رجل دين يكتب عن شاعر شيوعي بقلم الشيخ عباس حايك

✒ الشيخ عباس حايك
عن الراحل مصطفى سبيتي


ليس سهلاً أن يكتب رجل دين في رثاء شيوعي.
هكذا قد يبدو الأمر للوهلة الأولى.
لكنني، وأنا أكتب عن مصطفى سبيتي، لا أشعر أنني أمام هذه المسافة التي قد يتخيلها البعض. فحين يكون الرجل شاعراً، وأديباً، ومثقفاً، ومناضلاً، وصاحب موقف، تصبح الأفكار التي فرّقتنا أقل حضوراً من الإنسان الذي جمعنا به الأدب والكلمة والصدق.

حضوره ولغته باقيان
رحل مصطفى سبيتي.
وأنا لا أحب أن أقول: مات.
فبعض الناس لا يغادرون تماماً حين يغادرون أجسادهم. يتركون وراءهم شيئاً من حضورهم، شيئاً من لغتهم، شيئاً من أسئلتهم، وربما شيئاً من مشاكستهم أيضاً.
عرفت مصطفى من خلال الكلمة.
وأهديته كتابي «سموم النص». يومها قرأه، ثم قال لي جملة ما زالت عالقة في ذاكرتي: لقد استفدت من سموم الروايات.
كانت جملة تشبهه؛ قصيرة، ذكية، وفيها تلك اللمعة التي تجعل الكلام العابر قابلاً لأن يعيش طويلاً.
مصطفى لم يكن قارئاً عادياً، ولا كاتباً يمر على النص مروراً عابراً. كان يدخل إليه، يحاوره، يختلف معه، وربما يشتبك معه. وكان يعرف أن الأدب الحقيقي لا يُكتب لكي يرضي الجميع.
كان شيوعياً، نعم.
وأنا رجل دين.
وهذا الاختلاف لا أخفيه ولا أراه عيباً ينبغي ستره.
بل ربما كان من أجمل ما في مصطفى أنه كان يستطيع أن يكون مختلفاً من دون أن يتخلى عن إنسانيته، وأن يكون صلباً في موقفه من دون أن يتحول إلى نسخة عن الآخرين.
كان من ذلك الجيل الذي كان للكلمة عنده ثمن.
جيل لا يكتب لأن الكتابة مهنة، ولا يعترض لأن الاعتراض موضة، ولا يحمل موقفاً لأن الموقف يفتح له باباً.

سؤال المثقف
كان مصطفى ابن السؤال.
والسؤال، في حياة المثقف، ليس ترفاً.
إنه قلق دائم.
أن تسأل يعني أنك لم تستسلم تماماً لما قيل لك. وأن تعترض يعني أنك ما زلت ترى في العالم شيئاً يستحق أن يُصلح. وأن تبحث عن الحقيقة يعني أنك قبلت منذ البداية أن ما تعرفه قد لا يكون كل الحقيقة.
ولهذا أظن أن مصطفى ترك أثراً أكبر من كتبه.
ترك أسئلة.
وما أجمل أن يترك الإنسان بعد رحيله سؤالاً في رأس من عرفه، بدلاً من أن يترك فقط صورة معلقة على جدار.

لم يمرّ خفيفا
قرأت كلمات ابنته لوركا عنه بعد رحيله، فتوقفت طويلاً عند معنى الأب الذي «لا يمر خفيفاً».
وهذه، في ظني، واحدة من أجمل الصفات التي يمكن أن تُقال عن إنسان.
هناك أشخاص يمرون في حياتنا كما تمر نسمة عابرة، نكاد لا ننتبه إليها.
وهناك من يتركون أثراً.
ومصطفى كان من هؤلاء.
كان ثقيلاً بالمعنى الجميل للكلمة؛ ثقيلاً باللغة، بالموقف، بالمعرفة، بالحضور، وبالأسئلة.
لم يكن من أولئك الذين يتقنون فن الاختفاء داخل الجماعة.
كان له صوته.
وله لغته.
وله اعتراضه.
وله طريقته في النظر إلى الأشياء.
ولهذا ربما اختلف معه كثيرون، وأحبه كثيرون، وتأذى منه آخرون.
لكن الإنسان الذي لا يختلف معه أحد، ولا يزعج أحداً، ولا يترك سؤالاً في رأس أحد، قد يكون مرّ في الحياة بأقل مما ينبغي.
أما مصطفى، فقد ترك شيئاً.
ترك نصوصاً وكتباً وقصائد وذكريات، وترك رجالاً ونساءً عرفوه على طريقتهم، وترك في كل واحد منهم نسخة مختلفة منه.

عودة الاكتشاف بعد الرحيل
وهذه هي المفارقة الجميلة في حياة المثقف.
لا يموت كما عاش.
بعد موته، يبدأ الآخرون في اكتشافه من جديد.
كل واحد يحمل مصطفى الذي عرفه.
شاعر يذكر شاعره.
كاتب يذكر لغته.
رفيق درب يستعيد مواقفه.
مختلف معه يتذكر صراحته.
وابنة تبحث، وسط كل هذا الضجيج، عن أبيها.
أما أنا، فأستعيد الرجل الذي قرأ كتابي ذات يوم، وقال لي إن للسموم فائدة أيضاً.
وربما كانت هذه هي وظيفة الأدب كلها:
أن يجعلنا نلتقي في مكان لا تصل إليه الخنادق.
أن يجلس رجل دين إلى جانب شيوعي، لا لكي يتنازل أحدهما عن فكرته، بل لكي يكتشف الاثنان أن الإنسان أوسع من اللافتة التي يحملها.
رحم الله مصطفى سبيتي.
أو لعلني أقولها بطريقة أخرى:
سلامٌ على رجلٍ عاش كما أراد، وقال ما أراد، واختلف كما أراد، وترك وراءه من الكلام ما يكفي لأن يستمر حضوره بعد غيابه.
أما قبره، فلا أعرف ماذا ينبغي أن يُكتب على شاهده.
ربما لا يحتاج مصطفى إلى كثير من الكلام.
يكفي أن يُكتب:
هنا يرقد رجلٌ لم يعرف كيف يمرّ خفيفاً.
وما أكثر الذين مرّوا خفيفين…
وما أقل الذين تركوا بعدهم هذا القدر من الكلام.

#دين#شيوعي#شاعر#رأي

Players who refresh their bonus page every morning look for the latest thepokies.net bonus codes which are added frequently to reflect new game launches, partnership promotions, and seasonal events that carry additional free spins and cashback rewards.

اترك تعليقاً