الوعي… تهمةٌ لا تُغتفر
علاء العلاف
في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُحسَب والكتاب يُراقَب والفكر يُصادَر، كان نجيب سرور يمثّل لي المعنى العميق للإنسانيّ لم يكن شاعرًا أو كاتبًا مسرحيًا فحسب، بل إنسانًا يكتب من جوف الألم ويصرخ في وجه الزّيف، رغم ما تعرّض له من هزّات عائلية وانكسارات نفسيّة دفعته إلى حافة التّدهور، ورغم السّجن، ظلّ يحمل في صوته صدقًا لا يُزيفه الزّمن، كان لديوانه الشّعري مكانة خاصة في قلبي، أعود إليه كلما ضاقت بي الحياة، قصيدته الشهيرة “النوكا” بقيت ترنّ في أذنيّ كأغنية احتجاج، كأنها مكتوبة لأجلنا نحن، ولأجل هذا الوطن المُغترب في ذاته: نوكا… نوكا… لتُباع النوكا، النوكا يا ولدي، من كان غيرك ليأكلها؟ لولا مهزلةٌ في بلدي! نوكا… نوكا.من كان غيرك ليأكلها، يا أطهرَ من أيّ نبيّ؟ كلماتٌ كهذه، كانت كافية ليُساء إليك، أن تُتّهم بأنك تجرُؤ على الفهم، وأنك تحمل في ذهنك أسئلة لا مكان لها في نظام لا يتحمّل السّؤال، في ذلك الزمن، كنت معلّمًا للتّعبئة والتدريب على السلاح في معسكر ديالى، قبل أن تُنهى خدماتي وتتمّ إعادتي إلى معسكر تكريت، كنت أحمل معي بعض الكتب: “المعذبون في الأرض” لطه حسين، وكتابه الآخر عن معاركه الفكرية، وديوان نجيب سرور الذي كنت أضعه تحت وسادتي. لم تكن هذه الكتب مجرّد أوراق… كانت آخر ما تبقّى لي من عالم يليق بالإنسان… لكن الكتب كانت كافية لتثير الرّيبة. استدعاني أعوان التوجيه السياسي، سألوني عن محتواها ثم صادروا كل شيء، لم أكن غريبًا عن هذا، فقد كانوا حتى أيام الدراسة يسألونني: “من كان يمشي معك؟ من هم أصدقاؤك؟” كأن مجرد الوعي جريمة تستحقّ العقوبة، اعتُقلت لاحقًا، وهناك، التقيت بمن هم أعمق وعيًا وأكثر صدقًا، كان معنا أطباء ومهندسون وأساتذة، وحتى علماء في الذرّة، من بينهم الدكتور مجيد، الذي كانت عيادته مقابل منطقة “براثا”، وهناك أيضًا تعرفت إلى صديقي العزيز شكيب… كان شكيب نقيًّا ومبتسمًا، يحمل في روحه صفاءً لا يشبه هذا العالم، كان يعيش مع والده في ألمانيا، أمّا والدته فكانت مديرة مدرسة في حيّ المنصور ببغداد، جاء إلى العراق زيارةً لوالدته، واندلعت الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وأُغلقت الحدود، فوجد نفسه فجأة، في دوامة لم يخترها، ولم تكن تشبه حياته، أصبحنا قريبيْن، نلتقي كل صباح على الإفطار، كان يجد راحة في الحديث معي، يحدثني عن والده الذي كان وكيلاً عامًا لقطع غيار سيارات المرسيدس، وعن طموحه في العودة إلى ألمانيا، كنت أبادله الحديث عن كتبي ودراستي وأحلامي المؤجلة، لكن الحلم لم يدم طويلًا، ففي أحد الأيام، نُودي على مجموعة من الأسماء… وكان شكيب من بينهم، علمت لاحقًا أنه نُقل إلى سجن أبو غريب، ثم إلى “نكرة السلمان”، مع مجموعة من الشباب، أغلبهم في عمر الزهور، تُهمتهم؟ “امتلاك وعي”. هكذا ببساطة… صار الوعي تهمة، كنت على وشك أن أكون معهم، كان اسمي في القائمة، لكنّ في اللحظة الأخيرة، تقرّر التّريّث، وبعد فترة صدر قرار بالإفراج عنّي، لأنهم لم يجدوا شيئًا “ضدّي”. كل ما كنت أملكه… كان عقلًا وفكرًا وبعض الكتب… خرجت من المعتقل تائهًا، لا أعرف الطريق. وصلت إلى أهلي، وإذا بفاجعة تنتظرني: “بيبيتي” ماتت… كانت بمثابة أمي الثانية. رحلت دون أن أودعها، دون أن أعانقها أو أخبرها أنني عدت، أما شكيب، فلم أره بعد ذلك أبدًا، سمعت فقط أنه بقي في “نكرة السلمان”، ولم يعرف أحدٌ مصيره، ما زلت أذكر ضحكته وصوته وسؤاله الدائم عن دراستي، ما زلت أذكر كيف كان يحلم، أكثر مما يحتمل هذا الوطن من أحلام، لم نكن ندرك أنّنا دخلنا معركة لا تشبهنا، وأننا نحاسَب لا على ما فعلناه، بل على ما سنكون… من أين جئنا وماذا نقرأ ومن نحب وماذا نكتب، لقد علّمونا أن نُخفي أفكارنا، أن نخجل من وعينا ونُدفنَ أحياء لأننا نحب الكلمة… لكنني لم أندم… ربما كانت الحياة صراعا، لكنها ذاكرة أيضًا، وفي ذاكرتي، سيبقى شكيب حيًّا وضاحكًا كما كان دائمًا، قبل أن يغتاله الزّمن.


