حين تُقرأ المرأة العربية جسداً لا نصاً بقلم: سحر الهنيدي بالمر

حين تُقرأ المرأة العربية جسداً لا نصاً

بين حرية التعبير واختزال المرأة في صورتها لا في صوتها

بقلم سحر الهنيدي بالمر | كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية

حين انتقلت من الكويت إلى لندن في مطلع التسعينات، كان الفرق الثقافي واضحًا في طريقة التعامل مع الأدب وحرية التعبير. دخلت ورشات الشعر باللغة الإنجليزية، وكان استقبال نتاجي الأدبي دافئًا ومشجعًا بما في ذلك ديواني الأول بالإنجليزية الذي حمل عنوان “هناك رجل في سريري”

(There’s A Man In My Bed)المستوحى من فيلم بيتر سيلرز الكوميدي “هناك فتاة في صحني”، عن رجل عازب يقع رغمًا عنه في الحب.

يوم صدور الكتاب، ذهبت الى منزل خالي في لندن، حيث كانت العائلة مجتمعة، وبيدي نسخ من الديوان بهدف دعوتهم لشرائها. رنّيت الجرس، ففتح خالي الباب ونظر مباشرة إلى العنوان على الغلاف، ثم رفع عينيه نحوي وقال بدهشة حقيقية: “وهل يعرف والدك؟ ضحكت وقلت له: “يا خال، هذا شعر… وليس سيرة ذاتية”!

يتحول النص إلى نافذة على المرأة    عندما

ما جعل اللحظة لافتة أن خالي رجل علماني ثقافياً، عاش معظم حياته في بلدان أجنبية. ومع ذلك، كان رد فعله الأول أن يقرأ العنوان كاعترافٍ شخصي، لا كعمل أدبي. ولم يكن وحده — فقد نشرت إحدى الصحف العربية في لندن خبر صدور الديوان تحت عنوان “إلى رجل”، كأن الديوان لم يكن عمل أدبي، بل رسالة غرامية موجَّهة!

هاتان اللحظتان، رغم بساطتهما الظاهرة، تختصران إشكالية أعمق بكثير: المرأة حين تكتب عن الحب أو الرغبة أو العلاقات الإنسانية، لا تُقرأ ككاتبة — بل تُقرأ كجسد.

يتحول النص إلى نافذة على المرأة نفسها؛ على حياتها الخاصة، وما يُفترض أنها عاشته أو تتمناه. وكأن الكتابة الجريئة ليست خيارًا أدبيًا، بل كشفًا لا إراديًا عن هويتها. في المقابل، يحظى الشاعر الرجل بمساحة مختلفة تمامًا للتأويل.

حين يكتب عن المرأة بالغواية والرغبة والجسد، يُمنح نصه شرعية ثقافية فورية تحت عباءة “الإلهام” و”المجاز الأدبي”. وكثيرًا ما يكتب الشاعر عن المرأة لا كما هي، بل كما تعكسها رغباته هو — وهذا التخيّل لا يُسأل عنه، بل يُحتفى به.

مجتمعات الشعر الرقمية

أما المرأة، فمجرد أن تكتب بصراحة عاطفية، يتجاوز بعض القرّاء الخط الأحمر — وكأن نصها دعوة لهم لتجاوز الحدود. وهذا ما يتجلى بوضوح في ثقافة مجتمعات الشعر الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي، كثيرًا ما ينزلق التفاعل من تذوق النص إلى الاقتراب من كاتبته — رسائل مباشرة تتخطى الحدود، وتعليقات تُعيد تأطير النص القصيدة أحيانًا كإذنٍ لتجاوز الحدود الطبيعية بين الكاتبة والقارئ فيتحول الاهتمام من النص إلى المرأة، ومن القراءة إلى الاستهداف.

والمفارقة أن التراث العربي نفسه يدحض هذه النظرة المختزلة. فالمرأة في الشعر الجاهلي والأموي لم تكن صامتة ولا مختبئة — كانت تحب وتختار وتشتاق، وتكتب ذلك بوضوح لافت وبصوت لا يعتذر عن نفسه. الشاعرة عشرقة المحاربية لم تكت الرغبة بالتلميح، بل بالتصريح:

جريت مع العشاق في حلبة الهوى

ففقتهم سبقاً وجئت على رسلي

فما لبس العشاق من حلل الهوى

ولا خلعوا إلا الثياب التي أبلي

ولا شربوا كأساً من الحب مرةً

ولا حلوةً إلا شرابهم فضلي

هذه الأبيات لا تُدهش لجرأتها فحسب، بل لأنها تكشف أن المرأة العربية لم تكن يومًا ذلك الكائن الصامت الذي جرى اختزاله لاحقًا في صورة ضيقة.

ربما لهذا تُدهش المرأة الكاتبة بعضهم حتى اليوم لأن النظرة إليها ما زالت تتأرجح بين الأديبة الملهمة والصورة التي يريد الرجل أن يراها فيها. نظرته إليها لم تتغير بما يكفي، فبعضهم ما زال يرى عرضا يستجيب لغرائزه لا قرأةً لصوتًا يتكلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سحر الهنيدي بالمر كاتبة وبودكاستر بريطانية فلسطينية، صدر لها اثنا عشر كتاباً وتقدّم منذ أكثر من عشرين عاماً ولها مدونة صوتية باللغة الإنجليزية حول الوعي والقيادة الذاتية. كما صدرت مؤخرا مجموعتها الشعرية العربية الأولى “أنثى السَّحر” من دار عنوان للنشر.

اترك تعليقاً