إلى عاصم في حضوره الرابع     بقلم الدكتور مفيد عرقوب

إلى عاصم في حضوره الرابع بقلم الدكتور مفيد عرقوب

في الذكرى الرابعة لرحيل ابني عاصم

أربع سنوات يا بني، وما استطاع الزمن أن يجعل الغياب عادة، ولا أن يردم تلك الفجوة التي أحدثها رحيلك في القلب والبيت والذاكرة.

خطفك الموت في ريعان شبابك، ومضت بنا الأيام، فيما بقيت أنت عند آخر صورة: شابا لا يمس الشيب رأسه، ولا يثقل العمر خطوه. نكبر نحن في الزمن، وتبقى أنت في الذاكرة فتيا كما كنت، كأن الموت أوقف ساعتك ومضى.

غير أن تواصل القلوب لا تمنعه الخطوب، ولا تقطعه يد الغياب، حتى لو أطبق القبر الدامس؛ فللأرواح دروب لا يسدها التراب. وثمة أحبة يغيبون عن العين، ويزدادون في القلب حضورا، وتسري أرواحهم في تفاصيل أيامنا: في صورة، وفي اسم، وفي مكان عرف خطاهم، وفي ذكرى تهب فجأة فترد الغائب حيا للحظات.

يا بني، أمام فقدك أعرف عجزي كله. أعجز أن أرد ما مضى، وأن أستعيد لحظة واحدة من العمر الذي كان ينبغي أن يمتد بك، وأعجز أمام ذلك السؤال الذي ظل منذ رحيلك بلا جواب: كيف يستطيع أب أن يتصالح مع زمن يمضي من دون ابنه؟

ولعل أقسى ما في رحيل الأبناء أن نظام الحياة ينقلب؛ فالآباء يحسبون أنهم السابقون، وأن الأبناء هم الذين سيقفون يوما عند قبورهم، فإذا بالابن يسبق، ويبقى الأب يحمل في صدره كلاما كثيرا لم يعد يعرف إلى أين يرسله.

لكن الموت، مهما اشتد سلطانه، لم يأخذك كله. بقي منك ما تعجز عنه يد الغياب: محبتك، وأثرك، وذكراك، ومكان لا يشغله سواك.

رحمك الله يا بني رحمة واسعة، وجعل شبابك الذي لم يكتمل في الدنيا شبابا لا يذبل في جناته، وجمعنا بك حيث تنتهي وحشة الفراق، وتسقط المسافات، ولا يحول بين قلب وقلب قبر ولا غياب.

ورحم الله والديّ، وأختي الغالية أم هاتف، أولئك الذين سبقونا إلى دار البقاء، وأبقى لنا منهم في القلب ما يعجز الغياب عن محوه، وجمعنا بهم وبك في مستقر رحمته، حيث لا فراق بعد لقاء.

اترك تعليقاً