مجزرة صبرا وشاتيلا… الموت الذي لا يُنسى بقلم: د. انتصار الدنان

مجزرة صبرا وشاتيلا… الموت الذي لا يُنسى

16 سبتمبر 2026

في الذكرى الرابعة والأربعين للمجزرة المروّعة التي حلّت باللاجئين الفلسطينيين في مخيّم صبرا وشاتيلا في بيروت، تختزل إحدى الشهادات لـ”العربي الجديد” حجم الفاجعة والندوب التي لم تلتئم منذ عام 1982.

لا تزال مجزرة صبرا وشاتيلا بحق اللاجئين الفلسطينيين في بيروت ماثلة في ذاكرة كلّ مَن شهدها وعاشها. ففي 16 سبتمبر/ أيلول عام 1982 اجتاحت مليشيات يمينية مسلّحة في لبنان مخيّم صبرا وشاتيلا المحاصر بدعم من جيش الاحتلال الإسرائيلي، وسُجّلت على مدى ثلاثة أيام متواصلة عمليات قتل جماعي تخطّت مجرد كونها حدثاً عابراً شهدته الحرب الأهلية اللبنانية حينذاك. في ذلك اليوم الأسود من سبتمبر، لم يكن سكان المخيّم على يقينٍ بأنّهم يعيشون اللحظات الأخيرة من حياتهم. كان هناك شيوخ وشباب وأمهات وأطفال يمارسون طقوس حياتهم اليومية البسيطة، دون أن يتخيّلوا أنّ تلك الحياة ستتحوّل خلال ساعاتٍ إلى موتٍ وخراب.

لا يمكن اختصار المجزرة بأرقام الشهداء وحجم الدمار أو ببعض الكلمات، إذ لكلّ شهيد حكاية، وخلف كلّ بيت مدمّر حياة ورواية، ووراء كلّ طفل قُتل آنذاك مستقبلٌ أُطفِئت أنواره باكراً. ولعلّ الأكثر إيلاماً في المجازر المتشعّبة عبر التاريخ، ليس الموت وحده، بل الطريقة التي يصير فيها موت الإنسان أمراً ممكناً، قبل أن يتحوّل بعد ذلك إلى مجرد رقمٍ.
وفي الذكرى الـ44 لمجزرة صبرا وشاتيلا، يروي الكاتب اللبناني زياد كاج صور المجزرة المروّعة التي ما زالت عالقة في رأسه، ويقول لـ”العربي الجديد”: “كنتُ في الثامنة عشرة من عمري عندما وقعت المجزرة، وكنتُ حينها متطوعاً في الدفاع المدني اللبناني. كان مقرّنا في مدرسة الروضة بمنطقة الصنوبرة في بيروت. لم تصلنا أخبار المجزرة مباشرة، ولكن في صباح ذلك اليوم، سارعنا إلى ركوب سيارة الإسعاف، بعدما أبلغنا المسؤول عنا، الكابتن غسان، بضرورة التوجه إلى مخيّم صبرا وشاتيلا”.
ويضيف الكاتب المقيم في بيروت: “كنا نعتقد أننا ذاهبون لتنفيذ مهام إنقاذ وإسعاف اعتدناها مرات عدّة خلال الحرب الأهلية، لكن ما إن وصلنا إلى المناطق القريبة من المخيّم حتّى تغيّر كلّ شيء؛ بدأنا نشمّ رائحة الموت، إذ كانت الجثث المتحللة تملأ المكان، وكانت بانتظارنا مشاهد مأساوية عنيفة تعبّر عن وقوع كارثة إنسانية حقيقية”.
ويتابع: “وصلنا إلى نقطة تجمّع فرق الصليب الأحمر اللبناني واللجنة الدولية للصليب الأحمر وعناصر الجيش اللبناني وسائر الأجهزة الأمنية، عند مدخل صبرا من جهة السفارة الكويتية، وكانت هناك ساحة تُجمع فيها جثث الشهداء. لاحظتُ حينذاك حفرةً كبيرة أحدثها القصف، قيل إنّها ناتجة عن صاروخ إسرائيلي، كانوا يجمعون الجثث فيها، ويضعون فوقها مادة الكلس ويغطونها بالأغطية والبطانيات”. ويشير إلى محاولاتٍ حثيثة آنذاك من عائلات الشهداء للتعرف إلى أحد أفراد عائلتهم أو إلى أشخاص يعرفونهم، ولكن في نهاية المطاف دُفِنت جثث كثيرة بعضها فوق بعض، خصوصاً تلك التي استحالت إمكانية التعرف إليها.
ويذكر كاج كيف قسّموا أنفسهم إلى مجموعات، كلّ مجموعة كانت تتألف من أربعة أشخاص، وتحمل حمّالة لنقل الضحايا. ويقول: “ارتدينا كمامات وقفّازات، وانتشرنا في المنطقة، غير أنّ المعدات التي كانت بحوزتنا لم تكن كافية لحجب الرائحة. كانت رائحة لا تُحتمل”. ويضيف: “دخلنا إلى منزل أرضي، حيث رأيتُ أول جثة، وهو مشهد مؤثر لا أستطيع نسيانه حتى اليوم. كانت الجثة لامرأة مضت على وفاتها أيام عدّة. كانت قد قُتلت بطريقة بشعة، وتحوّل دمها إلى لونٍ أسود تقريباً، وتغيّر لون الجلد كذلك إلى لونٍ داكن. وعندما حاولنا حمل الجثة، كانت الديدان قد بدأت تأكل الوجه والعينين. في تلك اللحظة، انتابني شعورٌ مؤلمٌ، وأُصبت بالحيرة والإرباك، أسوةً بزملائي”.
وإذ يلفت كاج إلى أنّهم نقلوا الكثير من الجرحى والمصابين ورأوا مشاهد قاسية خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت في صيف العام ذاته (1982)، يؤكّد أنّ ما شاهدوه في مخيّم صبرا وشاتيلا كان مختلفاً تماماً. ويقول: “كان المشهد والرائحة أقسى من أيّ شيء عرفناه من قبل. حاولنا أن نتماسك، وضعنا جثة تلك المرأة على الحمّالة، ونقلناها إلى مكانٍ خصّص للدفن الجماعي. كانت المشاهد مؤلمة جدّاً يصعب نسيانها، كما كانت جثثٌ كثيرة تحمل آثار قتلٍ وحشي. رأينا جثث نساءٍ حوامل، وأخرى تحمل آثار اعتداءاتٍ بشعة، وأشخاصاً قُتلوا بالفؤوس أو الأسلحة البيضاء، وآخرين قُيّدوا قبل مقتلهم. كما أظهرت إصابات الرأس والجمجمة طبيعة الضربات بوضوح. ومن أكثر المشاهد التي بقيت في ذاكرتي ما رأيته في بركة السباحة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، القريبة من المخيّم. كانت البركة فارغة، لونها أزرق، وقد رُميت فيها أربع جثثٍ لشبّان فلسطينيين تعرّضوا لضربات على الرأس. هذه مشاهد لا يمكن أن تُمحى من الذاكرة”.

في المقبرة الجماعية لضحايا المجزرة، 9 سبتمبر 2022 (جوزيف عيد/ فرانس برس)
في المقبرة الجماعية لضحايا المجزرة، 9 سبتمبر 2022 (جوزيف عيد/ فرانس برس)

ويذكر كاج كيف دلّهم أحد الأشخاص على مكانٍ يضمّ مجموعة من الجثث، ويقول: “كنّا نخاف أن نتوغل كثيراً داخل المخيّم، ولكنّنا ذهبنا إلى المنطقة التي أشار إليها ذلك الشخص. دخلنا إلى أحد البيوت، وكان كلّ شيء يوحي بأنّ أهل البيت كانوا يستعدّون ربّما لتناول الطعام، قبل أن يلقوا حتفهم. ومن المشاهد التي بقيت في ذاكرتي أيضاً جثة امرأة من عائلة المقداد دُفنت، ثمّ أُخرجت من تحت التراب. كانت جثة تلك المرأة متحلّلة، وفي يدها بطاقة هوية لبنانية”.
ويتحدث عن فتاةٍ فقدت عقلها من هول ما رأته، ويصف كيف كانت تركض في الشارع من دون أن تعرف وجهتها. ويتابع: “في إحدى المرات، وصلت سيارة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي من جهة المدخل الجنوبي للمخيّم، قرب السفارة الكويتية، عندما رأيناها، ظننّا أنّ مجزرة جديدة تلوح في الأفق، فكان أن هربنا برفقة كثيرين بسبب الذعر والخوف. بعد كلّ ما رأيناه، صار مجرد ظهور سيارة عسكرية كافياً لإعادتنا إلى الرعب ذاته”.
ويسرد الكاتب اللبناني بشاعة تلك المرحلة، ويقول: “كنتُ أرى إنساناً يموت أمامي، وأرى كيف يتحلّل جسد الإنسان بعد موته، وكيف يمكن أن يُقتل الإنسان بهذه السهولة من دون أيّ رادعٍ، وكيف يمكن أن يُلغى وجوده بهذه الطريقة، وفي قرارة نفسي سؤال واحد لم يفارقني؛ لماذا كُتب على الشعب الفلسطيني أن يعيش كلّ هذه المآسي؟”. وعن عدد الشهداء، يقول كاج: “كنّا نسمع أرقاماً تقارب 1500 شهيد، ولكنّنا عرفنا لاحقاً بأشخاصٍ نُقلوا إلى أماكن أخرى وقُتلوا، وببعض الجثث التي دُفنت في أماكن مختلفة، وبالتالي بقيت الأرقام موضع خلافٍ وتفاوت بحسب مصادر التوثيق”.

ويرى كاج أنّ الصدمة الأكبر بالنسبة إليه كانت في معنى الموت بحدّ ذاته، بأن ترى أشخاصاً لا يحملون سلاحاً، بينهم نساء وأطفال، يُقتلون بهذه الوحشية. ويضيف: “اليوم، عندما أستعيد صبرا وشاتيلا، لا أتذكر فقط جثث الشهداء، بل أتذكر ذلك الشاب الذي كان في الثامنة عشرة من عمره، والذي خرج مع زملائه في الدفاع المدني اللبناني من دون أن يدرك أنّه في طريقه نحو مشهدية قاسية. أتذكر الطريق، أتذكر رائحة الموت، أتذكر تلك المرأة التي كانت الديدان تلتهم وجهها وعينيها، أتذكر الجثث المُلقاة داخل البيوت، وأولئك الأشخاص المقيّدين. أتذكر النساء والأطفال، ومائدة الطعام الممدودة، وشجرة الميلاد في بيتٍ توقف فيه الزمن. أتذكر بطاقة الهوية اللبنانية في يد امرأةٍ لم تحمِها هويتها من الموت، ولكن أكثر ما بقيَ في داخلي هو سؤال واحد؛ كيف يمكن للإنسان أن يقتل آخر بهذه السهولة؟”.
ويختم الكاتب اللبناني بالقول: “رأيتُ الموت بعينيّ، بقيتْ رائحته في ذاكرتي، وبعد أكثر من 40 عاماً، ما زلتُ أؤمن بأنّ مسؤوليتنا الأساسية هي أن نتذكر، وأن نوثق، وأن نعلّم الأجيال القادمة أنّ الإنسان لا يمكن أن يصبح رقماً، وأن قتل الإنسان لا يمكن أن يصبح أمراً عاديّاً”.

اترك تعليقاً