عقدٌ من الإنجاز مقابل عقود من النفوذ: مأساة المدن المنسية         بقلم: سمرقرة/ طرابلس

عقدٌ من الإنجاز مقابل عقود من النفوذ: مأساة المدن المنسية بقلم: سمرقرة/ طرابلس

*العالمية*
عقدٌ من الإنجاز مقابل عقود من النفوذ: مأساة المدن المنسية
بقلم: سمرقرة/ طرابلس

الميناء والبترون: لماذا يزهر البحر هناك وينطفئ هنا؟
بصراحة، لستُ من أولئك الشغوفين بالسياسة، ولا أجد فيها ما يثير الحماسة أو يدعو للافتتان. بل إنني كثيرًا ما أجد صعوبة في مقاربتها أو فهم تعقيداتها وتشابكاتها. لكن، في أحيان نادرة، يفرض المكان نفسه، وتستدرجني المدينة — لا السياسة — إلى الكلام.
أتحدث هنا عن مدينة الميناء؛ عن حاراتها القديمة، عن كورنيشها البحري الذي يختزن ذاكرة الناس، وعن جمالٍ صامتٍ يشيخ بلا رعاية. عند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الصمت فضيلة، ولا يصبح الابتعاد عن النقاش خيارًا مشروعًا.
إن أي نقاش حول الميناء، مهما اختلفت الآراء حول أهلها، أو حكّامها، أو من غادروها، يجب أن ينطلق من حقيقة واحدة لا يمكن تجاوزها: هذه مدينة قائمة، حيّة، ذات تاريخ، وتخضع لسلطة سياسية كبرى تمتلك النفوذ، والقصور، والأملاك، والأتباع.
والسؤال البسيط الذي لا يُطرح بما يكفي:
“هل يُعقل أن يمضي شخص سنوات طويلة في الحياة السياسية، متربعًا على المشهد، دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في مدينته؟ ودون أن يُسهم، ولو بالحد الأدنى، في إحياء عمرانها، أو حماية إرثها، أو تحسين حياة ناسها؟”
في المقابل، نشهد في أماكن أخرى تجربة مختلفة. في البترون القديمة تحديدًا — وهي مدينة تشبه الميناء في موقعها البحري، وملامحها التاريخية، وروحها التراثية — ظهر من تعامل مع منطقته كـ “وطنٍ مصغّر”. شخص دخل العمل السياسي منذ سنوات قليلة نسبيًا، لم يتجاوز عمره السياسي عقدًا من الزمن، وعمل نائبًا لخمس سنوات فقط، لكنه استطاع، بالفعل وبعيداً عن الخطاب، أن يُحدث فرقًا ملموسًا في مدينته.
النتيجة واضحة للعين المجرّدة: البترون اليوم من أجمل المدن اللبنانية، حيّة، منظمة، مستثمرة بذكاء، ومحترمة في هويتها.
أما نحن في الميناء، فقد عرفنا الزعماء، والقادة، والتحالفات، والشعارات، وتبدّل الوجوه، وتراكم الخطابات. لكن، ماذا تغيّر فعليًا؟ ما الذي انعكس على حياة الناس؟ ما الذي حُفظ من مدينة غنية بالآثار، بالبحر، بالذاكرة، وبالفرص المهدورة؟
حتى الأحزاب السياسية الصغيرة، تلك التي لا تمتلك نفوذًا واسعًا، تحاول — في أماكن أخرى — أن تترك بصمة، أن تُحدث فرقًا، ولو محدودًا. أما في الميناء، فلا يزال السؤال معلّقًا فوق الموج: أين نحن من كل هذا؟
أكتب هذا من موقع الحزن، ومن شعورٍ صادق بالغبن. وأتمنى، بصدقٍ لا لبس فيه، أن يكون للميناء يومًا زعيمٌ يحبها، لا يستخدمها. يحمي خصوصيتها، لا يطمسها. يحترم إرثها الثقافي والأثري، ويتعامل معه كقيمة وطنية، لا كعبء.
الفرق بين البترون والميناء ليس في البحر، ولا في التاريخ، ولا في الناس. الفرق ببساطة… أن هناك من أحب مدينته وعمل لأجلها.
وهذا وحده ما نتمناه للميناء.. فمتى يتحول حب المدن من “قصائد” إلى “قواعد” بناء؟
#طرابلس#لبنان#الميناء#البترون#بحر#سياسة

https://chat.whatsapp.com/HzYNUSbwh2D1l65Am1opdr?mode=hqrt1

اترك تعليقاً