كلمة الدكتور عماد يونس فغالي في حفل توقيع كتاب الدكتور كريستيان الخوري

كلمة الدكتور عماد يونس فغالي في حفل توقيع كتاب الدكتور كريستيان الخوري

حفل توقيع كتاب الدكتور كريستيان الخوري

(يوم السبت ٦ حزيران ٢٠٢٦ في قاعة البطريرك الياس الحويك- ثانوية مار يوسف لراهبات العائلة المقدّسة/ جبيل)

كلمة الدكتور جورج إبراهيم حدّاد في تقديمُ الدكتورِ عمادِ يُونُسَ فَغَالِي:


حينَ يَمْتَزِجُ لاهوتُ السَّماءِ بِفَصاحَةِ الضَّادِ، وَتَلْتَقِي أَسْرارُ الرُّوحِ بِعَبْقَرِيَّةِ النَّقْدِ، يُولَدُ قَلَمٌ يَفِيضُ نُورًا وَفِكْرًا، وَتَتَحَوَّلُ الكِتابَةُ عَلَى يَدَيْهِ إِلَى صَلاةٍ فِي مِحْرابِ الكَلِمَةِ الإِنْسانِيَّةِ.
قامَةٌ فِكْرِيَّةٌ شامِخَةٌ، تَضْرِبُ جُذُورُها فِي أَصالَةِ بَلْدَةِ «فَغالَ» الجُبَيْلِيَّةِ، وَتَحْمِلُ فِي فِكْرِها أُفُقَ بَيْرُوتَ الَّتِي شَهِدَتْ وِلادَةَ قَلَمِهِ المُبْدِعِ.
نَحْنُ فِي حَضْرَةِ عالِمٍ جَمَعَ المَجْدَ مِنْ أَطْرافِهِ؛ فَهُوَ الَّذِي تَعَمَّقَ فِي عُلُومِ اللاهُوتِ فِي جامِعَةِ الرُّوحِ القُدُسِ – الكَسْلِيكِ، وَتَوَّجَ مَسِيرَتَهُ الأَكادِيمِيَّةَ بِدُكْتُوراهٍ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَآدابِها مِنَ الجَامِعَةِ اللُّبْنانِيَّةِ، لِيَغْدُوَ أُسْتاذًا جامِعِيًّا، وَباحِثًا، وَناقِدًا أَدَبِيًّا مِنَ الطِّرازِ الأَوَّلِ، يَتَلَمَّسُ الجَمالَ فِي النَّصِّ، وَيُفَكِّكُ أَسْرارَ الإِبْداعِ بِبَراعَةٍ.
لَمْ تَقِفْ مُؤَلَّفاتُهُ الأَدَبِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ وَالاجْتِماعِيَّةُ عِنْدَ حُدُودٍ، بَلْ تَجاوَزَتْ بِأَثَرِها كُلَّ عَدَدٍ، فَصالَ وَجالَ مُحاضِرًا وَمُوَجِّهًا فِي كُبْرَى المُؤْتَمَراتِ المَحَلِّيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ.
وَلِأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِأَنَّ الثَّقافَةَ فِعْلُ تَلاقٍ، فَقَدْ غَرَسَ فِي السَّاحَةِ الثَّقافِيَّةِ مَنارَةً تَشِعُّ إِبْداعًا، بِتَأْسِيسِهِ مُنْتَدَى «لِقاءٍ» الأَدَبِيَّ عامَ ٢٠١٦.
الحُضورُ الأَفاضِلُ… نَبْقَى الآنَ مَعَ مِسْكِ الكَلامِ، وَفَيْضِ الوَعْيِ، مَعَ صاحِبِ الحُضورِ الفاعِلِ وَالمُؤَثِّرِ فِي الحَياةِ الثَّقافِيَّةِ وَالأَدَبِيَّةِ وَالكَنَسِيَّةِ، الدُّكْتُورِ عِمادِ يُونُسَ فَغالِي. الكَلامُ لَكُمْ.
……….
كلمة الدكتور عماد فغالي


رزق… وقف” كنيسةٌ في جذور

قراءة سوسيو إنسانيّة لكتاب الدكتور كريستيان الخوري

لافتٌ اختار الدكتور كريستيان الخوري عنوانًا لمؤلَّفه النحتفي به الليلةَ، مشوّقًا إلى حدّ “رزق… وقف”. وُفّق به لاعتباراتٍ عدّة. في الذاكرة الشعبيّة، رزق الوقف خطّ أحمر، كأنّي بنا نردّدُ استكمالاً: “ومار يعقوب عينو ضيّقة”. من ناحية أخرى، خرج المؤلّف من نمطيّةِ العناوين الأكاديميّة، إلى جاذبيّة الحشريّة المعرفيّة، عبر تسميةٍ متداوَلة في المعيوش اليوميّ تحرّكُ حبَّ الاطّلاع في الأوساط المجتمعيّة المختلفة.
إن يقُلْ رزق وقف، يقصدْ، في الواقع يشرحْ في معرضِ تفصيله أنِ الوقفُ، أرزقًا كان أم مالاً، ممنوعٌ من التصرّف الشخصيّ لصالح الخير العامّ، خدمةَ الفقراء بالتحديد. رزق الوقف إذًا، “ما بيندقّ فيه” تحت طائلة غضب القدّيس، في المعتقد الشعبيّ
في الإيمانات الشعبيّة، قد لا تعني التسجيلات الكنسيّة (ما يُعرف بالدفاتر الخمسة) إلاّ انتماءً إلى الجماعة. بالنسبةِ إلى رعاة الكنيسة، تَهدي إلى مصداقيّةِ العمل الطقسيّ والأسراريّ اليرافق الحياةَ المسيحيّة وقانونيّة تنظيماتها… يتجاوزُ الفكرُ التأريخيّ ما سبقَ كلّه إلى اعتباراتٍ سوسيو إنسانيّة، تطال الجماعة البشريّة في تشكّلاتها الكنسيّة والمجتمعيّة والديموغرافيّة في الزمان والمكان التتواجد فيهما الكنيسة بناءً ورزقًا، كما المؤمنين اليكوّنون رعيّتَها على اختلاف امتداداتها


هذا بالتحديد ما أتاه الدكتور كريستيان الخوري في “رزق… وقف”. الكتابُ مصنّفٌ منذ العنوان دراسةً تاريخيّة. وهو لأجل ذلك مستندٌ إلى وثائقَ ومخطوطات، نقلت إلى الكاتب المعطيات التاريخيّة من مصادرها الأوّليّة، من دونها نروح في سرديّاتٍ مزاجيّة. قال في حديثٍ تلفزيونيّ: “من دون وثائق، بتكتب شو ما بدّك”، كي لا يقول تكتب “شو ما كان”
في هذا الإطار، يحدّد المؤلّف مصادرَ بحثه، اليعلن مجالَ وصوله إليها شاكرًا تعيينه عضوًا في لجنة وقف ماريعقوب ومضطلعًا بأمانة سرّها، فتوفّرت له سجلاّتُها من جهة، وأضيفت إلى اطّلاعاته الوثائقُ القديمة ليتمكّن من تكوين صورةٍ واضحة عن جذور الكنيسة بناءً واستعمالاً، كما عن أصول التواجد الجبيليّ العائليّ وانتمائه إلى الكنيسة رعيّةً ومجتمعًا
لن أدخلَ في القراءة التاريخيّة، ولستُ المخوّل لها. تهمّني الإشارة إلى كم تبيّن الوثيقة أمورًا يغفلها الناس، هؤلاء اليشكّلون نواة الرعيّة الجبيليّة والقائمين على إدارتها، وهي أساسُ أهمّيتها وفخرُ أبنائها… في هذا السياق، أمَا يهمّنا احتواء أرض كنيسة مار يعقوب رفاتَ المطران اسحق الشدراوي مطران طرابلس المارونيّ آنذاك، لتبيان مكانة الكنيسة وأولويّتها عند السلطة الكنسيّة المحليّة وأهل المدينة على السواء؟


من ناحية أخرى، تُظهر الوثائق أيضًا اشتراك العائلات الجبيليّة من دون استثناء في إدارة شؤون الكنيسة وأوقافها، ما يعني تكوّنها كنيسةً رعائيّة قائمة في ذاتها، أقلّه في اعتبارات المجتمع الجبيليّ واهتماماته. وبعدُ أكثر، يشعر أبناء العائلات الجبيليّة كم “ما يعقوب” كنيستُهم هي، في لجان وقفها أفرادُ عائلاتهم، مدوّنةٌ أسماء أهلهم وذوي قرباهم. وفي سجلاّتها الناطقة بالحركة المعيشيّة، أكنسيًّا أم مجتمعيًّا، بروز العائلات الجبيليّة منذ قيام الكنيسة في القرن السابع عشر أقلّه، حسب الوثائق، حتى يومنا هذا
وفي عَودٍ إلى المصادر التي استند إليها الباحث، تجدر الإشارة إلى إلمامه بجميعها في المادّة. وهذا دليلٌ على احترافيّته في المجال التأريخيّ والمنهجيّ من جهة، وإتقانه الجدّي للبحث العلميّ التوثيقيّ من جهةٍ أخرى. حسبي أتكلّمُ أنموذجًا، على اعتماده قانون الجمعيّة الخيريّة المارونيّة مصدرًا، ليُبرزَ ارتباطَ العمل المجتمعيّ بالإفادة الكنسيّة لخدمة أهل مدينة جبيل إنسانيًّا وحياتيًّا
في ختام عجالتي هذه، يحضرني إعلانٌ رعاويٌّ لإحدى القرى، يقدّم عرضًا لاستئجار أراضٍ زراعيّة يملكها الوقف بواسطة المناقصة، ويقول النصّ: “تعطى الأفضليّة في التعاقد… للعرض الأنسب لمصلحة الوقف”. من دون الأخذ في الاعتبار مصلحة أبناء الرعيّة القد يكونون في حاجةٍ لمردود استثمار هذه المساحات الوقفيّة… ما أقوله هنا يؤكّد في اعتقادي أهميّة الكتاب البين أيدينا الليلةَ في تذكيرنا بالأصول العباديّة والروح المسيحيّة عمومًا، الدفعت إلى وقف الأرزاق لصالح الكنيسة، من أجل خدمة الناس أوّلاً والفقراء دائمًا. وهذا بالطبع ما أتاه ضمنًا مؤلّف “رزق… وقف” من خلال دراسته التاريخيّة لكنيسة مار يعقوب جبيل، تُضاف إلى الفوائد العلميّة على الصعد اليخدمها الكتاب كافّةً.

اترك تعليقاً