مقدمة لرواية رائحة النار -بقلم جبرا ابراهيم جبرا

رواية رائحة النار
أنور الخطيب

تقديــــــم:
بقلم: جبرا ابراهيم جبرا

في الرعب المتصاعد من هذه الرواية، المفاجئة بجدتها وقوتها، تتمثل تجربة الفلسطيني مع مئة سنة من الهجمة الصهيونية، حيث يقابل الخير الشر على نحو يقارب الأسطوري، محتوى وتركيباً.
مع القرية واطفالها وحجارتها نحن في جو من الشعر والطيبة والحب، فاذا دخلنا ” الكيبوتز” المواجهة لها، اختنق الجو برائحة الكراهية والقتل والدم.

هناك صراع مستمر بين براءة الطفل وجماله وسطوته السحرية ، التي يجسدها ” عارف الصغير ” ، هذا العفريت البديع والملاك المنقذ ، وبين القسوة والقبح والشناعة النفسية والبدنية ، التي يجسدها الحاخام الصهيوني حاييم ، وهو يخطط للمزيد من القبح والقسوة.

أنور الخطيب روائي جديد مهم ، يقحمنا ببراعته في عالم حاييم ومريديه الذين يقيمون طقوسهم على اللحم البشري ، وتفوح منهم رائحة الأضاحي والقرابين المذبوحة ، حيث يجب أن يكون الدم آدميا ، عربيا . ومن بين هذه القرابين الطفلة ، تلميذة المدرسة “لينا النابلسي” التي ينهش جسدها الطري ، ولكنه ينمو في تراب القرية ورودا كبيرة ، تزهر كل صباح بورود أخرى يتضاعف عطرها.
وفي الوقت نفسه، يأخذنا المؤلف بفتنة ” عارف الصغير ” ، هذا الطفل العجائبي الذي ابتدعته روحاً للقرية لا تطاله يد ، ولا تنضب حكاياته ، ويعرف السر في توالد الحياة من ديمومة الصخر حتى يسقط أخيراّ سور “الكيبوتز” إزاء حجارة القرية وزجاجاتها الحارقة.
رائحة النار- هي الرواية الثالثة التي يكتبها أنور الخطيب بمزيج من الغضب الحارق والحب العميق ، بأسلوب غرائبي لا أجد له مثيلاً في كل ما قرأت من روايات عربية حتى اليوم . كتابته مكتظة بالشفقة والسخط ، يستخلص بها من الأحداث اليومية رموزا عنيفة الوقع ، بعضها للدهشة والطيبة ، وبعضها للاستفزاز والزعزعة ، مؤكدا في كل الأحوال على مخيلة تغني الحياة بشخوصها ، وتزيد من صلابة الارادة في النفاذ الى المستقبل ، حيث الأرض الفلسطينية ” تنبت أطفالا لا يخافون الموت ، يظهرون كالرعد ويختفون كالبرق “.

جبرا ابراهيم جبرا
5-11-1989

اترك تعليقاً