مقدمة الدكتور عماد يونس فغالي لكتاب الدكتورة ربى سابا حبيب

مرآةُ وجودٍ بارقة،
أنموذجٌ في الأصول المرجعيّة.

بقلم: الدكتور عماد يونس فغالي

إنْ نعُدْ إلى القولة الكارتزيّة الشهيرة: “أنا أفكّر إذن أنا موجود”، تتجلَّ عنونةُ الكتاب موضوعنا، مرآةَ وجود، صُنعتْ بريقًا من المؤلِّفة وشاعرِ كتابها بتوازنٍ وجوديّ ملأ الصفحاتِ ترافقًا فكريًّا وانسيابَ يراعةٍ وحّدتْ بين الكتابةِ وقراءتها على الامتداد في كامله.
“الشعرُ فعلُ وجود”، تعريفُ أنور الخطيب في عنوان المؤلَّف. هكذا أرادت ربى سابا حبيب أن تضعَ فيضَها الرؤيويّ في شعر أنور الخطيب وشخصه المفكّر.
تؤمن المؤلّفة أنّ الشعرَ حالةٌ تلبسُ صاحبَها، فعلاً وتعبيرات. في قراءتها أنور الخطيب شاعرًا، وضعت إصبعَها على الحالة الشاعريّة فعلَ وجودٍ في النصّ أمِن داخل أو من خارج، ما مكّنها من تحديد هويّةِ الخطيب من عمقِ حالته الشاعريّة حتى فعله الوجوديّ.
أحاطت المؤلّفة بالموضوع من جوانبه كافّةً. هي إذ تعالجُ في كتابها شاعرًا، تطرّقت إلى ماهيةَ الشعر وإشكاليّتَه، مركّزةً على خصائصه التحدّد أنور الخطيب شاعرًا. ولاختيارها أنور الخطيب دوافع، خصّصت مقدّمةً كاملة بعنوان: لماذا أنور الخطيب؟ً
في هذه، لا يستغربُ عارفٌ أنّ شعرَ أنور الخطيب يستهوي الدكتورة ربى سابا حبيبُ أسلوبًا أوّلاً ومن ثمّ دافعًا ومضمونًا. الدكتورة ربى وجهٌ حداثيٌّ في الشعر منذ تخصّصها الأكاديميّ، حتى كتابتها الشعرَ وقناعاتها فيه. وهي سيّدةٌ أنموذجٌ في التمرّدِ الأنثويّ القائم خصوصًا على الضنّ بالوطن، ولا مساومتها على أولويّته في اعتباراتها. وجدت الكاتبةُ في شاعرها ما تعيشُه اقتناعًا واعتناقًا، في الحالة الشاعريّة والفكر الوجوديّ. وجدت نفسها تنقادُ بمِدادها يسيل غزيرًا في سكبٍ انسيابيّ لمخزونها النقديّ في الكلمة الأنوريّة. أنور الخطيب الشاعرُ الحداثيّ اليكتب نصوصَه في القالب النثريّ شكلاً، وفي الحالة الشاعريّة عمقًَا داخلاً وإيقاعًا ملءًا. هذا قرأته سابا حبيب شعرًا حقيقيًّا في هويّته وتجلّياته. الشعر في الرؤية الربويّة نظرةٌ إلى الواقع من منظار ما يجب أن يكون. تقول: “تطالب حركة الحداثة بمقاومة الرجعيّة والجمود والخروج على التقليد. تطالب بالخلق الشعريّ أي تغيير المقدّس. الحداثة رؤيا وحالة رفضٍ للموروث”.
ربى سابا حبيب الانتمت إلى الرعيل الثاني من شعراء الحداثة اللبنانيّين حسب تصنيفها، إلى جانب شوقي بزيع ومحمّد العبدالله وبول شاول وغيرهم، أغنت السياقَ بالمفهوم الشعريّ عند كبار الشعراء ومتناولي الشعر في دراساتهم وأبحاثهم. فبانت قراءتُها الشعرَ الأنوريّ محوريّة وشاملة، تبدأ من فعل الوجود الكائن في نصّ الخطيب الشعريّ هويّةً، يمرّ في مجهر الكاتبة الضوئيّ، تميّزه وحدة التوجّه الشعريّ عند الاثنين، الواضحة في النصّ البحثيّ، ليأخذ مصداقيّتَه من الاستشهادات الفكريّة التؤتيها ربى سابا حبيب في انسيابيّةٍ كأن شاعريّة هي الأخرى في الدعامة التوجّهيّة العامّة. تشعرُ بحالكَ أمام عمارةٍ بنيويّة متكاملة على مثلّثٍ أساس، الشاعر، قارئتُه والمفكّرون.
إنْ تلجْ تحليل نصوص الخطيب الربويّ، ينكشفْ لكَ تنوّع المناهج النقديّة القرأت الوحدات الشعريّة عبرها. البنويّةُ تارةً والتفكيكيّة، مدعمتان بترسيماتٍ بيانيّة، اعتمدتهما في تفصيلٍ دقيق، أوحتا القراءة النفسيّة والاجتماعيّة، الأودت إلى انتماء الشاعر الوطنيّ وتعلّقه بالأرض. سيميائيّةُ القصيدة الأنوريّة، فيضٌ قريحيٌّ تأويليّ فلش على الامتداد.
أظهرت المؤلّفة، من خلال التحليل والتأويل، كم الخطيب شاعرُ اللامكان. المتعلّق بالوطن الأمّ، فلسطينُه، انزاحَ عن سكناها قسرًا، سكنته في حلوله خارجها، وحلّتْ فيها وطنًا أخلصَ له دومًا. فتراه شخصًا وطنًا، في حلّه وترحاله، في شعره ومسلكه. كأنّما هويّة الشعر الأنوريّ، هي وطنُه في امتياز!
في الختام، لستُ في موقع التقييم البحثيّ للكتاب بين أيدينا. لكن، إن تدخلْ مضامينه، تقُدْ إحساساتِكَ اعتباراتُ “الشعر فعلُ وجود”، مسيرةَ قراءتكَ حتى الخواتيم!
هذا كتابٌ قد لم تشأ مؤلِّفتُه منه أكثر من إضاءةٍ على شاعرٍ وصفته “من كبار شعراء العرب وأندرهم تجربة حقيقيّة، وتقنيّته الشعريّة تستجيب لروح العصر…”، لكنّها في حقّ، قدّمتْ كتابًا أنموذجًا في الأصول المرجعيّة للمادّة المعالَجة، كيفًا ومنهجيّات.
اسمحي لي نهايةَ عجالَتي دكتورة ربى، أن أستعيرَ ختامَ مقدِّمة المطران جورج خضر كتابكِ الدرّة “عبق الأمكنة أو تلك الكنوز”: “نتعبُ أحيانًا ربى، هذا ثمن الأعالي”!

في ٣ حزيران ٢٠٢٥

اترك تعليقاً