الحرب فجّرت اللغة والإنسان المبدع
جواد العقاد
أرى أنّ المشهد الثقافي والإبداعي في غزّة ليس بمعزل عن الخراب الكبير الذي أصاب القطاع، وعن الحرب المسعورة التي أحرقت كلّ شيء. هي حرب على الوجود. والثقافة والإبداع أيضًا يواجهان خطر الفناء، لأنّ ما يجري لم يستهدف البيوت والشوارع والمؤسّسات فقط، وإنّما طاول الإنسان وذاكرته ومكانه وكلّ ما راكمه من معنى الثقافة. بالنسبة لي حالة إبداع جماعي ترسّخ هوية الشعوب وتحافظ على وجودها وذاكرتها. لهذا أجد أنّ المبدع الفلسطيني يواصل رغم كلّ شيء، حتّى يحافظ على وجوده ووجود شعبه. هذه ثقافة بقاء. أن تكتب وأنت في قلب الحرب، وأن تحاول إنتاج نصّ، أو لوحة، أو أغنية، أو فكرة، وسط هذا الخراب، يعني أنّ هنالك شيئًا في الإنسان ما زال يقاوم الفناء، حتّى لو كان هذا الفعل صغيرًا أمام حجم المأساة. هنالك مساحة للعمل الثقافي والفنّي، وهنالك طاقات كامنة تفجّرت في الحرب، لكنّني أتحفّظ على الادّعاء في الإبداع. أنا لا أتّفق كثيرًا مع مقولة “إنّ المعاناة تولّد الإبداع”، وأعدل عليها بالقول: “إنّ المعاناة قد تكتشف الإبداع وتدفع المبدع إليه، ليعوّض شيئًا خسره أو يخاف خسارته”. نحن أمام مساحة مختلفة عن الطبيعي، مساحة يتحرّك فيها المبدع داخل معركة البقاء، ولهذا فإنّ الكتابة والفنّ في هذه اللحظة لا يأتيان من الظروف نفسها التي كانا يأتيان منها قبل الحرب. وأعتقد أنّ الثقافة والفنون في الحالة الفلسطينية يجب أن تفعل ذلك، يجب أن يكون لها فعلها في هذه اللحظة. قد لا تكون بحجم المأساة والمعاناة، وقد لا تستطيع أن تقول كلّ شيء، لكن في جانب ما لا بدّ من فعل ثقافي وإبداعي للتاريخ، وللإنسان، وللذاكرة، ولكي يرضى الإنسان عن نفسه. الثقافة عندي ليست شيئًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الحرب، لأنّها جزء من الإنسان نفسه، وهي التي تحدّد جوهر الوجود الإنساني الفلسطيني. الحرب، إلى جانب كلّ ما أحدثته من خراب، بدأت ترسم ملامح جديدة في الإبداع الفلسطيني. شخصيًا، لاحظت ذلك بشكلٍ واضح في النصّ الشعري وكتبت عنه. الحرب فجّرت اللغة والإنسان المبدع، وغيّرت مزاجه وحساسيته ورؤيته وواقعه، وهذا فتح آفاقًا جديدة على مستوى المضمون والشكل الإبداعي. الشاعر الذي يكتب الآن ليس هو الشاعر نفسه قبل الحرب، واللغة التي خرجت من هذه التجربة لن تكون كما كانت قبلها. لهذا أعتقد أنّ مظاهر الحرب ستترك أثرًا عميقًا في الثقافة والإبداع الفلسطيني والعربي. نحن أمام تجربة كبيرة ستعيد تشكيل كثير من الأسئلة، وستترك أثرًا في طريقة الكتابة والنظر إلى الإنسان والمكان والموت والحياة والذاكرة. الإبداع لا يستطيع أن يخرج من تجربة بهذا الحجم كما دخل إليها. أمّا عودة الحياة الثقافية والفنّية إلى غزّة كما كانت قبل هذه الحرب، فأكاد أرى أنّ ذلك مستحيل. هذه الحرب محور تحوّل جذري في الإنسانية والإبداع، وما جرى لم يدمّر الأبنية والمؤسّسات والمكتبات فقط، وإنّما غيّر الإنسان نفسه، وغيّر علاقته بالمكان وبالحياة وبالمستقبل. لكن يمكن أن نرمّم شيئًا، إذا أعدنا بناء الإنسان أوّلًا، وأعدنا التفكير في كلّ شيء. إعادة بناء الحياة الثقافية لا تعني أن نعيد المؤسّسات كما كانت، وإنّما أن نفكر في شكلٍ جديد للمؤسّسة الثقافية وعلاقتها بالمبدع والمجتمع. نحتاج إلى مؤسّسات الثقافة والإبداع الرسمية أن تكون أكثر حرّية وانفتاحًا على المبدعين، وأن تدعمهم بشكلٍ مباشر، من دون شروط، أو اعتبارات، لأنّ المبدع في النهاية يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها أن يكون نفسه، وأن يقول ما يراه، ويشعر به. لا أعتقد أنّنا سنعود إلى ما كان قبل الحرب، وربّما لا ينبغي أن يكون هدفنا أن نعود كما كنّا. ما حدث أكبر من ذلك. نحن أمام مرحلة جديدة، والثقافة ستكون جزءًا من هذه المرحلة، والمبدع سيكون أمام مسؤولية كبيرة تجاه ما عاشه الإنسان الفلسطيني. ما نحتاجه هو أن نحافظ على ما بقي، وأن نبني ما تهدّم، وأن نترك للإبداع مساحته حتّى يقول هذه التجربة بطريقته، لأنّ ما يحدث الآن ليس نهاية الثقافة، وإنّما لحظة قاسية يعاد فيها تشكيلها من بين الركام.

