أيّة دولة يريد اللبنانيّون؟
والسؤال ليس: هل يريد اللبنانيون دولة؟
طبعًا يريدونها.
كلّهم يريدون الدولة، حتّى ليخيّل إليك أنّ لبنان هو البلد الوحيد الذي يسكنه أربعة ملايين من بناة الدول.
المشكلة الصغيرة فقط أنّ كلّ لبنانيٍّ يريد دولته هو.
دولةً على قياس ذاكرته، وطائفته، وخوفه، وتاريخه، وجغرافيّته، وحليفه الخارجيّ، وعدوّه الخارجيّ، وتعريفه الخاصّ للشرق والغرب والعروبة والحياد والمقاومة والسيادة.
أي أنّ اللّبنانيين متّفقون تمامًا على ضرورة بناء الدولة، ومختلفون تمامًا على كلّ شيءٍ ينبغي أن تكونه هذه الدولة.
وهنا تبدأ الكوميديا.
إرنست رينان قال إنّ وجود الأمّة استفتاءٌ يوميٌّ. ولو طُبّقت العبارة حرفيًّا في لبنان، لاحتجنا إلى صندوق اقتراعٍ كلّ صباح.
هل نحن أمّةٌ اليوم؟
ربما.
وغدًا؟
ننتظر موقف الكتل النيابيّة.
وبعد غدٍ؟
يتوقّف الأمر على ما حدث في المنطقة خلال الليل.
ذلك أنّ رينان لم يجعل الأمّة عِرقًا ولا لغةً ولا دينًا، جعلها إرادةً في استمرار الحياة المشتركة. والمأزق اللبناني هنا بالتّحديد: لدينا حياةٌ مشتركةٌ، ولكنّنا ما زلنا نتفاوض على الإرادة المشتركة.
نعيش في المنزل نفسه، ولكنّنا لم نتّفق بعد هل هو منزلٌ نهائيٌّ أم غرفة انتظارٍ تاريخيّة.
───
نيقولا مكيافيلّلي كان أكثر قسوةً وأقلّ رومانسيةً. قال إنّ الأسس الكبرى لكلّ دولةٍ “هي القوانين الجيّدة والأسلحة الجيدة
وفي لبنان لدينا ولعٌ استثنائيٌّ بالاثنين.
نقدّس القانون ثم نبحث عمّن يستطيع تعطيله.
ونقدّس القوة ثم نختلف على وظيفتها.
ونرفع السيادة إلى مرتبة العقيدة، ثم يبدأ الشجار حول تعريف السيادة قبل أن يجفّ حبر البيان.
ومع ذلك، ينبغي ألّا يقع المرء في السذاجة المقابلة: فالدولة
التي تُحتلّ أرضها ثم يُطلب من أهلها أن يتعاملوا مع الاحتلال كما لو كان مخالفة سيرٍ ليست دولةً ذات سيادة.
فرانتز فانون عرف الاستعمار من تجربة الجزائر، لا من صالونات التنظير رفض فكرة القفز فوق المرحلة الوطنيّة، وربط التحرّر بتكوّن الوعي الوطنيّ. وكان يرى أنّ الهيمنة الاستعماريّة تعمل أصلًا على نفي الواقع الوطنيّ للشعب الواقع تحتها.
لذلك فإنّ مقاومة الاحتلال لا تناقض فكرة الدولة بالضرورة.
قد تكون، في لحظة الاحتلال، دفاعًا عن الشرط الأول لوجودها: الأرض الحرّة.
لكنّ السؤال الأصعب يبدأ في اليوم التالي:
حرّرنا الأرض، فماذا سنبني فوقها؟
هنا لا تنفع البندقيّة وحدها، ولا القصيدة، ولا الخطبة، ولا صورة الشهيد، ولا بيان السفارة.
هنا تبدأ السياسة.
وكلاوزفيتز، الجنرال الذي فهم الحرب أكثر من كثيرٍ من السياسيّين الذين يخوضونها، قال إنّ الحرب ليست ظاهرةً مستقلّةً، بل استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى.
أي أنّ المقاومة نفسها، لكي تتحوّل من ضرورة التحرير إلى مشروع وطن، تحتاج إلى جوابٍ سياسيٍّ عن سؤال الغد.
وهذا هو السؤال الذي نتقنه في لبنان أقلّ من إتقاننا أسئلة الأمس.
───
نحن نعرف جيّدًا مَن احتلّنا.
ونعرف مَن قصفنا.
ونعرف مَن خاننا.
ونعرف مَن تآمر علينا.
ونعرف أسماء الحروب والمعارك والشهداء والاتفاقات والمؤامرات.
لكن اسألوا اللبنانيين سؤالًا أبسط:
أيّة دولةٍ تريدون بعد كلّ ذلك؟
فتبدأ حرب الثلاثين عامًا في ثلاثين ثانية.
دولةٌ علمانيّة؟
انتظر قليلًا.
دولةٌ مدنيّة؟
طبعًا، ولكن ماذا عن حصّتنا؟
إلغاء الطائفيّة؟
فكرةٌ رائعةٌ، ولكن ليس الآن.
متى؟
بعد أن نطمئنّ.
ومتى نطمئنّ؟
عندما يطمئنّ الآخرون.
ومتى يطمئنّ الآخرون؟
بعد أن نطمئنّ نحن.
وهكذا يمكن للبنان أن يدخل القرن الثاني والعشرين بينما لجنة الاطمئنان الوطنيّ لا تزال تبحث في جدول الأعمال.
───
هنا يصبح فرانتز فانون مرعبًا في راهنيّته.
فقد حذّر من أنّ البرجوازية الوطنية في الدول الخارجة من الاستعمار قد تعجز عن بناء الأمة لأنها تنشغل بدور الوسيط وبمصالحها المباشرة، بدل أن تنتج مشروعًا وطنيًا جامعًا. زد على ذلك أنّه وصفها، في نقده الأشهر، بأنّها قد تصبح طبقةً بلا مشروع إنتاجٍ أو ابتكارٍ حقيقيٍّ، منشغلةً بموقعها داخل النظام أكثر من انشغالها ببناء الوطن.
اقرأ فانون، ثم انظر إلى لبنان.
لا تحتاج إلى ترجمة.
لدينا طبقةٌ سياسيةٌ تتحدث عن “حقوق الطوائف” ببراعةٍ تفوق حديثها عن حقوق المواطن.
كلّ طائفةٍ مظلومة.
كلّ زعيمٍ مستهدف.
كلّ حزبٍ ضحيّة.
كلّ جماعةٍ تخشى على وجودها.
ويبقى المخلوق الوحيد الذي لا نجد له محاميًا في هذه الجمهورية هو:
المواطن.
───
والأطرف أنّ اللبنانيّين لا يختلفون فقط على الدولة.
يختلفون على التاريخ الذي ينبغي أن ترويه الدولة عن نفسها.
هناك من يبدأ تاريخ لبنان من الفينيقيين.
وآخر يبدأه من الفتح العربي.
وثالث من جبل لبنان.
ورابع من الانتداب.
وخامس من الاستقلال.
وسادس من المقاومة.
ولو تركنا الأمر للمتحمّسين قليلًا، لاكتشفنا أنّ آدم نفسه كان لبنانيًّا وأنّ سفينة نوح رست في جونية.
نحن لا نكتب التاريخ لكي نفهم كيف وصلنا إلى الحاضر.
نكتب التاريخ لكي نربح الحاضر بأثرٍ رجعيٍّ.
ولهذا يصبح الماضي في لبنان أخطر من المستقبل.
───
كان رينان أكثر حكمةً منّا حين جعل الأمٌة قائمةً على إرادة العيش معًا وعلى ميراثٍ مشتركٍ من الذكريات والتضحيات. بل رأى أنّ الآلام المشتركة توحّد أكثر مما تفعل الانتصارات.
وهنا المفارقة اللبنانية الفادحة:
قليلٌ من الشعوب تألّم معًا كما تألّم اللبنانيون، لكن حتّى الألم لم نستطع تأميمه.
لدينا شهداؤنا وشهداؤكم.
مجازرنا ومجازركم.
مفقودونا ومفقودوكم.
ذاكرتنا وذاكرتكم.
حتّى الموت الذي يساوي البشر في كلّ مكان، اضطر في لبنان إلى الانتساب إلى طائفة.
───
ثم تأتي السيادة.
آه، السيادة!
أجمل الكلمات اللبنانية وأكثرها سوء استعمالٍ.
السيادة عندنا تشبه جهاز التحكّم بالتلفزيون: كلّ فريقٍ يريدها في يده.
نتذكّرها عندما يتدخّل خصم حليفنا.
ونضعها في الدرج عندما يتدخّل حليفنا.
نستنفر إذا صدر تصريحٌ من عاصمةٍ لا نحبّها، ثم نحتفل بالتصريح نفسه إذا جاء من عاصمةٍ نحبها.
المشكلة، إذًا، ليست أنّ الخارج يتدخّل فقط.
المشكلة أنّ في الداخل دائمًا من يفتح له الباب.
وقد حذّر جورج واشنطن، في خطاب الوداع، من خطورة النفوذ الأجنبيّ في الصراعات الداخلية، لأنّ المجتمعات المنقسمة تجعل نفسها أكثر قابليّةً لأن تتحوّل الخصومات الخارجية إلى أدواتٍ داخلية.
ولو زار لبنان، لأدرك أننا لم نكتفِ بفتح الباب.
لقد وضعنا للخارج مفتاحًا احتياطيًّا تحت السجادة.
───
ولننظر إلى تجربةٍ مختلفةٍ تمامًا.
عندما قامت سنغافورة، كانت مجتمعًا متعدّد الأعراق واللغات والأديان، وكانت الانقسامات بينها حقيقيّةً لا فولكلوريّةً. ولكنّ “لي كوان يو” أعلن منذ البداية: “هذه ليست دولةً للملايو، ولا للصينيّين، ولا للهنود… الجميع له مكانٌ فيها”.
ليست العبرة في استنساخ سنغافورة؛فالتاريخ والجغرافيا مختلفان تمامًا.
العبرة في شيءٍ أبسط:
هم قرّروا ما هي الدولة أوّلًا، ثم اختلفوا داخلها.
أمّا نحن فقرّرنا أن نختلف أوّلًا، ثم تركنا تعريف الدولة للأجيال القادمة.
هناك بنوا التعدّد داخل الدولة.
وهنا بنينا الدولة داخل التعدّد.
والفرق بين العبارتين قد يكون تاريخ بلدٍ بأكمله.
───
حتى هانا آرنت، حين ميّزت بين القوة والعنف، قالت إنّهما ليسا شيئًا واحدًا، وإنّ العنف يستطيع تدمير القوة ولكنّه لا يستطيع
خلقها.وهذا درسٌ بالغ الأهمية لنا. فالقوة التي تحرّر الأرض شيءٌ، والقدرة على تأسيس دولةٍ يتوافق عليها الناس شيءٌ آخر.
يمكنك أن تهزم جيشًا.
لكن لا يمكنك بقذيفةٍ أن تصنع عقدًا اجتماعيًا.
يمكنك أن تطرد محتلًّا من الحدود.
لكن لا يمكنك أن تطرد الطائفيّة من النفوس بدبّابة.
يمكنك أن تنتصر في معركةٍ خلال أسابيع.
أما بناء “نحن” من جماعاتٍ تخشى بعضها بعضًا فقد يحتاج إلى أجيال.
وهذه ليست حجّةً ضدّ المقاومة.
ليست سوى حجّةٌ ضدّ الاعتقاد بأنّ التحرير وحده يكمل بناء الوطن.
التحرير يحمي الأرض.
والدولة تعطي الأرض معنىً سياسيًا دائمًا.
لذلك ليست مشكلة لبنان أنّ فيه طوائف.
سنغافورة متعدّدة.
وسويسرا متعدّدة.
والهند قارّةٌ من الأديان واللغات والهويّات.
المشكلة تبدأ حين تتحوّل الجماعة من مكوّنٍ في الدولة إلى وسيطٍ إلزاميٍّ بين المواطن والدولة.
أريد وظيفةً؟
من طائفتي.
أريد منصبًا؟
ما حصّة طائفتي؟
أريد قانونًا؟
ماذا تقول طائفتي؟
أريد انتخاب رئيس؟
أيّ طائفة؟
حتّى الجمهورية نفسها لا تستطيع أن تنادي أبناءها بأسمائهم.
عليها أولًا أن تسألهم عن مذاهبهم.
ثم نستغرب لماذا لم يولد المواطن.
───
نحن، باختصار، نريد دولةً قويّةً وضعيفةً في الوقت نفسه.
قويةً عندما تحمينا.
ضعيفةً عندما تحاسبنا.
قويةً على خصومنا.
متسامحةً مع جماعتنا.
نريد قضاءً مستقلًّا حتى يصل إلى بابنا.
وإدارةً حديثةً بشرط ألّا تمسّ زبائننا.
وجيشًا قويًّا.
واقتصادًا حرًّا.
ودعمًا حكوميًّا.
وضرائب منخفضةً.
وخدماتٍ إسكندنافيّةً.
وواجباتٍ شرق أوسطيّةً.
أي أنّنا نريد السويد، ولكن من دون الضرائب.
وسويسرا، ولكن من دون الحياد المتفّق عليه.
وفرنسا، ولكن من دون مركزيّة الدولة.
وأميركا، ولكن من دون أن يدفع أحدٌ ثمن شيء.
ونريد، فوق ذلك كلّه، أن تبقى زعاماتنا كما هي.
وهذه ليست نظريّةً سياسيّةً.
هذه قائمة أمنيات إلى بابا نويل.
───
المشكلة الأعمق، إذًا، ليست في أنّ اللبنانيين يكرهون لبنان.
على العكس.
ربما يحبونه أكثر ممّا ينبغي.
لكن كلّ جماعةٍ تحبّ لبنانًا مختلفًا.
واحدٌ يراه رسالةً.
آخر يراه قلعةً.
ثالث يراه جبهةً.
رابع يراه جسرًا.
خامس يريده محايدًا.
سادس يريده في قلب صراعات المنطقة.
وكلّ واحدٍ مستعدٌّ لأن يموت من أجل لبنان الذي في رأسه.
ولا أحد يسأل إن كان لبنان الموجود في رأس الآخر هو البلد نفسه.
───
وهنا نصل إلى السؤال الذي نخشى طرحه:
هل المشكلة في النظام، أم أنّ النظام ليس سوى المرآة؟
من السهل شتم الدستور.
وشتم السياسيين.
وشتم الطائفية.
وشتم الخارج.
لكن ماذا لو كان السياسيّ الطائفيّ ناجحًا تحديدًا لأنّ وراءه جمهورًا خائفًا يبحث عن زعيمٍ يحميه من جمهورٍ خائفٍ آخر؟
عندها لا يعود الزعيم وحده هو المرض.
يصبح أيضًا أحد أعراضه.
ولا تعود الثورة الحقيقية هي تبديل أسماء السياسيين، تصبح تبديل العلاقة بين الفرد والجماعة والدولة.
أي الانتقال من: “ماذا أخذت طائفتي”؟
إلى: “ما الذي حصل عليه المواطن”؟
وهي جملةٌ تبدو بسيطةً في الكتب، ولكنّها في لبنان تكاد تحتاج إلى انقلابٍ فلسفيٍّ كامل.
───
ولذلك قد يكون أذكى سؤالٍ نطرحه بعد مئة عامٍ من التجارب ليس: مَن منع قيام الدولة؟
علينا أن نسأل:
أيّة دولةٍ اتّفقنا أصلًا على إقامتها؟
دولة الجماعات؟
دولة المواطنين؟
دولة التسويات؟
دولة الرسالة؟
دولة المقاومة؟
دولة الحياد؟
دولة الشرق؟
دولة الغرب؟
أو دولةً لبنانيّةً لا تحتاج كلّ صباحٍ إلى تحديد موقعها على البوصلة قبل أن تعرف نفسها؟
هنا تكمن المأساة.
فالاحتلال يمكن أن تعرف حدوده.
تراه.
تقاومه.
وتعمل على إخراجه من أرضك.
أما الانقسام في تعريف الوطن نفسه، فليس له خط تماسٍّ واضح.
إنه يسكن داخل الدولة.
وأحيانًا داخل البيت.
وأحيانًا داخل الفرد نفسه.
───
لقد فهم فانون أنّ التحرّر الوطنيّ لا يكتمل بمجرد خروج المستعمِر؛ فإذا لم يتحوّل الاستقلال إلى وعيٍ وطنيٍّ واجتماعيٍّ ومشروعٍ للناس، يمكن للنخبة أن تفرغ النصر من مضمونه.
وهذه ربّما أهمّ خلاصةٍ للبنان:
نعم، قاوم مَن يحتلّ أرضك.
فالأرض التي لا تستطيع الدفاع عنها قد تصبح أرض الآخرين.
لكن بعد أن تقاوم، وبعد أن تحرّر، وبعد أن تنتصر، سيقف التاريخ أمامك بسؤالٍ أصعب من سؤال الحرب:
ماذا ستفعل بالأرض التي حرّرتها؟
هل ستقيم عليها دولةً لجميع أبنائها؟
أم ستوزّعها معنويًّا بينهم، لكلّ جماعةٍ جمهوريّةٌ صغيرةٌ داخل الجمهوريّة؟
هنا لا يعود العدوّ وراء الحدود.
يصبح العجز في داخلنا.
───
ولعلّ اللبنانيين سيتفقون يومًا على الدولة التي يريدونها.
لكن حتى ذلك الحين، ستبقى الجمهورية أشبه باجتماع لجنةٍ لا ينتهي:
ثماني عشرة جماعةً حول طاولةٍ واحدةٍ.
كلّ واحدةٍ تحمل مشروع وطنٍ.
كلّ واحدةٍ تخشى مشروع الأخرى.
كلّ واحدةٍ تتحدّث باسم لبنان.
ولبنان نفسه جالسٌ في آخر الطاولة…
ينتظر دوره في الكلام.

