أنور الخطيب وقصيدته العابرة للأجيال: إطلالة على ديوان (حنوناً كياسمين الظهيرة)
بقلم: جواد العقاد
التجديد في شكلِ القصيدةِ وتراكيبها وصورها يقتضي ثورةً في الوعي والحساسية والمزاج وطريقة التأمل. وهذا ما حدث فعلاً بدءاً من ثورة الصعاليك في الشِّعرِ، مروراً بالشعراء الصوفيين والموشحات الأندلسية وأبي نواس والمعري، وصولاً إلى الشعر الحرّ والقصيدة الجديدة في العصر الحديث. بالتأمل في تلك التجارب نجد أنها تتضمن طروحات جديدة تجاه العالم والحياة والإنسان والفلسفة واللغة، أي أنها رؤية جديدة أنتجت شكلاً تعبيرياً جديداً سواء أكان التغير الجذري فيه على صعيد الجملة أم التركيب أم الشكل البصري.
وأنا أدَّعي القراءة العميقة لتجربة أنور الخطيب في الشعر والرواية، أستطيع القول إنه من أكثر الأدباء جرأةً على التجريب والمغامرة منذ إصدار مجموعته القصصية الأولى “خازوق”.
عندما قرأت لأول مرة لأنور الخطيب وكان ديوان “المغيّب الناجي من التأويل”، لم أتوقع أنه سيأتي بالنصّ الأجمل. واعتقدت أن الغربة وحدها هي المحرك العاطفي لإنتاج شعري مختلف.
تواصلت قراءاتي وتكشفت جماليات لم أعهدها في الشعر، وأقول الآن مع مجموعته “حنوناً كياسمين الظهيرة” إنه شاعر عابر للأجيال، إذ إنه بعد نصف قرن على الأقل من العطاء الشعري والأدبي، يُخرِج لنا من قبعة قلبه مجموعة شعرية تتجاوز تاريخه الشعري وتجعل من مقولة “موت الشعر” نكتة نقدية سخيفة، فالشعر له كلّ زمان ومكان.
وفي هذا السياق أيضاً، كتبتُ دراسة نقدية تحت عنوان “الشعر وتفكيك الوعي” في قصيدة “نص ضد مجرى النهر”، لم أنشرها حتى الآن.
يعلن أنور الخطيب ثورة التجديد بدءاً من العنوان “حنوناً كياسمين الظهيرة”، الذي يأتي بدلالاتٍ شعرية جديدة تفتح باب التأويل على حدائق الياسمين وتأتي شموس المعنى تعانق الياسمين حتى تتوهج العاطفة وتترعرع على ضفاف القصيدة أسئلة غير مشروعة، مثلاً: لماذا ياسمين الظهيرة حنون؟
وكذلك عناوين القصائد مثل: “للماء شكل النهايات”، “نرجس على لغة الليل”، “توحّش الوردة”. في هذه المجموعة، ينحت الشاعر جسد الفكرة ويتأملها ويقلبها على جمر العاطفة حتى تتحوَّل إلى إيمان عميق. كلما ترسَّخ وتعمَّق وتغلغل، صلى الشاعر قصيدته تحت سماء الخيال.
ولأنَّ أنور الخطيب لا يقر بأن “المعاني ملقاة على قارعة الطريق”، يؤسس لانقلاب يُدخل الأفكار الفلسفية وغير الشعرية إلى مملكة الشعر. في قصيدته “اغتيال الشعر”، يقدم مشهداً عبثياً لموت الشعر. هذه الفكرة النقدية التي أشبعها النقاد بحثاً وتأويلاً، يأتي الشاعر ويعالجها بطريقةٍ عجائبية يسقط من خلالها أفكاره.
في قصيدته “وحيّ معتقل”، يشعنرن مسألة الوحي الشعري الذي لا يؤمن به. إذ يقول دائماً – في كلامه النظري – إن الشعر يأتي من الاستغراق في التأمل. فلا ينتظر وحياً كي يكتب، وإنما تتولد الصور الشعرية من الحالات النفسية والعاطفية.
ويعالج مسألة تداخل الشعر مع السرد والعكس في قصيدة “رجل السرد”، فيقول: “رجل السرد الكامن في الشعر يترك شباك التكثيف مفتوحاً لتدخل منه الريح ولا يستريح…”.
ويكتب قصيدة عن أجمل وقت للكتابة، هذا السؤال المطروح دائماً على الكتّاب، ويتوصل إلى أن “أجمل وقت للكتابة حين تنتهي من الكتابة، تنهض صفر اليدين، تمتشق الربابة، تجرّ على أوتارها ليلاكَ، حين يقطر الحنين من يمناك”.
وتتجلى في قصائد المجموعة أفكار كثيرة يمكن قراءتها على هذا النحو.
لدى أنور الخطيب في هذه المجموعة رصيد كبير من الصور الشعرية الجديدة كلياً، ولا أريد القول إنه مدرسة شعرية متفردة لأن المدارس والاتجاهات الشعرية لها أسس تكاد تكون ثابتة، بل إنه حالة شعرية ممتدة عابرة للأجيال. فإن كل مجموعة شعرية لدى شاعرنا الخطيب لها سمات خاصة جداً عما سبق في تجربته. وحتى نكون أكثر دقة، يمكننا قراءة تجربته الشعرية من خلال تقسيمها إلى مراحل زمنية وفنية، وديوان “حنوناً كياسمين الظهيرة” يمثل مرحلة مستقلة أو يدشن مرحلة جديدة.
جواد العقاد
غزة، 31 مايو 2024م
Anwar Alkhateeb
الديوان إهداء (إلى غزة وهي تهيئ للصبح قوافيه)
إصدار اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات 2024م