في تكريم الدكتورة ربى سابا حبيب


رنّمي قلحات مجدَكِ!!
بقلم:الدكتور عماد يونس فغالي

وهتف قال: اخلعْ نعليكَ، لأنتَ تصلُ قلحاتَ، إن تطأْ أرضَ الكلمة، تتعمّدْ بقدسيّةِ الأدب. في قلحاتَ اسمٌ في قامةِ الفروسيّة الجمال، يعلو على صهواتٍ حتى مدينةِ النور وبلادها، وعلى امتداد لغتنا وتلكَ التلقاها أدبًا وفكرًا، دلتا الرون تعشقها…
من ههنا، من هذي الربى العلياء، ربى البلمند الجامعة، جامعتُنا الليلةَ ربى، كلّ رؤانا الليلة عُلاكِ دكتورةُ ربى. إليكِ نشخصُ خاشعينَ في معبدٍ من عبق الأمكنة، أمام تلكَ الكنوز، يضفي على انتظاراتنا ما يلزم من ذهبٍ لروحنا… يا أمُّ، النادي ينادي، يهفو بتهافتٍ إلى الولدتْه فيضًا من إنسانها إلى إنسان ضيعتها، تربيةَ بدَنٍ وروح. مباركةٌ في قلحات، ربى سابا حبيب، ومباركةٌ ثمراتٌ تلدُ للقلبِ أهلاً في المدى ارتقاء!!
أناديكِ دكتورة ربى، من حيثُ الشعرُ يهفو إلى منابعكِ مياهَ درٍ زُلال. من أرضٍ حبيباتُ ترابها ذخائرُ “عيون أمّي وبيي” وصفتِ لا تقايضينها بجنسيّةِ فرنسا وكنوز العالم… كلّ ما دونها منفىً، حملتِ منه علومكِ العليا دكترةً وثقافة، وتعودين، تعلّمين وتكتبين، حلاوات الأدب مقارَنًا، وناقدًا وفِعالاً جماليّةً، وأضيف: كلّكِ جميلةٌ وكلّ ما منكِ يا حبيبةُ نعمةُ اللقاء!!
إنْ تعتلي المنبر، فلإنشادٍ شعريٍّ تحيَينه جسدًا راقصًا ومعانيَ جليلة ودهشةَ إبداع. وإنْ تمسكي الكتاب، فلقراءةٍ عارفة، موسومةٍ بالفكر الأدبيّ، والمقاربة الفلسفيّة، إلى علواتٍ دامغةِ الجمال…
وفي حسّكِ النقديّ علاماتٌ تصيب، تدركُ الأصالةَ تهديها تقديرًا وتجاوبات. وتنبذُ الزيف والرذالةَ بصدقٍ لا يحابي وجوهًا… وهذا انسحابٌ لا على النصّ أدبًا وفكرًا وحسب، بل على كلّ موقفٍ ومسلك، أعلائقيٍّ كان أم شخصيّ… ميزانكِ يا سيّدةُ إنسانٌ في ملء!!
الناسُ، في اجتماعهم بكِ أو في حضورهم مناسباتكِ يسعون إليكِ… في بعضهم يفيدون من قربكِ، وفي آخرين نيّاتٌ يميلونكِ إليهم… كلٌّ يقصد يعلو باسمكِ… وأنتِ في تواصلاتكِ تختارين مكانتكِ، ثابتةً في قناعاتكِ ومناقبيّتكِ، لا تساومين على مبادئَ حدّدتكِ… لا تغرّكِ وعودٌ واهية، أو مواقفُ فضفاضة… وإنْ تحبّي حلاواتِ الكلام، تدركي صالحَها من التملّقِ الزائف.
دكتورة ربى، هوذا الشعرُ نضيرُ قلحاتكِ الخضير، من معصور أدبٍ خصَصْتِكِ به شغفًا، كعشقِ هذي الأرضِ لسحرها الزيتون، تزاوج زيتُها بالكلمة الربويّة على سفحات الفكر طهورا… نقاءُ قلبكِ كصفاء معصور حبّاتها الخضراء، في تيكَ الفضاءات البيضاء على المدى الأزرق ينشرُ فوحَ النادي أريجَه وفاءً، نما في قلوب الأجيال المتعاقبة، تهمسُ الأمانةُ اسمَ ربى ثلاثاتٍ متتابعة، ما فكّرت الدكتورةُ إلاّ في حبّها قلحات، تلك في الكورةِ الياقوتةُ الخضراءُ لمعتُها… أولادُها الفتيانُ، فاتناتها الصبايا، مستقبلُ قلبٍ وعقل، ونهضةُ علمٍ ورياضة…
لا أخفيكم كم في ذكرِها قريتَها الصبوح، وألقَ ناديها، عزّةُ جبينها ظهورُ افتخار… في تكريمكم الدكتورة ابنة قلحات ورائدة الفكرة المؤسّسة ناديكم، إن أتكلّمْ أنا فيها باختيارٍ منها، أتقاسمْ معكم مائدةَ كلمتها، الصنعتْ ذاتها امتدادَ الحياة.
يوم اقترحتُ اسمَ ربى سابا حبيب موضوعَ رسالة ماستر على طالبةٍ أشرف عليها، كان استشرافُ الأدب البنويّ في كتاباتها بعضًا من هويّتها الكاتبة. ولا يفوتني أدبها المهجريّ اليتصنّف كينونةً أدبَ الغربة. كتاباتُها لبنان تتخطّى تغنّياتٍ بوطنٍ وانتماء، لبنان في الشعر الربويّ حبيبٌ يملك القلبَ، يحتلّ الحياة لا بديلَ ولا شريك!!
ربى سابا حبيب، امرأةُ القلب، الحبّ سيّدها. شعرُها ينطق قلبَها، يَنشدُ الحبُّ حياتَها كلمةً تكتبها. في تواصلاتها تردّد كأنْ شعارًا: ما في حبّ، في براهين حبّ، قولةَ ريفالدي، خطّةَ سلوكٍ علائقيّ.
وانعكسَ حبّها شغفًا لشعراءَ تشكّلوا رائدين في الحداثة، لا لأجل رفض الأسلوبيّة الشعريّة السائدة، لكنْ خصوصًا لأنّ الحداثةَ تشبه نفسَها القائمة في حركة مستمرّة، لا بدّ تدفع في تطوّر.
وكأنّما آمنت بما جاء في الكتاب المقدّس: “لا يوقدُ سراجٌ ويوضع تحت المكيال، بل على منارة ليراه الناس”. كتبت الدكتورة ربى ولا تزال تفعل، في شعراء وأدباء أُخذتْ بنتاجهم، فأضفت على كتاباتهم صفةَ المثال. كتبت، لنكنْ دقيقين، ما دخل في محراب قناعاتها إعجابًا، أأدبيًّا خصوصًا، أو إنسانيًّا مسّ نفسَها، فتحرّكت يراعتُها!
كتبتْ ضوءًا دائمًا، لكنّها لم تتملّق قط. ما لا يمرّ في اعتباراتها، يعقّم مِدادَها فلا يدرّ قيدَ كلمة. وأنا شاهدٌ على هذا تقول: ما رح أكتب، ما لقيت عندو شي!!
“صادقةٌ هي الكلمة” يقول بولس الرسول. وصادقةٌ حاملةُ الكلمة، تلك فوق المكرّمة. في واقعي، أضنّ بتكريمها، التفوق كلَّ تقديرٍ يطالها، لا لمحبّتها الفائقة قلبي، لكن لأجل ندرةِ من يشبهها، في مناقبيّتها الإنسانيّة، وعطاءاتها الفكريّة وإبداعاتها الأدبيّة، اللامست امتدادًا عالميًّا تربيةً وجمالات!
دكتورة ربى، تحملين لبنان في شخصكِ، هذه البدعة الكونيّة، جغرافيَةً وقيمةً مدى الخلق الربّانيّ عاليات!!
طوبى لزمنٍ تعيشين فيه يحضننا!!

في ١٨ آب ٢٠٢٦

اترك تعليقاً