العُيونُ: خُلاصَةُ النَّفْسِ بِاللَّا مُقالِ      بقلم: الشاعر جميل معلم

العُيونُ: خُلاصَةُ النَّفْسِ بِاللَّا مُقالِ بقلم: الشاعر جميل معلم

العُيونُ:
خُلاصَةُ النَّفْسِ بِاللَّا مُقالِ


العُيونُ سِفْرُ الرُّوحِ حينَ تُطْفِئُ اللُّغَةُ مَصابيحَها، وتُسَلِّمُ مَقاليدَها إلى صَمْتٍ يَعرِفُ كيفَ يَكْتُبُ بِالنُّورِ. فيها تَسْكُنُ الحِكاياتُ قَبْلَ وِلادَتِها، وتَتَخَمَّرُ المَعاني قَبْلَ أَنْ تَلْبَسَ ثِيابَ الأَلْفاظِ. كَأَنَّها خُلاصَةُ النَّفْسِ، قَطرَةُ الجَوْهَرِ الَّتي انْسَحَبَتْ مِنْ كُلِّ الأَعْضاءِ لِتُقِيمَ في مِحْجَرَيْنِ صَغِيرَيْنِ، يَتَّسِعانِ لِعُمْرٍ كامِلٍ، ولِذاكِرَةٍ تَحْمِلُ أَوَّلَ الدَّهْشَةِ وآخِرَ الحِكْمَةِ.
أَيُّ سِرٍّ يَجْعَلُ العَيْنَ تُفْصِحُ عَمَّا تَعْجزُ عَنْهُ المَجاميعُ الكَبيرةُ مِنَ الكَلِماتِ؟ وَأَيُّ كِيمياءَ خفيَّةٍ تَنْسُجُ، في لَحْظَةٍ عابِرَةٍ، جِسْرًا بَيْنَ قَلْبَيْنِ، فَيَشْعُرُ كُلٌّ مِنْهُما بِأَنَّهُ يَعْرفُ الآخَرَ مُنْذُ البِداياتِ؟ أَتُرى النَّفْسُ تُرْسِلُ رُسُلَها مِنْ هُناكَ، أَمْ أَنَّ العَيْنَيْنِ هُما الوَطَنُ الأَوَّلُ لِلْمَعْنى، وَما اللِّسانُ إِلّا زائِرٌ يَصِلُ مُتَأَخِّرًا؟
لِلْعُيونِ أَشْكالٌ تُشْبِهُ تَنَوُّعَ الفُصولِ. مِنْها ما يَمْتَدُّ كَقَوْسِ نايٍ يَعْزِفُ هُدُوءَ المَساءِ، وَمِنْها ما يَسْتَديرُ كَبُحَيْرَةٍ تَحْتَضِنُ السَّماءَ، وَمِنْها ما يَميلُ مَيْلَةً خَفِيَّةً، فَيُضْفي عَلَى الوَجْهِ وَقارًا، أَوْ شَقاوَةً، أَوْ غُمُوضًا يَسْتَدْعي التَّأَمُّلَ. وَفي كُلِّ حَجْمٍ هِنْدَسَةٌ داخِلِيَّةٌ؛ فَالعَيْنُ الصَّغِيرَةُ قَدْ تَحْمِلُ مَدىً يَتَجاوَزُ الآفاقَ، وَالعَيْنُ الوَاسِعَةُ قَدْ تُفْرِشُ لِلرُّوحِ سَهْلًا مِنَ الطُّمَأْنينَةِ، أَوْ تُشْعِلُ فيها أَسْئِلَةً تَبْقَى مُعَلَّقَةً كَالنُّجومِ.
أَلْوانُها مَواسِمُ لِلْمَعْنى. السَّوادُ يَجْمَعُ عُمْقَ اللَّيْلِ وَوَقارَهُ، وَالبُنِّيُّ يَحْتَفِظُ بِدِفْءِ التُّرابِ وَأُلْفَةِ البُيُوتِ، وَالعَسَلِيُّ يَنْثُرُ رَقَّةَ الضَّوْءِ عَلى حُقولِ القَمْحِ، وَالأَخْضَرُ يَحْمِلُ نَبْضَ الرَّبيعِ وَوَعْدَ النَّماءِ، وَالأَزْرَقُ يَفْتَحُ نَوافِذَ البَحْرِ وَالسَّماءِ في آنٍ. ثُمَّ تَأْتي اللَّمْعَةُ؛ تِلْكَ الشُّعْلَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتي تُبَدِّلُ اللَّوْنَ مِنْ مادَّةٍ تُرى إِلى حالَةٍ تُعاشُ.
لِلنَّظَراتِ مَواقيتُها. نَظْرَةٌ تَفْتَحُ في الصَّدْرِ حَديقَةً، وَأُخْرى تُوقِظُ في الأَعْماقِ غابَةً مِنَ التَّوَجُّسِ. نَظْرَةٌ تُصافِحُ، وَنَظْرَةٌ تُعانِقُ، وَنَظْرَةٌ تُعَلِّقُ في الهَواءِ سُؤالًا يَسْتَغْرِقُ العُمْرَ كُلَّهُ لِيَبْحَثَ عَنْ جَوابِهِ. وَهُناكَ نَظَراتٌ تَسْتَحيلُ مَرايا، يَرَى الإِنْسانُ فيها نَفْسَهُ كَما يَحْلُمُ أَنْ يَكونَ، أَوْ كَما خَشِيَ أَنْ يَصيرَ.
وَالعَيْنانِ هُوِيَّةُ صاحِبِهِما، وَخَتْمُ رُوحِهِ الَّذي يَصْعُبُ تَقْليدُهُ. كُلُّ بُؤْبُؤٍ يَحْمِلُ تَوْقيعًا داخِلِيًّا، وَكُلُّ لَمْعَةٍ تُفْصِحُ عَنْ تَرْتيبِ القِيَمِ في الأَعْماقِ. هُناكَ عُيونٌ تفرِشُ الطُّمَأْنينَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَكَ صَوْتُ صاحِبِها، فَتَشْعُرُ بِأَنَّ الرُّوحَ تَجِدُ مَقْعَدَها الطَّبيعيَّ في حُضورِها، وَيَصيرُ الائْتِمانُ عَلَيْها شَبِيهًا بِشُرْبِ الماءِ مِنْ يَنْبوعٍ يَعْرِفُ طَعْمَ النَّقاءِ. وَهُناكَ عُيونٌ تُقيمُ حَوْلَها هالَةً مِنَ الاِلْتِباسِ، تَتَوارى في أَعْماقِها المَقاصِدُ كَما يَتَوارى النَّصْلُ في غِمْدٍ مُذَهَّبٍ، فَيُصْبِحُ الحَدْسُ قارِئًا لِما يَتَسَرَّبُ بَيْنَ الأَجْفانِ، وَتُصْبِحُ الرُّوحُ أَشَدَّ إِصْغاءً مِنَ السَّمْعِ، وَأَبْصَرَ مِنَ البَصَرِ. فَهَلِ العَيْنانِ مِرْآةُ القَلْبِ؟ أَمِ القَلْبُ يَخْتارُ لِنَفْسِهِ مِرْآتَهُ؟ وَهَلْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَبايا النُّفوسِ عَصِيًّا عَلَى نُورِ العَيْنَيْنِ؟
مَا الَّذي يَسْكُنُ خَلْفَ هذَيْنِ البُؤْبُؤَيْنِ؟ أَمَدِينَةٌ مِنَ الذِّكْرَياتِ؟ أَمْ مَكْتَبَةٌ تَحْفَظُ أَصْواتَ الأَيّامِ وَرَوائِحَها وَأَلْوانَها؟ أَمْ مِرْآةٌ تَتَأَمَّلُ الكَوْنَ وَتُعيدُ تَشْكيلَهُ في صُورَةٍ أَكْثَرَ حَنانًا وَأَعْمَقَ رُؤْيَةً؟ وَكَيْفَ تَتَّسِعُ هٰذِهِ الدَّائِرَةُ الصَّغِيرَةُ لِكُلِّ هٰذا الفَيْضِ مِنَ الأَحْلامِ وَالذِّكْرَياتِ وَالأَسْرارِ؟ يا لِهٰذِهِ المُفارَقَةِ الَّتي تَجْعَلُ أَصْغَرَ نافِذَةٍ في الجَسَدِ أَوْسَعَ مَنافِذِ الوُجودِ!
وَلِكُلِّ شَعبٍ مَعَ العُيونِ حِكايةٌ وَرَمْزٌ. تَرْفَعُها حَضاراتٌ إِلى مَقامِ البَصيرَةِ وَالحِراسَةِ، وَتُحيلُها أُخْرى لُغَةً لِلْعِشْقِ وَالإِلْهامِ، وَتُزَيِّنُها الفُنُونُ بِالكُحْلِ وَالزَّخارِفِ وَالأَلْوانِ؛ لِأَنَّ الإِنْسانَ، مُنْذُ بَدْءِ الحِكايةِ، كانَ يَعْرِفُ أَنَّ الجَمالَ يَسْكُنُ أَوَّلًا في النَّظْرَةِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْها إِلى الوَجْهِ، وَمِنَ الوَجْهِ إِلى العالَمِ.
العُيونُ حاسَّةٌ تُبْصِرُ، وَحاسَّةٌ تُنْصِتُ، وَحاسَّةٌ تَلْمَسُ بِالرُّؤْيَةِ، وَتَتَذَوَّقُ مَذاقَ الأَرْواحِ، وَتَشُمُّ عِطْرَ النَّوايا. يَتَجاوَرُ فيها الضَّوْءُ وَالصَّوْتُ، وَيَتَعانَقُ اللَّوْنُ وَالإِحْساسُ، حَتّى يَغْدو البَصَرُ بَصيرَةً، وَتَصيرُ الرُّؤْيَةُ مَسْؤولِيَّةً أَخْلاقِيَّةً قَبْلَ أَنْ تَكونَ فِعْلًا حِسِّيًّا.
تَبْقَى العُيونُ خُلاصَةَ النَّفْسِ بِاللَّا مُقالِ؛ أَوْضَحَ النُّصوصِ حِينَ تَصْمُتُ اللُّغَةُ، وَأَعْمَقَ القَصائِدِ حِينَ يَضيقُ الكَلامُ عَنْ حَمْلِ مَعانيها. وَبَيْنَ بُؤْبُؤٍ يَحْمِلُ فَجْرًا، وَبُؤْبُؤٍ يُخَبِّئُ غابَةً مِنَ الأَلْغازِ، يَمْضي الإِنْسانُ في رِحْلَتِهِ الكُبْرى، يَقْرَأُ الوُجوهَ كَما يَقْرَأُ الكُتُبَ، وَيَكْتَشِفُ أَنَّ أَعْظَمَ النُّصوصِ لَمْ تُكْتَبْ بِالحُروفِ، بَلْ أُودِعَتْ في نَظْرَةٍ واحِدَةٍ، تَسَعُ قَلْبًا، وَعُمْرًا، وَعالَمًا بِأَسْرِهِ، وَتُفْصِحُ، بِضَوْئِها الصَّامِتِ، عَمَّا يَبْقَى أَبَدًا أَبْعَدَ مِنْ كُلِّ كَلامٍ.
وأنا في محراب العيون، أقف خاشعًا، أقرأ النظرات كتلاوة صلاة، وأُحصي حقولَ معاجمِها، وأسكبُ كلَّ معانيها في كؤوسِ اللّا مُقال.

جميل معلّم
بعقلين / الشّوف
الأحد ٢٨ حزيران ٢٠٢٦

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

اترك تعليقاً