التَّضْحِيَةُ وَالخَلَاصُ: مِنْ مَعْنَى الشَّهَادَةِ إِلَى أُفُقِ السَّلَامِ الإِنْسَانِيِّ

تُعَدُّ التَّضْحِيَةُ مِنَ الظَّوَاهِرِ الإِنْسَانِيَّةِ الأَكْثَرِ عُمْقًا وَإِثَارَةً لِلتَّسَاؤُلِ فِي آنٍ مَعًا. فَقَدْ رَافَقَتِ الإِنْسَانَ مُنْذُ بَدَايَاتِ وَعْيِهِ بِذَاتِهِ وَبِالعَالَمِ، وَتَجَلَّتْ فِي صُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ مِنَ البَذْلِ وَالإِيثَارِ وَالصُّمُودِ وَالمُوَاجَهَةِ. وَكُلَّمَا تَعَرَّضَتِ الجَمَاعَاتُ وَالأُمَمُ وَالأَفْرَادُ لِتَحَدِّيَاتٍ كُبْرَى، بَرَزَتْ مَفَاهِيمُ الشَّهَادَةِ وَالفِدَاءِ وَالتَّفَانِي فِي سَبِيلِ قِيَمٍ عُدَّتْ أَسْمَى مِنَ المَصْلَحَةِ الفَرْدِيَّةِ الآَنِيَّةِ. وَفِي سِيَاقَاتٍ دِينِيَّةٍ وَفَلْسَفِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، تَحَوَّلَتِ التَّضْحِيَةُ إِلَى رَمْزٍ لِلكَرَامَةِ وَالثَّبَاتِ وَالانْتِصَارِ لِلمَبَادِئِ، وَإِلَى مِرْآةٍ تَعْكِسُ طَرِيقَةَ الإِنْسَانِ فِي فَهْمِ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ وَالحُرِّيَّةِ وَالمَصِيرِ.
وَقَدِ اهْتَمَّتْ عُلُومُ الإِنْسَانِ وَالمَعْرِفَةِ بِدِرَاسَةِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ؛ فَنَظَرَ إِلَيْهَا عِلْمُ النَّفْسِ مِنْ زَاوِيَةِ الحَاجَةِ إِلَى المَعْنَى وَتَجَاوُزِ الذَّاتِ، وَدَرَسَهَا عِلْمُ الاجْتِمَاعِ بِوَصْفِهَا جُزْءًا مِنْ بِنَاءِ الهُوِيَّاتِ الجَمْعِيَّةِ وَإِنْتَاجِ الرُّمُوزِ المُوَحِّدَةِ، فِي حِينِ تَنَاوَلَتْهَا الفَلْسَفَةُ عَلَى أَنَّهَا سُؤَالٌ مُرْتَبِطٌ بِالقِيمَةِ وَالحُرِّيَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَمَعْنَى الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ. وَمِنْ هُنَا تَنْبَثِقُ جُمْلَةٌ مِنَ الإِشْكَالِيَّاتِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ وَالمُنَاقَشَةَ: كَيْفَ تَنْشَأُ ثَقَافَاتُ التَّضْحِيَةِ وَتَتَرَسَّخُ فِي الوَعْيِ الفَرْدِيِّ وَالجَمْعِيِّ؟ وَإِلَى أَيِّ مَدًى تُمَثِّلُ اسْتِجَابَةً وَاقِعِيَّةً لِتَحَدِّيَاتِ الحَيَاةِ؟ وَمَا الَّذِي تَقُولُهُ عُلُومُ النَّفْسِ وَالاجْتِمَاعِ وَالأَنْثُرُوبُولُوجِيَا عَنْهَا؟ وَهَلْ يَكْمُنُ الخَلَاصُ فِي مُوَاجَهَةِ المَوْتِ، أَمْ فِي صِنَاعَةِ شُرُوطِ الحَيَاةِ؟ وَهَلْ تُمَثِّلُ الشَّجَاعَةُ قُدْرَةً عَلَى المَوْتِ فَقَطْ، أَمْ أَنَّهَا قُدْرَةٌ عَلَى الحِفَاظِ عَلَى الحَيَاةِ أَيْضًا؟
يُظْهِرُ عِلْمُ النَّفْسِ الوُجُودِيُّ أَنَّ الإِنْسَانَ كَائِنٌ بَاحِثٌ عَنِ المَعْنَى قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ. وَيَرَى فِيكْتُور فْرَانْكِل أَنَّ الإِنْسَانَ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ الأَعْمَقَ مِنَ المَعْنَى الَّذِي يُضْفِيهِ عَلَى وُجُودِهِ؛ فَكُلَّمَا ارْتَبَطَتِ الحَيَاةُ بِغَايَةٍ كُبْرَى، ازْدَادَتْ قُدْرَةُ الإِنْسَانِ عَلَى التَّحَمُّلِ وَالصُّمُودِ وَالعَطَاءِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ تَغْدُو التَّضْحِيَةُ تَعْبِيرًا عَنْ تَجَاوُزِ المَنْفَعَةِ الشَّخْصِيَّةِ الضَّيِّقَةِ نَحْوَ أُفُقٍ أَوْسَعَ مِنَ المَعْنَى وَالمَسْؤُولِيَّةِ.
أَمَّا التَّحْلِيلُ النَّفْسِيُّ فَيُضِيءُ بُعْدًا آخَرَ مِنَ الظَّاهِرَةِ. فَقَدْ رَأَى سِيغْمُونْد فْرُويْد أَنَّ السُّلُوكَ الإِنْسَانِيَّ يَتَشَكَّلُ مِنْ تَوَتُّرٍ دَائِمٍ بَيْنَ دَوَافِعِ الحَيَاةِ وَدَوَافِعِ الفَنَاءِ، فِي حِينِ ذَهَبَ كَارْل يُونْغ إِلَى أَنَّ صُوَرَ الأَبْطَالِ وَالمُنْقِذِينَ وَالشُّهَدَاءِ تَحْضُرُ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ عَلَى هَيْئَةِ نَمَاذِجَ رَمْزِيَّةٍ تُسَاعِدُ الأَفْرَادَ عَلَى فَهْمِ ذَوَاتِهِمْ وَصِيَاغَةِ هُوِيَّاتِهِمْ. وَمِنْ هَذَا المَنْظُورِ تَكْتَسِبُ صُوَرُ التَّضْحِيَةِ قُدْرَةً عَلَى البَقَاءِ وَالتَّأْثِيرِ عَبْرَ الأَجْيَالِ.
وَيُبَيِّنُ عِلْمُ الاجْتِمَاعِ أَنَّ الجَمَاعَاتِ تَبْنِي تَمَاسُكَهَا مِنْ خِلَالِ القِيَمِ وَالرُّمُوزِ وَالسَّرْدِيَّاتِ الَّتِي تَمْنَحُ أَفْرَادَهَا شُعُورًا بِالانْتِمَاءِ وَالمَصِيرِ المُشْتَرَكِ. وَقَدْ أَوْضَحَ إِمِيل دُورْكَايْم أَنَّ الطُّقُوسَ وَالرُّمُوزَ الجَمْعِيَّةَ تُسْهِمُ فِي إِعَادَةِ إِنْتَاجِ الوَحْدَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ وَتَجْدِيدِ القِيَمِ المُؤَسِّسَةِ لِلجَمَاعَةِ. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ تَغْدُو التَّضْحِيَةُ، فِي بَعْضِ تَجَلِّيَاتِهَا، أَدَاةً لِحِفْظِ المَعْنَى الجَمْعِيِّ وَتَعْزِيزِ الشُّعُورِ بِالانْتِمَاءِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المُشْتَرَكَةِ.
وَتُضِيفُ الأَنْثُرُوبُولُوجِيَا بُعْدًا أَرْحَبَ لِهَذَا النِّقَاشِ. فَدِرَاسَةُ المُجْتَمَعَاتِ البَشَرِيَّةِ تُظْهِرُ أَنَّ تَخْلِيدَ ذِكْرَى المُضَحِّينَ وَاسْتِحْضَارَ مَعَانِي البَذْلِ وَالفِدَاءِ يُمَثِّلُ آليَّةً مِنْ آليَّاتِ إِنْتَاجِ المَعْنَى وَتَفْسِيرِ الصِّرَاعِ وَتَجَاوُزِهِ. وَيُشِيرُ رِينِيه جِيرَار إِلَى أَنَّ الجَمَاعَاتِ تَبْحَثُ دَائِمًا عَنْ رُمُوزٍ وَمَرْجِعِيَّاتٍ تُمَكِّنُهَا مِنْ فَهْمِ أَزَمَاتِهَا وَإِعَادَةِ بِنَاءِ تَوَازُنِهَا. وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ ظَاهِرَةَ التَّضْحِيَةِ تُشَكِّلُ مَدْخَلًا مُهِمًّا لِفَهْمِ طَرِيقَةِ تَفْكِيرِ الإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ وَفِي عَلاقَتِهِ بِالمُجْتَمَعِ وَالمُسْتَقْبَلِ.
وَلَكِنَّ الإِشْكَالَ الفَلْسَفِيَّ يَبْقَى قَائِمًا عِنْدَ الحَدِّ الفَاصِلِ بَيْنَ التَّضْحِيَةِ وَالتَّهْلُكَةِ. فَلَيْسَ كُلُّ تَعَرُّضٍ لِلْمَوْتِ فِعْلًا بُطُولِيًّا، وَلَيْسَ كُلُّ بَذْلٍ لِلنَّفْسِ يُفْضِي إِلَى خَيْرٍ أَعْظَمَ. فَقِيمَةُ الفِعْلِ لَا تُقَاسُ بِحَجْمِ الخَسَارَةِ الَّتِي يَتَحَمَّلُهَا الفَرْدُ، بَلْ بِالغَايَةِ الَّتِي يَخْدِمُهَا وَبِالأَثَرِ الَّذِي يَتْرُكُهُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ وَكَرَامَتِهِمْ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ.
وَفِي هَذَا الإِطَارِ يَبْدُو إِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي الهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ لِلمَآلَاتِ فِعْلًا مُخْتَلِفًا جَوْهَرِيًّا عَنْ مَعْنَى التَّضْحِيَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ. فَالتَّضْحِيَةُ تَسْتَمِدُّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَى خِدْمَةِ الحَيَاةِ وَصَوْنِ الكَرَامَةِ وَحِمَايَةِ الإِنْسَانِ، فِي حِينِ يَتَحَوَّلُ الارْتِمَاءُ فِي التَّهْلُكَةِ إِلَى فِعْلٍ يَفْتَقِدُ بُعْدَهُ الأَخْلَاقِيَّ عِنْدَمَا يُفْضِي إِلَى خَسَائِرَ وَاسِعَةٍ وَمُتَوَقَّعَةٍ مِنْ دُونِ أُفُقٍ وَاضِحٍ لِلإِنْقَاذِ أَوِ الإِصْلَاحِ.
وَهُنَا يَبْرُزُ سُؤَالُ الشَّجَاعَةِ فِي صُورَةٍ أَكْثَرَ تَعْقِيدًا وَعُمْقًا. فَهَلِ الشَّجَاعَةُ قُدْرَةٌ عَلَى مُوَاجَهَةِ المَوْتِ فَقَطْ، أَمْ إِنَّهَا قُدْرَةٌ عَلَى حِمَايَةِ الحَيَاةِ أَيْضًا؟ إِنَّ الحِكْمَةَ الإِنْسَانِيَّةَ تَدْعُو إِلَى فَهْمٍ أَرْحَبَ لِهَذَا المَفْهُومِ؛ فَالشَّجَاعَةُ تَتَجَلَّى فِي المُوَاجَهَةِ عِنْدَمَا تَفْرِضُهَا الضَّرُورَةُ الأَخْلَاقِيَّةُ، وَتَتَجَلَّى أَيْضًا فِي الصَّبْرِ وَالصُّمُودِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ وَبِنَاءِ القُوَّةِ وَإِدَارَةِ الصِّرَاعِ بِأَقَلِّ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الخَسَائِرِ.
فَإِذَا كَانَتْ مُوَاجَهَةُ قُوَّةٍ سَاحِقَةٍ تَسْتَدْعِي تَدْمِيرًا شَامِلًا وَتَقْتِيلًا وَاسِعًا وَانْهِيَارًا لِمَقَوِّمَاتِ الحَيَاةِ وَالأَرْزَاقِ وَالمُؤَسَّسَاتِ، فَإِنَّ الحِكْمَةَ تَدْعُو إِلَى البَحْثِ عَنْ أَشْكَالٍ أُخْرَى مِنَ المُوَاجَهَةِ وَالصُّمُودِ وَحِفْظِ القُدْرَةِ عَلَى الاسْتِمْرَارِ. فَقَدْ تَكُونُ حِمَايَةُ الإِنْسَانِ، وَصَوْنُ المُجْتَمَعِ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَى شُرُوطِ البِنَاءِ وَالتَّعَلُّمِ وَالإِنْتَاجِ، أَعْمَقَ أَثَرًا وَأَبْقَى جَدْوًى مِنْ خِيَارٍ يُفْضِي إِلَى الفَنَاءِ الجَمْعِيِّ. وَفِي هَذَا المَعْنَى تَغْدُو الحَيَاةُ نَفْسُهَا مَشْرُوعَ مُقَاوَمَةٍ وَمَجَالًا لِلشَّجَاعَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ.
وَمِنْ ثَمَّ يَتَّسِعُ مَفْهُومُ الخَلَاصِ لِيَتَجَاوَزَ ارْتِبَاطَهُ بِلَحْظَةِ المَوْتِ. فَالخَلَاصُ يَتَجَلَّى فِي إِقَامَةِ العَدَالَةِ، وَحِفْظِ الكَرَامَةِ، وَحِمَايَةِ الضُّعَفَاءِ، وَبِنَاءِ الثِّقَةِ بَيْنَ البَشَرِ، وَإِنْشَاءِ المُؤَسَّسَاتِ القَادِرَةِ عَلَى صَوْنِ الحُقُوقِ وَتَجْنِيبِ الأَجْيَالِ دَوَّامَاتِ العُنْفِ وَالانْهِيارِ. وَفِي هَذَا المَعْنَى تَغْدُو التَّضْحِيَةُ الحَقِيقِيَّةُ فِعْلًا خَلَّاقًا يُنْتِجُ حَيَاةً أَفْضَلَ، وَيُوَسِّعُ آفَاقَ الإِنْسَانِ، وَيَفْتَحُ أَمَامَهُ سُبُلَ البِنَاءِ وَالسَّلَامِ وَالإِبْدَاعِ.
وَإِذَا كَانَتْ عُلُومُ النَّفْسِ وَالاجْتِمَاعِ وَالفَلْسَفَةِ تُجْمِعُ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ كَائِنٌ يَبْحَثُ عَنِ المَعْنَى وَالكَرَامَةِ وَالأَمْلِ، فَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُوَجِّهَ المُسْتَقْبَلَ يَكْمُنُ فِي القُدْرَةِ عَلَى صِيَاغَةِ وَعْيٍ إِنْسَانِيٍّ أَكْثَرَ نُضْجًا، يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالحِكْمَةِ، وَبَيْنَ الكَرَامَةِ وَالحَيَاةِ، وَبَيْنَ الشَّجَاعَةِ وَالسَّلَامِ؛ فَهَلْ يَنْجَحُ الإِنْسَانُ فِي أَنْ يَجْعَلَ أَعْلَى أَشْكَالِ التَّضْحِيَةِ هِيَ تِلْكَ الَّتِي تُنْقِذُ الحَيَاةَ وَتُوَسِّعُ آفَاقَهَا وَتَحْفَظُ الكَرَامَةَ الإِنْسَانِيَّةَ، بَدَلَ أَنْ تَدْفَعَهَا نَحْوَ مَزِيدٍ مِنَ الفَنَاءِ؟
جميل معلّم
بعقلين/ الشّوف
١٣ حزيران ٢٠٢٦
