فضاء إفتراضي مليء بالتفاهة

فضاء إفتراضي مليء بالتفاهة

فضاء إفتراضي مليء بالتفاهة

أنور الخطيب

نستيقظ متأخرين بعد صراع ليليّ طويل مع سكان وادي عبقر، ونطل على هذا الفضاء الافتراضي لنجد رعونة شعرية تمارسها (شاعرة) استعارت جملة من هنا ونسخت قولاً من هناك لتبني بها نصاً يمكنك قراءته ونسيانه في اللحظة ذاتها. ومشكلتنا ليست مع هذه المخلوقة، وهي جزء من ظاهرة متورّمة، وإنما مع الجمهور الذي اعتاد على سماع صوته المجاني وحرفه الفارغ، فيلقي كلامه المليء بالفخاخ والمتطلع إلى شيء ما يستعين به خياله حين يختلي بنفسه، وهذا الجمهور بات أيضا ظاهرة بسلوكه التافه، وأكاد أجزم أن نسبته عالية في مجتمعاتنا من الماء إلى الماء، ولا علاقة للظاهرة بالأمية الأبجدية ، ولا علاقة لها بالفقر والبطالة، ولا بالبطش السياسي ومصادرة الرأي الآخر وقمع الحريات، ولا بتوجهات السلطات السياسية البذيئة، إنه خيار يحتاج إلى دراسة، هذه الرعونة وهذه التبعية (التعليق على نص أدبي جزء من التبعية)، وهذا اللهاث خلف الصور المريضة في المخيلات، وأكاد أجزم أيضا أن هذا الجمهور (وهو واسع حقا)، مسؤول عن حالة التردي السياسي والهزائم أمام عدونا وأمام العجلة الإنتاجية التي لا ترحم أحدا، ومسؤول عن الخراب الذي يسود كل شيء، من الأغنية وصولا إلى الفلسفة، وهذا الجمهور هو المسؤول عن الشيزوفرينا التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من سلوكه؛ يريد أن يعبد الله ويسرق في الوقت ذاته، يريد أن يبني وطنا وينفخ في الزعماء الساقطين في الوقت ذاته، يريد أن يتدرج في الوظيفة من دون الحضور إلى مكان عمله، يريد أن يكون شريفا ويشتغل في القوادة في الوقت ذاته، يريد أن يكون أديبا ولا يقرأ لأحد إلا لذاته، تريد أن تكون مبدعة بإبراز ثلاثة أرباع نهديها للمارين في شارع الكلمة، جمهور يصدق فيه الحديث: كما تكونوا يولّى عليكم، منافق متورّم مدعٍ ثرثار فارغ نمّام.

الأمر الأكثر إيلاما تلك المجلات الإلكترونية السخيفة التي تتسابق في نشر هذا الكم الهائل من السطحية، وتحمل أسماء كبيرة نعرفها جميعاً، وتتحول إلى مراجع أيضا، فتساهم في النفخ ونشر التافه من القول، ويزداد ألما مع أمسيات الـ (أون لاين) والجهات التي تستضيف عشرين شاعرا ومتحدثاً في الوقت ذاته.

هذا فضاء بات مشبوهاً مذموما داعرا سخيفاً يحتاج إلى مبيدات للتخلص منه، فجاحفله تضخمت حتى باتت تهدد ما تبقى لنا من مبدعين نظيفين وسياسيين شرفاء وعاملين نبلاء وأتقياء صادقين.

سأنتهي هنا لأن الأمر مؤذٍ أكثر مما نتخيّل، وصرت لا أميل إلى مقول: الزمن كفيل بالتصفية والانتقاء والغربلة…

لا أحد يعمل من أجل المستقبل إلى ما ندر وقل، فهنيئا لكم هذه السباحة في فضاءات مليئة بالثقوب السوداء، ستسحبكم عاجلاً أم آجلاً إلى جهة غير معلومة..

اترك تعليقاً