لتعلو بي وأعلو بها … 📖
قراءة عشتارية في شعر أنور الخطيب … 📖
بقلم : سارة بهزاد … ✍

يكتب الشاعر أنور الخطيب :
«لامرأة، تلكز حزني بحائها
كأنها ابتسامتي ولحاؤها
تحرّضني، أتسلقها
لتعلو بي وأعلو بها
لامرأة تغويني أمومتها
تُضحكني ملء طفولتها
كلما عانقتها
عانقتُ نفسي بأنفاسها
واستويتُ لهاثاً
في صدور العاشقين».
في هذا النص، لا تبدو المرأة كائنًا عاطفيًا عابرًا داخل اللغة، بل تظهر بوصفها بنية أسطورية تستعيد في الذاكرة الشرقية صورة الأنثى الأولى؛ تلك التي تجمع بين الحب والأمومة والخصب والارتقاء الروحي.
فالقصيدة لا تكتب المرأة باعتبارها موضوعًا للرغبة، وإنما باعتبارها قوة إحياء، شبيهة بما تمثله عشتار في المخيال الرافدي القديم، حيث تتحول الأنثى إلى طقس عبور يعيد الإنسان إلى ذاته الأكثر بدائية وصدقًا.
ومن هنا، يمكن قراءة النص لا بوصفه قصيدة غزل، بل بوصفه سردية رمزية تتخفى داخل لغة العشق، فيما تستدعي في عمقها الأثر الأسطوري للأنثى المقدسة؛ المرأة التي تمنح الحياة، وتعيد تشكيل الذات، وتجعل العاشق يولد من جديد عبر أنفاسها.
ولعل هذا المعنى يتقاطع مع ما أورده فراس السواح في كتابه عن عشتار حين يقول:
«من الأعلى العظيم، تاقت الربة إلى الأسفل العظيم».
فالحركة هنا ليست انتقالًا مكانيًا فحسب، بل نزولٌ رمزي نحو أعماق الوجود الإنساني، وهو ما يتماهى مع لغة الشاعر في قوله:
«لتعلو بي، وأعلو بها
لامرأة تغويني أمومتها
تُضحكني ملء طفولتها».
فالمرأة في هذه اللغة الشعرية لا تؤدي دور الحبيبة وحدها، بل تستعيد أسطورتها المنسية داخل الذاكرة الإنسانية؛ إذ تتحول الأمومة إلى قوة خلق، وتصبح الطفولة شكلًا من أشكال البراءة الأولى التي تسبق تشوّه العالم.
ومن هذا المنظور، يغدو الشعر فعلَ تذكّرٍ بالمعنى الأفلاطوني؛ فالمعرفة عند أفلاطون ليست اكتشافًا خالصًا، بل استعادة لما كان كامنًا في الروح. وكأن الشاعر هنا لا يبتكر المرأة، بقدر ما يعيد إيقاظ صورتها الأولى بوصفها أصلًا للحياة
