سلاح رخيص وفتاك: كيف قلبت المسيّرات موازين القوة؟

تشهد الحروب المعاصرة تحوّلاً جذرياً بفعل الطائرات المسيّرة التي تعيد رسم خرائط النزاعات بوتيرة متسارعة، وتثير في طريقها أسئلةً جوهرية حول حدود المساءلة ومدى الالتزام بقواعد القانون الإنساني الدولي.
وتشهد القدرات الذاتية للمسيّرات تقدما تقنيا متسارعا على نحو غير مسبوق، ما لايدفع الخبراء والخبيرات إلى التحذير من عجز الأطر القانونية الراهنة عن اللحاق بهذه الطفرة التكنولوجية المتنامية.
ويؤكد مؤيدو استخدام الطائرات المسيّرة ومؤيداتها دقتها البالغة ويشبهونها بمشرط جراحي رقمي يجري عملية في منطقة الخلل بعناية محسوبة، ما يسهم – في زعمهم.هنّ – في الحد من الأضرار الجانبية. غير أن الارتفاع المطّرد في أعداد الضحايا المدنيين.ات حول العالم يُكذّب أسطورة “الحرب النظيفة”، ويُظهر زيف الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها كفيلة بإضفاء طابع أخلاقي على القتال، ما يثير تساؤلات متنامية حول قدرة القوانين الدولية الراهنة على حماية المدنيين.ات في زمن الذكاء الاصطناعي والحروب المؤتمتة.
وتفيد مجموعة الأبحاث البريطانية “درون وورز المملكة المتحدة ” (Drone Wars UK) بأن اعتماد المسيّرات ساهم في تخفيض عتبة التحفّظ السياسي على استخدام القوة – بل ربما التسرّع في اللجوء إلى العنف – كما وسّع من نطاق عمليات الاغتيال الممنهجة، وقوّض في المقابل أدوات المحاسبة والمساءلة. فكلّما ازداد بُعد اليد الضاربة عن ساحة المعركة، تضاعفت صعوبة إخضاعها للمحاسبة القانونية.

وفي تقريرها المعنون “الموت عند التسليم“، والصادر في مارس الماضي، وثّقت المجموعة مقتل ما لا يقل عن 943 مدنياً و مدنيةً في خمسين واقعة ناتجة عن ضربات مسيّرة وقعت بين نوفمبر 2021 ونوفمبر 2024، في أفريقيا وحدها. وقد سُجّل نحو نصف تلك الحصيلة (490 قتيلاً وقتيلةً) نتيجة هجمات نفّذتها مسيّرات إثيوبية. أما الضربات الأخرى، فاستهدفت بلدان مثل بوركينا فاسو، ومالي، والصومال، ونيجيريا، والسودان.
وفي هذا السياق، تقول كورا موريس، المشاركة في إعداد التقرير: “يبدو أنّ مفهوم “الهدف المشروع” قد اتّسع إلى درجة باتت معها مناطق بأكملها عرضة لضربات مكثّفة، دون تمييز حقيقي بين المدنيين.ات والمقاتلين.ات الموجودين.ات في ساحة المعركة ذاتها. ففي إثيوبيا، على سبيل المثال، ينتمي عدد كبير من الضحايا إلى إقليمي أمهرة وتيغراي، حيث يكفي الانتماء المناطقي، أو الإثني لتصنيف الفرد كهدف محتمل في كثير من الأحيان”.
المسيّرات في الشرق الأوسط
وحتى وقت قريب، كانت المسيّرات تُستخدم في الغالب ضمن إطار حملات مكافحة الإرهاب، التي تقودها الولايات المتحدة. وكانت قرارات تنفيذ اغتيالات خارج نطاق القضاء في دول لا تخوض حرباً مباشرة مع واشنطن ، مثل باكستان، تمثّل بؤرة جدل قانوني وانتقاد دولي مستمر.
أما اليوم، فقد غدت المسيّرات أداة مألوفة في الحروب النظامية والنزاعات الداخلية على حدّ سواء، إذ تعتمد عليها قرابة خمسين دولة في ساحات الصراع؛ إنها سلاح منخفض الكلفة، وبالغ التأثير، يهدّد بتجاوز القانون الإنساني الدولي، ويقوّض المعايير العالمية المنظّمة لتجارة السلاح واستخدامه. وقد تسبّبت هذه الضربات في سقوط مئات، وربما آلاف، القتلى من المدنيين.ات، خلال السنوات القليلة الماضية.
ما سرّ هذا الانتشار الكاسح؟
ولكن، ما الذي يفسّر الانتشار المتسارع للطائرات المسيّرة حول العالم؟ الجواب في كلمتين: التكلفة، والسهولة. فقد باتت المسيّرات القادرة على الطيران بعيدا، وعلى ارتفاع متوسط؛ المسمّاة اختصارًا “ميل” (MALE)، والتي كانت حتى وقت قريب حكرًا على دول كبرى، كالولايات المتحدة، وبريطانيا، وإسرائيل، والصين، تُصدَّر اليوم بأسعار زهيدة من قِبل دول، مثل تركيا وإيران، مستفيدةً من وفرة المكوّنات الجاهزة في الأسواق التجارية، واعتماد التصاميم المعيارية، وتوظيف تقنيات مفتوحة المصدر، تُطوّر بسرعة وبتكلفة محدودة، خارج الإطار العسكري التقليدي.
وقد سارعت العديد من الحكومات إلى اغتنام هذه الفرصة لتحديث ترساناتها العسكرية. إذ قد لا تتجاوز تكلفة المسيّرة الواحدة جزءاً من ألف من ثمن قاذفة قنابل أو دبابة، ومع ذلك، فهي قادرة على إصابة أهداف بالغة التأثير في موازين القوة على الأرض.
طائرات مُسيّرة: التكنولوجيا تغيّر قواعد الاشتباك والضحايا مدنيون – SWI swissinfo.ch
