حين يكتب أنور الخطيب ورطة الشعر بقلم: سحر الهنيدي بالمر

حين يكتب أنور الخطيب ورطة الشعر
بقلم: سحر الهنيدي بالمر | كاتبة وبودكاستر
في كل ديوان جديد لأنور الخطيب، أرى وجهاً مختلفاً من الشاعر نفسه، ومرحلة مختلفة من علاقته باللغة. لكن “حنوناً كياسمين الظهيرة” بدا لي أكثر من ديوان شعر.

منذ الصفحات الأولى، يبدو أن أنور الخطيب لا يكتب من موقع الشاعر الذي يمتلك المعنى، بل من موقع من يطارده.
كأن الشاعر فتح باب الورشة الداخلية للقصيدة، وترك القارئ يراقب كيف تتشكل اللغة، وكيف تتورط، وكيف تنهار أحياناً ثم تعود لتبتكر نفسها من جديد. في هذا الديوان يكتب الخطيب ورطة الشعر نفسها.
النصوص لا تعمل بصورة منفصلة عن بعضها. هناك خيط داخلي يحيك القصائد كلها ويحوّلها إلى سؤال واحد يتكرر بأشكال مختلفة: ما الشعر، ومن يبقى من الشاعر بعد أن تنتهي القصيدة؟
مختبر القصيدة
كثيرون كتبوا عن لغة أنور الخطيب في هذا العمل، وهي تستحق ذلك فعلاً، لكن ما يستحق الذكر حقاً هو بنية الديوان.
ما صنعه الخطيب هنا ليس مجموعة نصوص تتشارك موضوعاً أو مزاجاً عاماً، بل مشروع شعري كامل يكشف كيف تولد القصيدة من الداخل. كأن القارئ داخل المختبر نفسه.
في نصوص مثل “الوحي تلميذ شقي” و”اغتيال الشعر” و”وصفة شعرية” و”النص ما قبل الأخير”، يفكك الشاعر الأداة أمامك وهو يستخدمها. الوحي لا يظهر كحالة صفاء أو إلهام رومانسي، بل ككائن مراوغ، متقلب، شهواني أحياناً، يقترب ثم يختفي.
القصيدة إذاً حالة اشتباك مفتوحة مع اللغة، والوحي، والذاكرة، والمنفى، والجسد، وحتى مع فكرة الشعر نفسها.
هذا التعامل مع الوحي يكشف وعياً عميقاً بفوضى الكتابة نفسها، وبأن القصيدة ليست نتاج سيطرة، بل نتاج مطاردة طويلة مع المجهول. وهذه واحدة من أكثر النقاط التي تمنح “حنوناً كياسمين الظهيرة” خصوصيته داخل تجربته الشعرية.
ما لفتني في هذا الديوان تحديداً أن الخطيب يقترب من القصيدة كما لو أنها كائن مراوغ لا يُروَّض بالكامل. الوحي هنا ليس لحظة صفاء، بل حالة قلق دائم. يظهر مرة كغجري، ومرة كهارب، ومرة ككائن شهواني، ثم يعود ناسكاً أو خائناً أو إعصاراً.
المرأة جزء من البنية
المرأة كذلك ليست حضوراً عاطفياً تقليدياً، بل باباً آخر للكشف. أحياناً تتحول إلى صورة للوحي، وأحياناً إلى مرآة للقصيدة نفسها. ولهذا يتحرك النص باستمرار بين الحسي والروحي من دون أن يفصل بينهما.
العنوان الخادع
“حنوناً كياسمين الظهيرة” يبدو عنواناً هادئاً ورقيقاً، لكن الداخل مختلف تماماً. هناك عالم مليء بالقلق، والأسئلة، والاحتراق، واللغة التي تقف دائماً على حافة الانفجار.
هذا التناقض بين العنوان والعالم الداخلي ليس مصادفة، بل جزء من اللعبة التي يبنيها الخطيب مع قارئه منذ الصفحة الأولى.
حين تفقد اللغة طمأنينتها
ما يجعل هذا الديوان مختلفاً عن كثير من الأعمال التي تكتب اليوم عن الشعر، أنه لا يقدم تنظيراً للقصيدة، بل يجعل القارئ يعيش ارتباكها وتوترها وتشكّلها لحظة بلحظة.
بعد الصفحات الأخيرة، لا يبقى السؤال: ماذا قال الشاعر؟ بل: كيف خرج كل هذا التوتر بهذا القدر من الجمال؟
#حنون#ياسمين#ذكاء_اصطناعي#حب#حرب#سحر

اترك تعليقاً