“نحو وطنٍ…”
وساعةٌ إنسانيّة في ارتقاء
د. عماد يونس فغالي
“نحو وطنٍ يتّسع للجميع”، يأخذ إلى محاورَ متعدّدة تتنوّعُ بين مساراتٍ وأهداف، وتطرح إشكاليّاتٍ دلاليّة من جهة، ورؤىً إنسانيّة تروح في الفكر المواطنيّ سعيًا واجتهادًا من جهةٍ أخرى.
أبدأ مطالعتي من الكلمة الأخيرة في الطرح، “الجميع”، أي جميع الناس. وبالتحديد، جميع الناس الينتمون إلى الوطن، هنا في الطبع لبنان. إن يُفترضْ قصدُ الناسِ وحدانًا، يهُنْ جمعُهم في انتماءٍ واحد، لجماعةٍ واحدة مهما وسعتْ، نسمّيها وطنًا. لكنّ الطرح “الجميع”، يقصد الناس الينتمون إلى جماعاتٍ مختلفة، المطلوبُ جمعُها في وطنٍ يتّسع لكلّها. وفي حالة لبنان وواقعه، نحن أمام جماعاتٍ “طوائفيّة”، ظاهرُها الانتماء الدينيّ، وعميقها جماعاتٌ دينيّةً متعدّدة ومتنوّعة على اختلاف، تباعدت في خلافٍ على إثبات وجودها وتناحرٍ على مكتسباتٍ مصلحيّة تنافس الواحدة الأخرى وفق عدديّتها ونفوذها وما إلى ذلك.
انطلاقًا ممّا ورد، يبان بديهًا خوضُ الغمار في وجهتين: عموديّة لمعالجة العلاقة الإنسان الله، فالمنظومة الدينيّة، وأفقيّة، لأجل تلك الإنسان الإنسان، فالمنظومة المجتمعيّة الوطنيّة. وفي عَودٍ إلى الطرح الأساس: نحو وطنٍ يتّسع لجميع الانتماءات ويجمعها فيه…
في مقدّمة لخوض الغمار هذا، انظروا معي إلى القاسم المشترك في المنظومتين. هو الإنسان يتكرّر في العلاقتين، العموديّة والأفقيّة. قد تظهر الإشكاليّة في طبيعة الحال، حيث علاقة الإنسان بالله، اكثر ممّا هي حيث العلاقة الإنسان- الإنسان.
يعتقد السواد الأعظم من الناس أنّ الدين وُجد لتنظيم عبادة الإنسان بالله. وبالتالي كيف يخضع الإنسان لله. في الحقيقة، إذا عدنا إلى تاريخ الوجود الدينيّ في الأرض، نجد كم الإله وُجد لخدمة الإنسان، حتى لا نقول إنّ الإنسان أوجد “الإله” لأجل اثنين: خوفًا من غضبٍ يجرّ عليه ويلاً، واحتماءً به لتأمين حاجاته وراحته. لهذا عبَد الناسُ عناصرَ في الطبيعةِ كانت خارج سيطرتهم، أقوى منهم، يجهلون طبيعةَ تكوّنها وكيفيّة وجودها وعملها، كالشمس والقمر والعاصفة… وأحيانًا بعض الحيوانات المفترسة…
في الأديان السماويّة، تقدّم لنا الكتب المقدّسة والتعاليم الدينيّة “دستورَ حياة” يتبعه المؤمنون، لا لأجل إرضاء الله خصوصًا، بل لأجل انتظام معيشتهم وتأمين حياةٍ سليمة وعلاقة مستقيمة وصالحة مع الآخرين. أعرض لهذا كي أقولُ إنّ الإنسانَ في الدين هو المحور وليس الإله هو الأساس.
أمّا المنظومة الدينيّة بعامّة، فوضعت الإله (الله) وما يدور في فلكه من زخارف عباديّة في خانة “المقدّس”، هذا الحاشا المسّ به أو مقاربته في نقاش، فانساقت العامّةُ من غير تفكّرٍ إلى إرضائه خوف “غضبه” اليعرّضهم في طبيعة الحال إلى العقاب وحرمان “النعيم”… وخرجت الجماعات الطوائفيّة تنادي كلّ واحدةٍ بمعتقدها ونُظُمها صحيحةً دون الأخريات، ما عزّز التباعد بينها في اعتبار أنّها في الصواب، والآخرون في غير رضى الإله، متّهمون بانتهاك المقدّس.
هذا في حدّ ذاته، انتزع من الفكر الدينيّ المبدأ الأساس، أنِ الإنسانُ هو هدف الدين، الوُجدَ لإعلاء شأنه.
في عَودٍ إلى النصوص الدينيّة، نقرأ في الإنجيل قولةَ يسوع: “جئتُ لتكون للناس الحياة، وتكون لهم وافرة”. وفي مكانٍ آخر: “تعالوا يا مباركي أبي… لأنّي كنتُ جائعًا فأطعمتموني، عطشانًا فسقيتموني، عريانًا فكسوتموني…”. وفي الكتاب الكريم: “إنّا خلقناكم شعوبًا وقبائلَ لتعارفوا”. وقولة الإمام عليّ: “الناسُ صنفان، أخٌ لكَ في الدين ونظيرٌ لكَ في الخلق”. هذا طبعًا غيضٌ من فيض، يؤكّد كم الدعوة الدينيّة في تعاليمها ووصاياها تؤتي انتظامَ الناس في حياتهم وعلاقاتهم المتبادَلة، لأجل رفعةِ الإنسان، فردًا وجماعةً، في القيمة والفضيلة، وتوفّر حاجاته المعيشيّة والحياتيّة.
هذه القناعة المثبتة في الكتب والتعاليم الدينيّة، تأخذ إلى المفهوم المواطنيّ اليجمع الناس لا في انتماءٍ إلى ما يُعرف بالوطن، والمشاركة في سكنى الوطن على أهميّته وحسب، بل هي مشاركة في قيادة الوطن، كأنْ يشارك المواطن في اختيار مسار الوطن وسبل العيش فيه. يقول الدكتور أدونيس العكره: “المواطنيّة هي الجوهر، جوهر القضيّة. هي مسؤوليّات المواطن كيف يشارك وبما يشارك. لا يشارك فقط في الانتماء إلى الوطن. هو يشارك الآخرين في قيادة الوطن. في الكيان السياسيّ… هي وظيفة المواطن أن ينتخب من يمثّله ومن يمثّل الجماعة، لأجل تمكّنه من مساءلة من يمثّله ومحاسبته”. هذا الكلام على المواطن لا يتطرّق إلى انتماءاته الخاصّة، أطوائفيّة أم حزبيّة أم غيره. المواطن هنا شريك أخيه المواطن في المواطنيّة، انتماءً وقيادةً وسبل عيش وكرامة…
فالوطن هو المساحة الجغرافيّة التي يعيش فيها المواطنون مقوّمات مواطنيّتهم وكمال إنسانيّتهم خلوًّا من صراعاتٍ تؤذيهم وتقلّل من كرامتهم.
في قراءةٍ مباشرة، الوطن يفترض قيام دولة ترتكز على أساس المواطن. يقوم نظامُها على مفهوم المواطن، وليس على مصالح الجماعات الينتمي إليها هذا المواطن، فتأخذه من انتمائه المباشر إلى وطنه، إلى عدم اعتبار المواطنَ الآخر شريكًا له في الوطن. مفهوم المواطن هذا، أكّدته وثيقة الأخوّة الإنسانيّة التي وقّعها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيّب في الأمارات العربيّة المتّحدة بتاريخ الرابع من شباط العام ٢٠١٩. ما تقوله الوثيقة، هذه الوَضعَها قطبان دينيّان، قمّتان، إنّ “الديانات أخوات أمام الإنسانيّة وفيها”. ليؤكّدا أنّ الإنسان هو وجوبًا، السبب الأساس والوحيد لوجود الدين. ما يجعل شعار العيش المشترك أمرًا قابلاً للتحقيق من خلال ركائزَ تضمن قيامها واستمرارها: رفض التعصّب، التسامح والعلمانيّة.
في بساطةٍ عمليّة، ما يربط الناس بعضهم ببعض، هو ارتباطهم في المواطنيّة، اجتماعُهم في الحقوق والواجبات تجاه دولتهم، أي تجاه الآخر اليتشاركون معًا قواسمَ الحياة. خصوصيّات كلّ فردٍ أو مجموعة، التخصّ هذا دون ذاك، تبقى خارج السياق العامّ المشترك، فلا تشكّل مادّةَ خلاف… ورد في الإنجيل: “أعطِ ما لقيصر لقيصر وما لله لله”. هذا الكلام يأخذني إلى مرحلة الحرب اللبنانيّة بين سنتي ١٩٧٥ و١٩٩٠، الطالت لبنان في كامله، واتّخذت في مكان صورة الحرب الطائفيّة أو الأهليّة. تحضرني هنا قراءتي لكتاب “الوجه الآخر للحرب في لبنان، ما لم يُكتب بعد عن الحرب في لبنان”، للخوري حليم عبدالله، أورد فيه شهاداتٍ ميدانيّة دوّنها عقب زياراتٍ له إلى القرى والبلدات اللبنانيّة من أقصى الشمال إلى الحدود الجنوبيّة والبقاع سهلاً وجبلاً. شهادات لناسٍ عاشوا الحياة المشتركة في القرية الواحدة أو البلدات المجاورة، ناصر الأهالي بعضهم البعض ودافعوا الواحد عن الآخر، وفي مكاناتٍ رجال دين من الأطراف المختلفة، وجهتُهم أخوهم الإنسان، القريب والجار وابن البلد، من غير نظرٍ لانتماء أو اعتبار لتديّنٍ أو طائفة. جمعتهم قبلَ الحرب حياةٌ متبادَلة ومشاركةٌ في الأفراح والأتراح، ومساندة في الصعوبات. هذا أنموذجٌ حقيقيّ وواقعيّ لطبيعة الناس في عيشهم. كلّ ما عدا ذلك جاء من خارج، من اجتهاداتٍ وإيديولوجيّات لا تشبه الإنسان، ضحّت بإنسانيّته لأجل غرائزيّة “فرّقْ تسُدْ”، ليست في الدين ولا الشرع من جهة، وليست في المفهوم المواطنيّ من كلّ جهة.
“لأجل وطنٍ يتّسع للجميع”، وعلى ما أوردتُ في أعلاه كلّه، ليس عملاً تأسيسيًّا أو جهدًا لقيام كيانٍ مؤسّساتيّ يجمع الناس وفق نظامٍ إداريّ وسياسيّ. هو في كلّ بساطة تكريسٌ لنمطٍ حياتي اعتاد الناس يعيشونه بتبادلٍ إنسانيٍّ صرف، من دون اعتبار مسائل قد تختلف من فردٍ إلى آخر أو تميّز جماعةً عن أخرى. قد تجد أخوين في عائلة واحدة، الواحد مفتونٌ بالرياضة والآخر شغوفٌ بالفنّ. هذا لا يمنعهما من تبادل الحياة الاجتماعيّة والعائليّة باتّفاقٍ مبين، من دون تطرّق الواحد إلى اهتمام الآخر. ويلهف الواحد إلى حاجات أخيه ويعينه فيها بفعل محبّته واحترامه.
هذا بالضبط، ما أثبتته التجربة واقعًا في الناس. هؤلاء اليعيشون طبيعتهم البشريّة في التواصل والتعاطيات. لا نأتينّهم بإيديولوجيّات وخطابات تثير فيهم العصبيّة القبليّة، أدينيّةً كانت أم عقائديّة، تلك التزيد التعالي والتكابر المزيّفَين، وتؤتي اعتبارات “الحقيقة عندنا”، ومروّجوها مدركون كم واهية، لكن تهيمُ بالناس اتّباعًا عاطفيًّا يشرذمهم ويبعث فيهم كرهًا وتباعدًا…
“لأجل وطنٍ…”، لأجل مساحةٍ إنسانيّة، تفتح القلوب على المنظومة القيميّة الترفع المرءَ إلى ملء إنسانيّته، هناك، حيثُ من كان وما كان، يَنظر إلى الآخر، أنْ أخوه هو، صنوه. إن يختلفْ عنه، يزدْه إضافاتٍ لما ينقص عنده، ويرتفعا في تكّوّنٍ يسعهما معًا… “لأجل وطنٍ يتّسع للجميع”، الذين يجدون أنفسَهم في كمال، ويتعارفون جميعًا جماعةً واحدة تسمّت وطنًا…!
في ١٥ تمّوز ٢٠٢٦

