اختفاء البحر.. شعر أنور الخطيب

اختفاء البحر.. شعر أنور الخطيب

البحر الميت

البحر الميت

أنور الخطيب

 

سألتْ طفلةٌ مبللةٌ بأسطورة اللعنات

  • لماذا، موجُ هذا البحر ساكنٌ يا أبتي؟

رد طفل في عامه السادسِ

كان يرسم خارطة في قلبه: “لأنه ميتٌ”،

ومضى..

يرصد الغروب خلف الجبالِ

التي خلفها مدنٌ موشومةٌ بالغموض.

…….

كنا في رحلةٍ إلى ضفة الطّين

حيث تطفو الكائنات فوق الماء

كأسماك نافقة،

ترسو على شاطئ من حَصى وأنينٍ

وكنّا، قد علونا كي نعلوَ أكثرَ

ماءً يتطيّر منه الناس

كان المشهد يحفر في الرئتين تماثيل الملح:

عازفُ عودٍ يسلّي الزائرين

بأغنيات فيروز وسيدةِ الغناء،

كانت أوتاره تجفّ سريعا

فيبللها، بارتباك ينزّ من أصابعه وريشته

ويدّعي: “الهواءُ حارٌ هنا”

فيردّ طفلٌ في عامه السادسِ: “لأنه ميت”.

الموج ميت إذن

والهواء ميت،

لم يصرفنا الموت عن التقاط ألف صورة لنا؛

مرة والشمس تغيب،

ومرة والغروب يغيب،

ومرةً ونحن نغيب،

ورغم الغياب جلسنا نراجع اللقطاتِ

فاكتشفنا اختفاء البحر..!

قال الصبي الذي كان يرمي البحر بالحجارةِ:

“المصوّرون ميتون

الزائرون ميتون

البحر ميت”،

رمانا بحجرْ.. واختفى..

  • لماذا اختفى الطفل يا ابتي؟

لم يجب أي طفل في السادسة،

سمعنا أوتاراً تتقطع،

رأينا عازفاً يضرب عوده بالصخر

ويختفى..

اختفت فيروز،

اختفت سيدة الغناء

لم، يختف الذبابُ..

  • لماذا اختفى العازف يا ابتي؟

لم يجبها صبيٌ ولا عازف عودٍ

في تلك اللحظة

مرّ رجالٌ ونساءٌ

يحملون أطفالهم فوق أكتافهم

يهرعون،

اختفى الزائرون، الكراسي، الطاولات

والطفل العازف والغناء

الضوء والهواء..

  • لماذا اختفى المشهد يا أبتي؟

عاد الطفل كأمٍ نسيت ابنها قبل سبعين عاماً

داخل بيتٍ مشتعلٍ وقال:

“المشهد لم يعتد على مشهده

شاهدُ الميتِ ميتٌ، والبحرُ ميتٌ..

  • لماذا موج روحكَ ساكنٌ يا ابتي؟

ظلّت ابنتي تغرز نصل السؤال

في تضاريس وجهي

وظلُّ قلبي يرافق الشمس خلف الجبال

خلفها مدنٌ موشومة بالغموض

وألف احتمال..

 

عمّان أكتوبر 2013

اترك تعليقاً