الشعر لا يحرر شبرًا من فلسطين؛ لكنه يحرر الإنسان”.. حوار مع الشاعر أنور الخطيب

ليس كل من أمضى عمره في الكتابة يعرف لماذا كتب. أنور الخطيب يعرف، لكنه يعرف أيضًا أن المعرفة لا تُريح.
في هذا الحوار يجلس الخطيب على مسافة من نفسه نادرًا ما يجلسها الكتّاب: لا يدافع عن خياراته، ولا يُجمّل خسائره، ولا يُقدّم تجربته بوصفها درسًا. يتكلم كمن أدّى ما عليه ويعرف حدوده، وهذا النوع من الوضوح لا يأتي إلا بعد عمر طويل مع الكتابة ومع المنفى معًا.
لا تبحث أسئلة هذا الحوار عن معلومة؛ بل تستدرج موقفًا. والخطيب يستجيب بما هو أخطر من الموقف: بالشك. يشكُّ في جدوى الكتابة، ويشكّ في دور المثقف، ويطرح على الملأ سؤالًا يتجنبه كثيرون: “هل نستحق فلسطين؟” ثم يتركه معلقًا كما هو، دون أن يُخففه بإجابة مريحة.
هنا كاتب يعرف الفرق بين من يكتب لأن لديه ما يقوله، وبين من يكتب لأنه لا يستطيع الصمت، ويعترف بأنه كان الاثنين في أوقات مختلفة. ويعرف أنّ اللغة تخونه، وأنّ المشهد الثقافي العربي خواء مُزيَّن، وأنّ الاحتراف كلّفه شيئًا لا يستطيع استرداده.
وفي آخر سطر من هذا الحوار، يقول الجملة التي تجعل كل ما قبلها مقدمة لها: “خذوا كل الشعر وامنحوني ساعة في وطني.” لا بيان، لا خطاب، لا مطالبة. طلب واحد، بسيط، مستحيل.
وما بين هذه الجملة وبين أول سؤال في الحوار، ستجد رجلًا كاملًا، بتناقضاته وخسائره ويقينه وشكوكه. رجلًا لم تُطفئ الكتابة فيه الغضب؛ بل صنعت منه جمرًا أهدأ وأعمق، رجلًا يعرف أنّ الشعر لا يُحرر شبرًا من الأرض، ويكتب رغم ذلك، لا لأنه واهم؛ بل لأنه لا يعرف كيف يكون إنسانًا بطريقة أخرى.
هذا الحوار دعوة لقراءة أنور الخطيب من الداخل، لا من خارج النص ولا من فوقه. دعوة لفهم كاتب اختار، أو اختاره القدر، أن يكون شاهدًا على زمنه بكل ما في الشهادة من ثمن.
إلى نصّ الحوار
ما الذي تختاره ومن يختارك؟
- كل كاتب يحمل تراثًا لم يختره، ويختار تراثًا لم يرثه. حين تنظر إلى خمسة عقود من الكتابة؛ ما الذي كتبته لأن شيئًا فيك أجبرك، وما الذي كتبته لأنك قررت أنت؟
بين الإجبار والقرار كالمسافة بين الهواء والرئتين، لا معنى لأيّ منهما منفصلًا، أنت تقرر الكتابة لأنّ ظرفًا ما أجبرك على الكتابة، وأقنعك أنها هي الحلّ. حين أنظر إلى تراثي الكتابي، أرى أنّ ثمّة من كان يلقّنني، لهذا كنت غزيرًا، كالوحي المتدفّق. لدى الثقافات الأجنبية، يسألونك إن كان لديك قصة تكتبها، قصة تعرفها حدثت معك. وأنا على مدى خمسين عامًا، لم أكتب كل شيء، لم يجبرني أحد على تناسي ما لم أكتب. هي الحالة النفسية والذاكرة، تحددان الأولويات.
- الفلسطينية ليست هوية اخترتها، والكتابة باللغة العربية لم تختَرها، والمنفى لم تختَره. إذا جرّدت نفسك من كل ما لم تختره، ماذا يتبقى من أنور الخطيب الكاتب؟
لم أختر فلسطينيتي لكنها تعجبني وأفخر بها، ولم أختر اللغة العربية لكنني أطرب لها، أما المنفى؛ فهو تحصيل حاصل لكل ما لم أختره، المنفى للمبدع مسألة وجودية ولا علاقة له بالهوية، هي رفاهية الطرح تقودني إلى هذا الاستنتاج، وأزعم أنّ المواطن الفلسطيني في فلسطين، أي وهو تحت الاحتلال، ليست لديه رفاهية الطرح الوجودي، بينما اللاجئ لديه هذا الطرح، لأنه يعيش معضلة الوجود ذاته. إذن؛ ما يتبقى مني هو شيء من فلسطين، شيء من اللغة، وكل المنفى.
الهوية والانتماء
- ثمة فرق بين من يعرّف نفسه بما هو، ومن يعرّف نفسه بما ليس هو. أنت لست مواطنًا في أي دولة، ولست منتميًا لأي مؤسسة أو حزب، ولم ترَ وطنك. هل تعريفك لنفسك قائم على الحضور أم على الغياب؟
سؤال مربك ولكنه جميل وحقيقي، أنا أراوح بين الحضور وبين الغياب، أنا في حاجة لكل عنصر غائب عني، أتحدث عنه كأنه موجود. وهكذا هي فلسطين، مثل الفتاة التي يحلم بها المراهق، يريدها ويخشى تجسيدها. أمنيتي أن أعود إلى فلسطين، لكن في داخلي خوف من لحظة العناق، وهذا الخوف لا يلغي الأمنية.
- شخصية “عيسى” في “وردة عيسى” تحمل اسمًا مسيحيًا وانتماءً إسلاميًا وميلادًا في كنيسة. هل هذا الإنسان المركّب هو ما تتمنى أن تكون، أم هو ما تخشى أنّ العالم لا يتسع له؟
أنا حقيقةً هذا الإنسان المركب وليس ما أتمنى أن أكون، وأعتقد أنّ المثقف الحقيقي يجب أن يكون منفتحًا ومتقبّلًا كل الأفكار، وأن يتعامل معها بحنان وذكاء ومحبة. ولكن للأسف، نحن نعيش في عالم طائفي عنصري، رغم كل ما نسمع عنه من انفتاح؛ فداخل كل فرد تكمن طائفة متطرفة، إلا ما رحم ربي.
نحن نعيش في عالم طائفي عنصري، رغم كل ما نسمع عنه من انفتاح؛ فداخل كل فرد تكمن طائفة متطرفة، إلا ما رحم ربي
المسكوت عنه
- كل كاتب يحمل سؤالًا يعرف أن الإجابة عنه ستغيّر شيئًا لا يريد تغييره. ما السؤال الذي تتجنب طرحه على نفسك منذ سنوات؟
أنا صادق جدًا مع نفسي، وأطرح عليها كل أسئلتي، حتى لو كانت الإجابات جارحة أو مؤذية أو صادمة، أما على الصعيد الوطني فاسأل دائمًا: هل نستحق فلسطين!
- قلت في حوار سابق إنّ الكتابة أحيانًا هي “الأكثر حماقةً وجبنًا في زمن الانبطاح”. لو لم تكن كاتبًا، ماذا كنت ستفعل بكل هذا الغضب الذي تحمله؟
قال الشاعر العظيم محمود درويش في أحد لقاءاته الصحفية إنّ الشاعر قد يشعر بأنه أدّى واجبه الوطني حين يكتب قصيدة أو نصًا شعريًا، هذا صحيح، ويندرج تحت وهم وظيفة الكتابة. الأمر ذاته حدث معي حين سألتني مقدّمة برامج تلفزيونية إن كان الشعر قادرًا على تحرير فلسطين؛ فأجبتها: الشعر لا يستطيع تحرير شبر واحد من فلسطين، لكنه يستطيع تحرير الناس من التخلّف. إذا كان ذاك دور الكتابة في الزمن العادي فما بالك في زمن الانبطاح، لا شك أنه سيكون أكثر من حماقة وجبنًا. أما ردّي على سؤالك، سأصبح فدائيًا حقيقيًا، وفي الواقع حاولت أن أكون في زمن الصبا، لكن المشهد خانني فتراجعت، وبدأت أكتب، وأعني المشهد غير الفدائي، حين تحوّل الفدائي إلى واجهة.
الجرح والجمال
- الجرح الحقيقي لا يُكتب مباشرةً، يظهر في ما يحيط بالنص لا في النص نفسه. ما الجرح الذي لم تستطع حتى الآن أن تكتبه مباشرةً، وظللت تكتب حوله دون أن تسميه؟
هو الجرح الذي تحوّل إلى عقدة، لدي عقدة اللاوطن، اللاجئ، الغريب، عقدة البيت، الاستقرار، الاطمئنان، أزعم أن 90% من نصوصي تدور حول الغربة، واللاوطن، حتى إنني أنجذب للمرأة التي تشعرني بالمواطنة، حتى لو كانت مؤقته، وأبتعد عن كل من يتحدث عن بيته الذي يملكه. هذا الفقد يسبب الأمراض للمبدع؛ فيتهمونه بالغرور مرة، لأنه يعلو على تلك الأشياء، ويتهمونه بالقسوة أحيانًا.
- رأى جبرا إبراهيم جبرا في كتابتك “الغضب الحارق والحب العميق معًا”. بعد خمسة عقود من الكتابة، أيهما كبر أكثر؟
الغضب يكبر كل يوم كنهر من حمم بركانية، الغضب على كل شيء، وفي المقابل يتراجع الحب، لأنني أصبحت أميل إلى التفلسف والتأمّل، أشعر أنني دجّنت العاشق الذي كنت، وهذا ما يجعلني عصبيًا وغاضبًا معظم الوقت. هذا ما أسمعه من المقرّبين، وليتهم يعرفون سبب الغضب والتشاؤم، أقلّها أنني قد أغادر الدنيا دون أن أرى وطني، ليس في الأمر تراجيديا، إنها الحقيقة القاتلة، إنها الغصّة..
الكتابة والصمت
- ما الذي يخيفك في الكتابة الآن بعد كل هذا العمر معها؟ ليس الموضوعات؛ بل الكتابة ذاتها.
الكتابة ذاتها تخيفني لأنها لم تعد طيّعة كالسابق، وهي تنأى عني يومًا بعد يوم، وأقصد الكتابة الروائية. أما الكتابة الشعرية؛ فألجأ إليها حين أخاف على الرواية، يبدو أنني سأعود شاعرًا كما بدأت، أنا الآن أكتب شعرًا بغزارة، لكنني أتعثّر في الرواية، وتستغرق منّي أضعاف ما كانت تستغرقه في السابق. بعد خمسين سنة من الكتابة، أدرّب نفسي على مراقبة أعمالي الأدبية بحُبّ، لأنّ كراهيتها أمر يلحّ باستمرار، كما يلحّ عليّ مشهد خليل حاوي وهو يطلق الرصاص على رأسه.
- ثمة فرق بين الكاتب الذي يكتب لأنّ لديه ما يقوله، والكاتب الذي يكتب لأنه لا يستطيع الصمت. أيهما أنت؟
بكل أسف، روّضنا الصمت بنسبة لا بأس بها، ولم نعد، ككتاب، مشاريع شهداء، وبالتالي، أنا أكتب لأن لدي ما اقوله لحبيبتي/ لابنتي/ لصديقتي/ لوطني/ ولنفسي. وهذه الأخيرة، القول لها كتابةٌ لا ترى النور دائمًا، لهذا وبصراحة، ألجأ إلى الفلسفة والتنظير للجمال والإنسانية، وتتمدّد ظلالي أحيانًا فتلامس الحب والإيروتيكا، كنوع من التمرّد والانتفاضة. ومن ناحية أخرى، إن ما لدينا لنقوله لا يحرّر نملة، ولا يبني بيتًا في الخيال. نحن نعيش في واقعًا لا نستطيع أن نقوله، ولا تستطيع أن تصمت حياله؛ فتصاب بالسكتة القلبية.
- في حياة كل كاتب لحظة أحسُّ فيها أنّ اللغة خذلته؛ فلم تستطع أن تحمل ما يريد قوله. متى خذلتك اللغة؟ وماذا فعلت حينها؟
تخذلني اللغة كل يوم؛ بل تخونني أحيانًا، أعاني مع كل نصٍّ شعري أكتبه، أشعر أنّ اللغة تعجز، ليس لخلل في الإجادة، وإنما لأن المشهد/الفكرة/ أكبر من الأبجدية ذاتها. ولكنني مراوغ ممتاز، أبقى أدلّلها، وأساومها، وأهادنها، حتى أحصل على ما يترجم الموت/ الحياة/ الحب/ الفراق/ النزوح/ الهزائم، ومع كل نص، أخسر شيئًا من خيلائي؛ فاللغة لعوب وتجبرني على تقديم تنازلات.
الآخر والمرأة
- لو قرأ نصوصَك أحدُ أبناء “شَعَب”، القرية التي هُجّرت منها عائلتك، هل سيجد نفسه فيها؟ وهل يهمك أن يجد نفسه؟
سيجد أحد أبناء “شَعَب” نفسه فيها؛ ففي رواية رقصة الفيلسوف، شخصية جاءت من قضاء عكا، أبو البشائر شَعَبي بطريقة أو بأخرى. وستجد امرأة تشبه أمي نفسها في رواية فتنة كارنيليان، وسيجد أطفال “شَعَب” صورهم في رواية رحلة الجذور ورواية أبابيل. حين أذكر قريتي “شَعَب” أتذكر صورة أمي وهي تقف أمام بيتها المدمّر، وكيف أنها انهارت وأُغمي عليها، ترى أي حشد من الذاكرة هاجمها دفعة واحدة.
الزمن والذاكرة
- يرى دريدا أنّ الماضي لا يمرّ بل يتراكم. أي شيء من ماضيك تشعر أنه ما زال يجلس إلى جوارك ويشاركك كتابة النص كلما أمسكت القلم؟
صدق جاك دريدا، الماضي يتراكم ما لم تجد له حلًّا، وفي حالتي، كل ماضيَّ يشاركني الكتابة، الماضي الذي يتحول إلى حاضر مؤلم، اللجوء الذي أصبح داءً مزمنًا، متلازمةً حقيقيةً مؤذية، وملمحًا ينافس سماتِ وجهي وينتصر عليها. الشوق المزمن لوطن، لأم، لأبٍ، لصديق، لحبيبة، للحظة استقرار أطارد فيها تلك الفراشة في وطني؛ في تلك اللحظة سأخلع عنّي رداء الشعر وأعمل راعٍ لأحلامي المؤجّلة. خمسون عامًا يا صديقي، تجلس إلى جواري.
المشهد الثقافي العربي هو صناعة رسمية، وإن شئت هو صناعة السلطة الحاكمة، لهذا؛ فإن معظم ما أنتجه المشهد الثقافي العربي لا يعدو عن كونه امرأة جميلة بمساحيقها، لكنها خاوية من الداخل
المؤسسات والجوائز
- ثمّةَ كتّاب صنعتهم الكتب والتراكم المعرفي، وثمّة آخرون صنعتهم الجوائز وآليات أخرى لإنتاج الشهرة والحضور الثقافي. أين ترى نفسك بين هذين المسارين؟ وهل تعتقد أنّ المشهد الثقافي العربي اليوم ما زال قادرًا على التمييز بين القيمة الأدبية الحقيقية وبين القيمة التي تصنعها المؤسسات والإعلام؟
لست صناعة أحد، لا التراكم المعرفي الذي أطمح للتخلّص منه وأعود فارغًا، ولا الجوائز الأدبية لأنني لا أطاردها ولا أشغل نفسي بها. أما المشهد الثقافي العربي فهو صناعة رسمية، وإن شئت هو صناعة السلطة الحاكمة، لهذا؛ فإن معظم ما أنتجه المشهد الثقافي العربي لا يعدو عن كونه امرأة جميلة بمساحيقها، لكنها خاوية من الداخل، وهذا ينطبق على اتحادات الكتاب التي تشبه أية مؤسسة رسمية أخرى، خالية الدسم. والأسماء المتفردّة من الذين نقرأ لهم، هؤلاء متمردون بعضَ الشيء على السلطة، وأحيانًا منافقون.
الإرث
- لو أنّ أنور الخطيب الشاعر التقى بأنور الخطيب الروائي في غرفة واحدة، أيهما سيتهم الآخر بالخيانة؟
الخيانة قائمة منذ اللحظة التي امتلك فيها أنور الخطيب أدواته الفنّية، خسر اندفاعه وتلقائيته، وخان ذاك الطفل الذي كان يكتب متحدّيًا العدو والصديق، القريب والبعيد، ويعتقد نفسه كتيبةً متحرّكة، لقد غابت هذه الروح في انهماك أنور الخطيب بالاحتراف الأدبي، وليته لم يفعل، ربما كان أجمل طائر بشري على الأرض.
- بعد كل ما كتبته؛ ما الفكرة أو الجملة أو القيمة التي تتمنى أن تبقى أكثر من أي كتاب أو جائزة أو سيرة؟
خذوا كل الشعر يا سادتي/ وامنحوني ساعة في وطني، أطارد فيها فراشة ولا ألتقطها.
جواد العقاد
شاعر وكاتب فلسطيني من غزة، يكتب في الأدب والفكر وقضايا المجتمع، ويعمل على مشاريع ثقافية وتعليمية في قطاع غزة

