(1)
(ليتني أحظى بفتاة مثل روز، ترى أبعد من جلد الإنسان..تراني!)
- ماذا تنشدُ من حضورك إلى هذا البيت ذي الإضاءة الزرقاء الخافتة يا سيدي؟
- أنشدُ سماعَ صوتِ أناملِ امرأةٍ على جسدي، شرط ألاّ أذوب فيها ولا تذوب فيّ، فالذوبان يكون في الأنثى المثال فقط، وقبلها وبعدها وخلالها، الذوبان في الآخر الذي ذاب في الآنا فصرنا واحدًا..
- لم أفهمك ولن أفعل وإن كرّرت ما قلت، ولكن يهمّني معرفة كيف اهتديت إلينا يا سيدي؟
- يبدو أن صوتًا مغايرًا لنوعي احتلّني، وقال لي أن أذهب إليّ، ولا أدري إن كان حضوري هنا يندرج في إطار البحث عنّي، أعني عن اسمي الذي يثقلني فأبدو جبلاً ويشفّني فأغدو خيالاً أو ظلّا، صحيح أنني لست كهلا ولم أدخل سنّ الحكمة ولم أبلغ أشدّي بعد، إلا أنني أحاول أن أكون اسمي الذي اختاره أبي. لا أدري إن كنتِ قد فهمت بعضًا من قولي، أم أنك تبتسمين كالبلهاء فقط.
- لم أفهمك سيدي، حديثك يشبه الطلاسم سيدي، لكن واصل، بدأت أقف على حافة البركة..
- شكرًا، أما بلغة الجسد، اللغة الأرضية والطينية، وهذا ربما ما تجيدينه، فقد كنتُ عائدًا من عملي السخيف مُثقل الرأس مرتبك المشاعر، حين اصطدَمتْ عيناي ببطاقةٍ ملقاةٍ على الرصيف، هل تعلمين معنى الرصيف ومآلاته؟
- كلّا سيدتي، لكن بدأت أدرك أمرًا ما؟
- الرصيف ليس للحفاة إنما لناشدي السكينة، هو درب ثانوي للوصول إلى المبتغى لكنه لا يوصل إلى هدف. بكل بساطة أو سذاجة، تعاطفتُ مع المرأة ساكنة البطاقةِ، وإن كانت على غير ما تبدو، وحزنتُ من آثار الأحذية على وجه حسناء شبه عاريةٍ لا تشبهك، وتحتها كلمة تحتها عبارة، أربكتاني واختبَرتا جهلي؛ (“مساج”، لدينا فتيات من مختلف القارات). تجاوزت انهماكي بأصحاب تلك الأحذية اللامبالين فاقدي الأحاسيس، لم أنشغل بهم وبأفكارهم وأحاسيسهم وأمزجتهم، أكانوا غاضبين أم كارهين أم حاقدين أم متهكّمين أم ثائرين أم لاعنين، أو ربما غير متعمّدين. لقد علّمني والدي ألاّ أدوس شيئًا أو كائنًا لأنني لست أعلى منه درجة في الخلق أو الكينونة.
- والدي أيضًا علّمني ذلك..
- هل علّمكِ والدك أن على كل الأحذية الاعتذار لكل حبّة رمل أو تراب أو عشبة أو نملة..
- هل أنت بوذي سيّدي؟
- إنها الأحذية الحيّة صاحبة القلوب البيضاء. تجاوزت ذاك لأدنو أو لأغرق في أمر أكثر رفعة، فأنا أعلم معنى كلمة “مساج”، هو تدليك الجسد بالزيت أو بغيره، بهدف تحقيق الاسترخاء والتمدّد للأعضاء المتصلّبة أو المنكمشة، لكن استوقتني تلك العبارة الجارحة للوهلة الأولى، فتيات من مختلف القارات، وهي عبارة، كما تلحظين، فيها استدراج وإغواء واستدعاء للمخيّلة، على العموم، تجاوزت للمرة الثانية جشع الشهوة ولم أنج من لغة الجسد، فقد سوّلت لي نفسي بأن أحطّ رحالي لساعةٍ أو اثنتين في عنوان البطاقة، أتخفّف فيهما من ظلّي الذي يثقل، ويتعاظم قلقه يوماً بعد يوم، علّه إذا ذهبتُ إلى ضوء خافت يتوقّف عن ملاحقتي مؤقتًا، أو يشمس إلى الأبد، فأنسى كلّيًا قضايا البشر ومشاكلهم، إذ خُيّلَ إليّ، أنهم يفتعلون القضايا ليثبتوا أهمية وجودهم لأنفسهم، وأنهم أحياء وأقوياء. لا تقطّبي حاجبيك سيدتي، لست محاميًا ولا قاضيًا ولا سياسيًا ولا صحفيًا، أنا غريبٌ فقط، عن المكان والزمان ونفسي، والآن صرت غريبً عنك، فكلما اقتربت من أحدٍ اكتشفت نأيي، وحرصت على تذكيري بوضعي وحالتي وهويتي، فمن ينسى غربته يُصاب بهوس المواطنة والوجود، وأحيانًا تقمّص وقلّد الآخرين، فيلج مغامرات غير مأمونة العواقب، ويصبح وقحًا. وأنا ما نسيت غربتي..
- وأنا أيضًاـ أنت تثير فيّ البكاء سيّدي..
- هل تشعرين بانسجام تام مع نفسك كما أفعل أنا؟ إضافة إلى ذلك، أشعر براحة ضمير لا تتمتّع بها سوى العصافير، العصافير فقط أيتها الجميلة لا تشعر بالغربة، كل الأشجار أوطانها. أنا الآن، وبعد المسافات التي قطعتُ، صرتُ أرى الله في المسافة، بما أنني كُلّفت بالبحث عن الله، لكن المسافة لا تكفي، وغربتي عنك مجرد البداية، ما أعرفه الآن أن المسافة، في هذه اللحظة، تفصل رغبتي عن شهيّتي عن كينونتي..
- حالتك معقّدة وفي حاجةٍ إلى تركيزٍ يا سيّدي، أنا لا أجيد لغتك، لكنني فهمت معناك، سأقاوم تعاطفي معك تنفيذًا لتعليمات صاحب المكان، فهو ينصحنا دائمًا بالفصل بين الجسد والروح…
- هل هو كائن حي من ينادي بالفصل؟؟ وكيف يجرؤ على فصل الجسد عن الروح خلال طقس جميل وبحضور امرأة ناعمة؟ ألم يشعر للحظة واحدة أن العاملات سيتعاملن مع جثث لو فعلن ذلك وفصلن بين المادتين؟ إنه يمتلك نصيبًا وافرًا من الوقاحة جعلته ينصّب نفسه مرجعًا ويفتي في مجال قد لا يعرف منه سوى قشوره، أعلم قد يتمتّع بنيّة حسنة ومهنيّة تهدف إلى تعطيل الشهوة عند العاملة والزبون، لكنه بذلك يميت ولا يعطّل، هل صاحب المكان إنسان آلي؟ كيف ستفصلين بين الجسد والروح؟ إنه الموت يا جميلتي، أو العدم، لا أتخيّل ذلك..
- أعلم، إنها نصيحة غير صحيحة في علم الطاقة، زميلاتي يمارسن القسوة على أنفسهن بين الفينة والأخرى، ينفّذن التعليمات بدقّة تؤذي الزبائن أحيانًا، وتؤذيهنّ، أما أنا فلا أستطيع، أو بشكلٍ أدق لا أعرف، يرهقني هذا العمل الذي يجعلني تلقائيًا، أتسلّل من الجسد إلى النفس، إلا أنه يريح ضميري. بالنسبة لك يا سيدي، أعتقد أنني، وبعد إدراكي لمعناك، ستجعلني، إن بدأت في تدليكك، أتصبّب عرقًا سيقطر على مفاصلك، فتنهض من ميتتك الصغرى، وقد تشتمني، فلا تلمْني إن كنتُ سأفسدُ عليك غيابك، وأنت الذي أتيت لتخفّف من ثِقَلِ ظلّك، والاستسلام والاسترخاء، ففي رأسك قضايا مُعقّدة لم تُحَلْ بعد، لهذا سأطردُ أصحاب المعاملات، وأنظّف وجدانَك قبل دماغك، بعدها أتفرّغ لك…
- كيف عرفتِ مهنتي؟
- إخلع ملابسك يا سيدي، من يحضر هنا، عليه ترْكَ كلّ ما يلامس جلده في الخارج، وإلا، سيتحمل مصاريف كل الذين يسكنونه..
- لا يسكنني أحد أيتها الجميلة..
- أنت مخطئ يا سيدي، أنت قلت قبل قليل أنك تبحث عن الله، نحن مسكونون بالعالم والقدير..
لم أنشغل بردّها المفتوح على الاحتمالات، بالمسكونين والقدير، وتجاوزت قصة صاحب المكان الذي يتجرّأ فيصدر التعليمات بالفصل بين الجسد والروح، ورغم ذاك، تركت الفتاة انطباعًا مشوّشًا لديّ، فاكتفيتُ في تلك المرحلة بالانشغال بها؛ كانت صبية، يزهر ثلاثون ربيعًا في غمازتيها وبستانها، قصيرة بما يكفي لتتسلّق عمودي الفقري وكتفيّ برشاقة غزالة. لم توجّه سؤالها باللغة العربية إنما أدركْتُه وجوابها، ولم تفهم ضادي، إنما لامسها معنى كلماتي التي قاربت الشعر والفسلفة، فتحقّق التواصل، يبدو أن العراة يوصّلون المعنى أسرع من المدّثرين. كنت متوسّط الطول ونحيلاً بعض الشيء، لكنني استطلتُ حين تمدّدتُ، كفكرة الغواية، واختفى بطني فظهرتُ رشيقًا وطويلا.
استدرتُ بهدوء، حين تسلّلتْ حروفها إلى سمعي، مثبّتًا فوطةً على خصري لأستر عورتي. تأمّلت وجهها الباسم، كدتُ أنشد شعرًا، لولا موسيقى أناملها التي سَرَتْ في جسدي كالمخدّر، جعلتني أسترخي ثانيةً، وأستجيب لإشارتها بالعودة إلى حالتي السابقة، فالعراة أكثر الناس استجابة للأوامر.
- لا تحاول رؤية ذاتك يا سيدي كي لا تكرهها، مثلكَ لم يتصالح مع مادته بعد، ولا تتخيّلْني فتشعر بِثِقَل أناملي، واستسْلم لذاتك كأن أناملك هي من تتنزّه على جسدك…
لم أجبْها، تجنّبت التفكير في كيفية فهمي لعباراتها المعقّدة، وفهمها لكلامي، كانت تتحدث بلغتها الأصلية، وليست باللغة الإنجليزية التي كنت موقنً لمعرفتها بها. طردتُ احتمال تواطئي مع ذاتي، وترتيبي لذاك الحوار فور تمدّدي على فرشةِ حمراء رخيصة، ووسادةٍ ورديةٍ عليها آثار أنفاس مخلوقات غريبة، لأَدخل في طقس ممتع، لكنني لم أستطع تمرير جملة أن أتجنّب رؤية ذاتي كي لا أكرهها، إن كانت تقصد رؤية جسدي عاريًا فقط أخطأت، فكلما نظرت إلى جسدي أُعجب بي أكثر، أما ذاتي العميقة، فأنا أقدّسها وأسعى كي أتصالح معها مهما تعقّدت أو تشابكت الدروب المؤدية إليها. يبدو، عليّ أن أغضّ طرفي عن أمور كثيرة وأنا بين يدي سيدة الـ “مساج”.
- هل ترغب تدليكًا بالزيت أم ستكتفي بطاقةِ كفّيَّ الدافئتين؟
- لم أجرّب هذا ولا ذاك، إنما لا أحب احتكاك الجلد بالجلد، إن كان الزيت ينجّيني من شرر اللحظة، فليكن بلا رائحة نفّاذة، وإن استطعتِ ملامستي بطاقتك، فإنك ستنفذين إلى قلبي، ويا ويحي بعدها…
أعادتني من ميتتي الصغرى بعد لحظات من مرور كفيها الناعمتين على فقرات ظهري السفلية حين سألتني عن اسمي، لم أدرِ إن كنتُ قد سمعت سؤالها أم أردتُ إبلاغها باسمي، فحرّكتُ رأسي من الجهة اليسرى إلى اليمنى، وقلت لاهثًا كمن يجري خلف فراشة الوهم: (إسمي محيي الدين…).
ظلّت صامتةً ساكنة، لم أعد أشعر بردفيها الرشيقين على فخذيّ المضمومين، لويت عنقي بصعوبة فشاهدت وجهها وقد تحوّل إلى ابتسامة أقرب إلى الضحك، عدت إلى وضعي، هززتُ رأسي حين سمعتها تلفظ اسمي تاركة فجوةً زمنيةً بين الكلمتين: (مهيي ألدين؟).
- نعم، هذا هو اسمي..
أدركتُ أن الحوار السابق كان بين شخصين غريبين، أو بيني وبين نفسي، وعليّ منذ اللحظة فصاعدًا أن أفهم لغة أصابعها وأبجدية زيتها، وأترك الموسيقى الناعمة المنبعثة من زوايا الغرفة كلّها تسري في دمي، فقرّّرت الصمت، وأن أكون طيّعًا بين يديها، ومطيعًا لأوامرها. تململت قبل تنفيذ قراري فتعطلت لغة كفّيها، سألتها كأنّني أتحدث من تحت الركام: (ما هو اسمك؟).
- روز ..
لبّيت نداء جسدي المرهق جراء يومٍ كاملٍ من تدوين القصص والقضايا والرسائل في مكتب صغير للطباعة، فانتظم تنفسّي وخَلُدت للنوم. استيقظت بعد ساعة ونصف، لأجد روز راكعةً عند قدميّ، تتأمل سباتي، فوجّهت إليها نظرات بلا معنى، أَعْلمتني بانحناءة صغيرة بانتهاء وقتي، قالتها بإيماءة حزينة كأن زمني انتهي في الحياة، وحان وقت الوداع، فحزنت، لا أحب الوداع ولا لحظات الفراق ولا الجنازات، أفضّل الاختفاء بدهشة البرق، من دون مقدّمات أو متتاليات ولا تداعيات، ككاتب وضع النقطة الأخيرة للرواية، مع قرار نهائي أن لا عودة لإعادة التنقيح. في تلك اللحظة من الوداع، طرحتُ على بقائي فكرة مجنونة، ماذا لو أُتيح لنا إعادة تنقيح حياتنا؟ لم ترِد فكرة أخرى ..
