قراءة في قصيدة اللاجئون
بقلم الدكتور:مفيد عرقوب
تنهض القصيدة على تحويل اللجوء من واقعةٍ مكانية إلى حالة وجودية، ومن جرحٍ تاريخي إلى ذاكرة تتناسل ولا تشيخ. ويجعل الشاعر من «المفتاح» قطب الرحى في بنائها الرمزي؛ فهو أثر البيت الغائب، وشهادة الملكية، ووديعة الذاكرة، ووعد العودة. لذلك لا تبقى المفاتيح أشياء معلقة، وإنما يغمرها التشخيص منذ المطلع، فتغدو «مدوزنة على مقامات الحناجر»، كأنها انتقلت من جيوب اللاجئين إلى أصواتهم، ثم اقتربت من القلب حتى غدت جزءًا من نبضه.
ويواصل النص بناء صورته للّاجئ خارج هيئة الضحية المستكينة؛ فهو كائن يمتلك قدرةً عجيبة على ابتداع الحياة من منافذ الموت. وحين «يختنق اللاجئون / يبتكرون مجرى جديدًا للهواء»، تنقلب علاقة الإنسان بالمحنة: فالاختناق الذي يفترض أن يفضي إلى النهاية يستدعي اختراع منفذ آخر للحياة. وهنا يتحول الصمود من معنى سياسي مجرد إلى فعل خلق؛ فاللاجئ لا ينتظر الهواء، وإنما يشق له مجراه.
وتتسع الدائرة حين تصبح «ذاكرة البيوت / مؤثثة بوصايا الشهداء». وهي استعارة تستنطق الغائب بالمحسوس؛ فالذاكرة بيت، والوصايا أثاثه، والشهداء سكانه الذين غابوا بأجسادهم وبقيت أصواتهم في المكان. ثم يذهب الشاعر أبعد حين يجعل «اللاجئين مفاتيح تسكن الخيام»، فيحدث انقلاب دلالي لافت: المفتاح الذي كان يحمله اللاجئ يصبح هو نفسه لاجئًا، والإنسان الذي ينتظر فتح الباب يتحول إلى مفتاح لذلك الباب. وهكذا تتماهى الذات مع رمز العودة حتى يصعب الفصل بين صاحب الحق ودليله.
وحين يستدرج اللاجئون الغيم ويودعون أبناءهم في مائه ثم يطلقونه «يمطر نرجسًا وفسائل حب»، تنقلب دورة الفقد إلى دورة خصب؛ فالماء يحمل الأبناء، والغيمة تحمل الذاكرة، والمطر يعيدهم نباتًا وحبًا. إنها مخيلة ترفض أن تمنح الموت كلمته الأخيرة، فتستعير من الطبيعة قوانين التجدد لتكتب بها قانون اللاجئ الخاص.
ثم تتكاثف صور الأرض والخبز والحياة في «سنابل قلب / حنطة الأمكنة / أرغفة الأزمنة». هنا يذوب اللاجئ في مفردات الحقل الفلسطيني؛ يصير سنبلةً وحنطةً ورغيفًا، وكأن الإنسان والأرض يتبادلان صفاتهما حتى يغدو اقتلاع أحدهما من الآخر فعلًا يناقض طبيعة كليهما. فاللاجئ يحمل أرضه فيه كما تحمل السنابل حباتها، ويحمل زمنه كما يحمل الرغيف رائحة الحقل الذي جاء منه.
وتبلغ الصورة ذروتها في قوله: «اللاجئون يُبعثون من الحرائق». فاللاجئ هنا كائن عصيّ على الفناء؛ تنبعث من النار فيه حياة جديدة، حتى يغدو الحريق الذي أُريد له خاتمةً بابًا لابتداء آخر. ومن الرماد يتصاعد النص نفسه، ويتحول إلى حبلٍ صُرِّيّ يصل الأرض بالسماء عند «يعانقون مفاتيح الله»؛ فكأن الصلة بالأرض، بعد كل اقتلاع، بقيت صلة حياة لا تنقطع، تمتد من مفتاح البيت المعلق قرب القلب إلى مفتاح يتصل بالمقدس.
وعند «بيوتٍ تجري من تحتها الأنهار» يستدعي النص ظلال التعبير القرآني، ثم يعيد صهرها في بوتقة التجربة الفلسطينية: «بيوتنا يا الله / يجري من تحتها دمنا المعسّل / وخمر شوقنا كآية تتنزل». وهنا يتعانق فردوس السماء مع فردوس الوطن، ويتداخل المقدس بالحنين، حتى يصبح البيت المفقود أكثر من مكان يستعاد؛ يغدو وعدًا يسكن الروح، ويقينًا يتحدى المنفى والزمن.
ويلتف المجاز حول القصيدة ويحيط بها إحاطة السوار بالمعصم؛ من المفاتيح المدوزنة على مقامات الحناجر، إلى ذاكرة البيوت المؤثثة، والغيمة الحاملة للأبناء، وسنابل القلب، وحنطة الأمكنة، وأرغفة الأزمنة، ولهب الشجر. فلا يعود المجاز طارئًا على التجربة، وإنما يصبح جلدها الثاني، واللغة التي لا تستطيع المأساة أن تقول نفسها إلا بها.
ويبقى المفتاح الخيط الأشد إحكامًا في نسيج القصيدة؛ يظهر أولًا قريبًا من القلب، محمولًا بذاكرة البيت، ثم يمضي مع اللاجئ في رحلة النار والغيم والحنطة والدم، حتى يرتفع في النهاية إلى «مفاتيح الله». وبين مفتاح الأرض ومفتاح السماء يرسم أنور الخطيب قوس قصيدته كله: لاجئ خرج من بيته حاملًا مفتاحه، وظل يحمل البيت في ذاكرته حتى غدت العودة عنده يقينًا لا يصدأ، وإن صدئت المفاتيح.
مقطوعة شعرية رائعة تعادل موسم غلة وفيرة بعد يباب
النص
يستيقظ اللاجئون قبل العصافير
حيث المفاتيح مدوزنة
على مقامات الحناجر
معلقةٌ قرب القلوب
وحين يختنق اللاجئون
يبتكرون مجرى جديداً للهواء
حيث ذاكرة البيوت
مؤثثةٌ بوصايا الشهداء
اللاجئون مفاتيح تسكن الخيامَ
في القصائد المعلقةِ
يستدرجون كل غيمة تظللهم
يودِعون في مائها أبناءهم
ويطلقونها
< تمطر نرجساً وفسائل حب
اللاجئون سنابل قلب
حنطة الأمكنة
أرغفة الأزمنة
وقود القمر
اللاجئون يُبعثون من الحرائق
لهب معشّقٌ بالشجر
لا يطفئون النار إنما
يعانقون مفاتيح الله
يرشدهم إلى بيوتٍِ
تجري من تحتها الأنهار
فينشدون: بيوتنا يا ألله
يجري من تحتها دمنا المعسّل
وخمرُ شوقنا كآية تتنزل
#لاجئ#فلسطين

