التحرش الجنسي في السياق الاستعماري       بقلم باسم خندقجي

التحرش الجنسي في السياق الاستعماري بقلم باسم خندقجي

لا يتمحور العنف الاستعماري في بنيته العامة في احتكار القوة القمعية وممارستها ضد المستعمَر فحسب، بل يأخذ هذا العنف بالتغلغل في مستويات أشد تعقيدًا في أوساط الجماعات المستعمَرة.

ومن أهم هذه المستويات مستوى الوعي والتصورات والمعايير الأخلاقية الخاصة بالجماعات الخاضعة لسياسات الاستعمار، وفي الحالة الفلسطينية، فإن نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني يعتمد على عقيدة كيّ الوعي الفلسطيني وإشغاله الدائم عن قضاياه الرئيسية وإرباك أولوياته، والتي تُعتبر من أهمها أولوية صون وحماية المرجعية الأخلاقية الموجّهة والضابطة والحامية لكل ما يكفل استعادة الفلسطيني/ة لملامحه الإنسانية، عبر ممارسة ثورية واعية تكفل بدورها التصدي وحل التناقض الرئيس المتمثل بالنظام الصهيوني، وإلحاق كافة التناقضات الثانوية به.

غير أن هذه المرجعية الأخلاقية بأبعادها الثقافية والسياسية والاجتماعية، والتي كانت على مدار عقود بوتقةً لصهر كافة التناقضات الفلسطينية الداخلية، فشلت أو عجزت عن معالجة قضايا معينة داخل الجماعة الفلسطينية بحجة أنها تناقضات ثانوية يجري معالجتها في سياق التصدي والمواجهة مع النظام الصهيوني، فلا نحن تصدينا ولا نحن عالجنا تلك القضايا.

فهل يتقاطع التحرش الجنسي في السياق الاستعماري مع قضايا التحرش الجنسي في العالم؟

في ذروة الإبادة الجماعية بكافة مستوياتها وأشكالها، كيف يمكن للفلسطيني التخلص من وحشية هذه الإبادة، إذا ما كسب العالم والرأي العام وخسر ذاته؟

إن التحرش الجنسي لكلا الجنسين أينما كان مكانه وزمانه، هو شأن صعب ومؤلم وفظيع، غير أن سياقات التحرش تختلف وتتباين ما بين مجتمع وآخر لناحية حيثياته ودوافعه ونتائجه وإجراءات معالجته، وفي الحالة الفلسطينية الاستعمارية، تحمل ممارسة التحرش الجنسي بكافة أشكاله المعنوية واللفظية والجسدية بُعدًا مزدوجًا مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالبنية الاستعمارية، وفي صورته الأولية هو بعد ناتج عن ذكورية الجماعة المستعمَرة والتي تتواشج مع ذكورية المستعمِر القامع والمسيطر لناحية خشونة المواجهة والمخاطر الوجودية والخطاب المعبّأ بالبطولة وشخصية القائد المخلّص، والذكورية هنا لا تتعلق فقط بتمكّن الرجل الذكر المهيمن من القيادة وامتلاك أدوات السيطرة والإقصاء، بل في المفهوم العام للذكورية الأبوية التي تنخرط بها المرأة أيضًا في بعض الأحيان ككائن ذكوري متخيّل يطمح للاستفادة من مزايا الاندماج في مركز الرجل المسيطر، لدرجة أن بعض النساء في الجماعة المستعمَرة يشرعن باستهجان واستنكار إثارة قضية تعرض امرأة ما للتحرش الجنسي من قبل الرجل “الألفا”، بحجة أن هذا القائد يتعرض لحملة تشويه متعمدة ومموّلة وشيطانية، في الوقت الذي ينشغل فيه هذا القائد بهموم الأمة وكيفية الخلاص من استعمار واضطهاد جماعته، وبالتالي فإن ممارسة التحرش الجنسي تستمد شرعيتها من الانشغال بالتناقض الرئيسي، وعدم إيلاء أية أهمية أو معالجة تُذكر لآلام هذه المرأة أو ذلك الرجل اللذين تعرضا للتحرش، إما من أحد أفراد أسرتيهما، أو من زميل بالعمل، أو من قائد سياسي مغوار.

والبُعد الآخر للتحرش الجنسي هو إقصائي وقامع بامتياز، ويتجلى في كيفية معالجة الجماعة المستعمَرة لقضايا التحرش وتداعياتها، وذلك من خلال تسطيحها ونزع شرعية المظلومية والأهمية عنها، بحجة الانهماك في قضايا مركزية ذات أهمية قصوى كقضية انتخابات الكنيست على سبيل المثال، أو التصدي لقطعان المستوطنين في الضفة الغربية المستعمَرة، أو أولوية البقاء والصمود في وجه الإبادة الجماعية.

وبهذا يغدو كل من يدافع ويتبنى قضايا التحرش الجنسي متهمًا ومشكوكًا في وطنيته وانتمائه، وتشتيته للجهد المركزي المنصب في كيفية إسقاط حكومة نتنياهو المتطرفة، وكأن الحكومات الصهيونية السابقة كانت رقيقة القلب وداعمة للسلام والتعايش.

وإذا ما كان التحرش الجنسي مرتبطًا بأبوية وذكورية الجماعة المستعمَرة، فإن معالجته وإسقاطه والوقوف في وجه كل من يمارسه، يُعد هدفًا للخلاص من العنف الاستعماري الشامل، وجزءًا لا يتجزأ من مشروع التحرر الوطني، لأن هذا المشروع برمته لا يستمد شرعيته سوى من منظومة أخلاقية جامعة وضامنة لكرامة ومعايير جماعتها المضطهدة والمقموعة، فإذا ما تغاضت هذه المنظومة عن قضايا حساسة ومنتهكة لمعايير ووعي الجماعة، فهذا يعني تمكّن البنية الاستعمارية من تفكيك وضرب نسيج الجماعة الأخلاقي والمجتمعي، والتغاضي في هذه الحالة يكمن في إحالة قضية تحرش جنسي معينة إلى ميدان للصراع الفئوي وتصفية الحسابات، مما يؤدي بالنهاية إلى تغييب وإزاحة القضية ذاتها عن أولويات الجماعة، لا بل تغليفها بالشبهات والمؤامرات والتساؤلات، التي تندغم بدورها في ممارسة التحرش والاغتصاب المعنوي لكل من يسعى لانتزاع حق الضحية واستعادة كرامتها.

وفي ذروة الإبادة الجماعية بكافة مستوياتها وأشكالها، كيف يمكن للفلسطيني التخلص من وحشية هذه الإبادة، إذا ما كسب العالم والرأي العام وخسر ذاته؟ وكيف ستصون الجماعة حقوق أفرادها وكرامتهم الجماعية والفردية إذا ما قمعت حق ضحايا التحرش الجنسي والعنف الأسري والتمييز العنصري في تمثيل معاناتهم، والمطالبة بإنسانيتهم؟

وهل قضية التحرش الجنسي هي مجرد قضية يمكن حلها قانونيًا وقضائيًا داخل السياق الاستعماري، أم هي قضية لا يمكن حلها سوى بالخلاص من الذكورية المقيتة وأخلاقياتها المنتفخة زورًا وقمعًا والمستحوذة على وعي الجماعة المستعمَرة؟

#التحرش_الجنسي#عدو#ذكورية

اترك تعليقاً