
تنقل المجموعة القصصيّة لوحاتٍ حيّةً ترسمُ واقعيًّة الحياةَ المجتمعيّة في منطقةٍ معيّنة، وتهديها بضّةً كماء. يميّزُ المجموعة القصصيّة تنوّعُها الموضوعاتيّ اليملكُ على فكر المؤلّف، الباحث في الشأن المعيشيّ عن الحقيقة الإنسانيّة التبرز في مشاهداته الناقدة، يضيء عليها في رساليّةٍ تضيّق على نفسِه حتى إعلانها شمعةً في سماء الجماعة اليصلُ مسامعَها!!
ويوجّه سعد القرش مصباحَه القصصيّ إلى شخصيّاتٍ في بيئتها مصنّفةٍ الفئة الأولى. وهي في الحقيقة تروح في صفةِ المقدّس، لنقُلِ المؤلّه. “بادشاه” عنوان القصّة الأولى الوهبت المجموعة اسمَها العنوان. بادشاه، والعمدة في القصّة اللاحقة، شخصيّتان تعودان بالذاكرة إلى تاريخ الإنسان العباديّ. في بدايات الوجود البشريّ، كان الناس يعبدون عناصرَ الطبيعة التفرض قوّتها، ويشعرُ الناس بعجزهم في السيطرة عليها. كانوا يعبدون الشمس مثلاً أو العاصفة، خوفًا من غضبها واحتماءً بها… هذه المشهديّة نراها في قصص سعد القرش متمثّلةً خصوصًا بالشخصيّتين أعلاه، التمارسان القوّة الفارضة على جماعتهما فتطلب الأخيرة الرضى وتتحاشى الغضب، مع شكٍّ كبير بوجود هذه الشخصيّة- الإله، الفعليّ…
المقدّس في المعتقَد الشعبيّ، يملك الفكر الإيمانيّ بالقوّةِ العظمى، غيرُ مفرّقٍ بين دينٍ وآخر، أو بين منطقةٍ في العالم وبلدٍ في قارّةٍ أخرى. بديهٌ التنويه أنّ المقدَّسَ هذا، صنعُ المقدِّس أو المقدِّسين. صاحبُ النفوذ قد يكون هو اليفرضُ نفسَه “مؤلَّهًا”، وأحيانًا تؤلّهه العامّة، وهو يقبل بالحالة. سعد القرش في “بادشاه”، أجاد في إبراز هذه الظاهرة أنموذجًا واقعيًّا يعرض له، لكن في صورة كاريكاتوريّةٍ مضخّمة، يَنشد منها فكرًا إصلاحيًّا ربّما… لأنّ العامّةَ يغلبُ عليها الشحّ النقديّ لصالح التبعيّة للتقليد الواهم… والفئة المسيطرة الفارضة المقدَّسات، تنعم بكلّ إفادةٍ مكتسبة!! يبقى القولُ كم الكاتب في مرسلته الأدبيّة، دلاليٌّ في دوره الإنسانيّ، المفترض يقوّم كلّ اعوجاج!!
في هذا السياق، تقرأ أقصوصةَ سعد القرش. هو يكتب الأدبَ القصصيّ. قصّتُه المأخوذةُ من الواقع المصريّ المُعاش، مقدَّمةٌ على طبقٍ أدبيّ فائقِ اللذّة، تلزمُكَ أحيانًا معرفةٌ بتفاصيل المجتمع المصريّ الحياتيّة وزخارفه المتعدّدة النواحي المعيشيّة والمعتقديّة، لمواكبةِ السياق النصّي المفعم بالإيحاءات الدلاليّة!!
الأدب القصصيّ يعتمدُ حكمًا النمط السرديّ التتكوّن هويّتُه القصّة. في مجموعة “بادشاه”، الحالةُ متوافرة طبعًا، ولكن، انتقاءُ سعد القرش معيارَ العابد والمعبود، في مختلفِ ممارسات العبادة واتّجاهاتها، أتتْ مجموعتَه القصصيّة أنماطًا أخرى، متناسقة مع مفهوم “المقدّس” ومناسبة له. فترى في السياق نصوصًا ابتهاليّة ك “مناجاة”، وتأمّليّة كَ “ذاكرة المرايا” والقصّة القصيرة جدًّا “خمسة أطياف”.
من ناحيةٍ أخرى، لافتٌ في قصّات سعد القرش كتابتُه عن الفئات الشعبيّة بل الجماعات الفقيرة في تواصلها المجتمعيّ والإنسانيّ من جهة. وفي تعاطياتها “الدنيا” وصراعاتها مع أصحاب النفوذ وأُلي نعمتها من أهل المال والسلطة… يبان الكاتبُ في المادّةِ خبيرًا، يعرف القطبةَ المخفيّة بين الطبقتين. تجده كمن عايش هؤلاء واختبر أولئك… واكتشف سرَّ العلاقة المتبادلة وما يضمر أهلُ كلّ مجموعة طبقيّة للآخرين من نيّاتٍ غير حسنة في أقلّ تعديل.
يرسمُ الكاتبُ صورةَ المجتمع المصريّ في حياته اليوميّة… ينظرُ حيثُ لا يجرؤ الآخرون، ويدوّن بخيطٍ رفيع المِداد، مكنونات الناس الطيّبين في الريف المصريّ على بداءةِ المعيشة وسذاجةِ الفكر التعامليّ بين الناس. ما يجعل الأفراد رهينةَ الموروثات التقليديّة المرهقة… والجماعات أسيرةَ المنظومات التفرضها الهالاتُ الحاكمة، أوهمًا أو سيطرةً مباشرة!
يكشف السرد النصيّ كم المكانُ دلاليٌّ في الذاكرة الشعبيّة، من حيثُ توفّرُ وسائل رغد العيش وحاجات الناس ورغائبهم… سمنود وأوزير مدينتان توحيان لأهل القرى بالوفرة المعيشيّة اليطمعون بمواردها، لا الاقتصاديّة وحسب، بل بالمكانة الاجتماعيّة اليلجأون إليها…
سعد القرش، رساليٌّ يراعكَ. كتبتَ بساطةَ الإنسان في مداره، وتجلّيتَ رائدًا في تحويل أنظار قارئيك إلى قيمٍ تنشلُ المرء في حالاته إلى ملءٍ تَهديه إليه.. حسبُكَ الكلمة ترفع، وتقود إلى فضائلَ، هيهات من يعتبر!!
في ١٢ كانون الأوّل ٢٠٢٥

