج-كراين عام 1919 مطالب السكان بأمانة، ثم أُودع تقريرها الأدراج.
خضعت اللجنة العربية العليا للمراقبة والتفاوض، ثم حُلّت في اللحظة التي بدأت فيها تحديداً بتحويل الاعتراف بها إلى سلطة فعلية. ومَنح اتفاق أوسلو اعترافا رسمياً بقيادة فلسطينية، لكنه حجب عنها السلطة السيادية التي كان من شأنها أن تمنح هذا الاعتراف أي معنى حقيقي.
ويتكرر النمط بما يصفه المؤلف بـ”الدقة المُقلقة”. ليست هذه مؤامرة في رأيه، بل هي بنية — بنية أعادت تشكيل نفسها عبر حكام مختلفين، وحقب مختلفة، ومفردات سياسية مختلفة، لأنها قد نُسجت في القانون نفسه منذ البداية.
من الحقوق إلى التصاريح
القسم الثالث من الكتاب، انتقالا من التاريخ إلى الوضع الراهن، هو الأكثر إزعاجاً. يتتبع الغصين هنا كيف جرى تحويل الحقوق السياسية إلى فئات إدارية بصورة منهجية. تحوّلت الحقوق إلى تصاريح. وتحوّل حق السيادة إلى تنسيق. وتحوّل التحرر إلى تنمية. لم تعد القضية الفلسطينية تُعالَج باعتبارها قضية حق سياسي، بل أُعيدت صياغتها عقداً بعد عقد على أنها مشكلة كفاءة إدارية.
تتجلى تداعيات هذا التحويل في كل شيء: من نظام التصاريح الذي يحكم حركة الناس في الضفة الغربية، إلى حساب السعرات الحرارية المسموح بإدخالها إلى غزة، ومن المنصات الرقمية التي تُقيّد الشهادة الفلسطينية وتحجبها، إلى المنظومة الإنسانية التي توثّق المعاناة بدقة بالغة مع إبقاء الفلسطينيين بلا أي سلطة على الظروف التي أنتجتها. ما يكشفه الكتاب أن هذه ليست أنظمة منفصلة — بل تشكّل مجتمعةً نظاماً سياسياً متكاملاً يُبقي شعباً محكوماً بالكامل، مع إبقاء سؤال الشرعية في حالة تعليق دائم.
أما الصورة الختامية فهي الأقوى في الكتاب: بطاقة الأونروا للحصص الغذائية، موضوعة جنباً إلى جنب مع مذكرة هربرت صموئيل عام 1915. قرن يفصل بينهما. كُتبتا لغرضين مختلفين تماماً، في عالمين مختلفين. ومع ذلك تنجزان، بدقة مثيرة للقلق، العملية ذاتها: كلتاهما ترصد سكاناً فلسطينيين بعناية، ولا تحتوي أي منهما على خانة يمكن أن يُسجَّل فيها كيان سياسي فلسطيني.
لماذا هذا الكتاب الآن

يصدر “إدارة فلسطين” في لحظة تدخل فيها غزة مرحلة جديدة من الحوكمة الخارجية، فهو ليس كتاباً عن الماضي — بل تشخيص للحاضر. لا يقول الغصين إن الفلسطينيين حُرموا من السيادة فحسب، بل يقول إن الحرمان تحقّق مرة بعد مرة عبر الترجمة الفعلية: تحويل مطالبة تستوجب جواباً إلى فئة لا تستلزم إلا الإدارة.
ما لم تُواجَه هذه الآلية وتُسمَّى، يُلمّح الكتاب، فإن كل اقتراح جديد لن يكون إلا تكراراً لترتيب قائم منذ أكثر من قرن.
كتاب رصين وصارم وضروري.

سحر الهنيدي بالمر كاتبة ومرشدة حياة وبودكاستر بريطانية فلسطينية، صدر لها أربعة عشر كتاباً، وصدرت مؤخرا مجموعتها الشعرية العربية الأولى “أنثى السَّحر” عن دار عنوان للنشر.

اترك تعليقاً