الإعلام بين المهنة والرّسالة والرّقابة وتهافُت المُدّعين بقلم: جميل حسن معلم 

الإعلام بين المهنة والرّسالة والرّقابة وتهافُت المُدّعين

بقلم: جميل حسن معلم

ما الإعلام في زمنٍ صار فيه كلّ هاتفٍ نافذةً إلى الجمهور، وكلّ حسابٍ منبرًا محتملًا، وكلّ صورةٍ قابلةً لأن تتحوّل إلى خبر؟ وهل تكفي القدرة على النشر والظهور لامتلاك صفة الإعلاميّ؟ وأين تنتهي حرّيّة التعبير، وأين تبدأ مسؤوليّة المهنة؟ ثمّ من يحمي الإعلام من الفوضى، ويحمي المجتمع من إعلامٍ فقد بوصلته المهنيّة والأخلاقيّة؟ هذه الأسئلة تزداد إلحاحًا في الواقع اللّبنانيّ، حيث تتّسع دائرة المنصّات، وتتداخل أدوار الصحافيّ والناشط والمؤثّر وصاحب الصفحة، فيما تبقى الحقيقة هي الضحيّة المحتملة في سباق السّرعة والانتشار.
الإعلام، في جوهره، مهنةٌ ورسالةٌ ووظيفةٌ اجتماعيّةٌ تتّصل بحقّ الإنسان في المعرفة، وبقدرة المجتمع على فهم ما يجري حوله ومساءلة مؤسّساته ومناقشة قضاياه. وهو يقوم على جمع المعلومات، والتحقّق منها، ومعالجتها، وتقديمها إلى الجمهور في صيغةٍ واضحةٍ ودقيقةٍ ومتوازنةٍ. ومن هنا تنبع قيمته؛ فالكلمة الإعلاميّة قد تحفظ ذاكرةً، وتكشف حقيقةً، وتفتح نقاشًا، أو تسهم في بناء وعيٍ عامّ. وقد تتحوّل، حين تفتقر إلى التحقّق والمسؤوليّة، إلى أداةٍ للإرباك والتشهير وصناعة الشائعة.
ولذلك، فإنّ امتهان الإعلام يفترض جملةً من الشروط المعرفيّة والمهنيّة والأخلاقيّة. فالإعلاميّ الحقيقيّ يمتلك ثقافةً واسعةً، ومعرفةً بأصول البحث والتحرير والتوثيق، وقدرةً على التمييز بين الخبر والرأي والتعليق، ومهارةً في قراءة المصادر ومقارنة الروايات. ويحتاج، فوق ذلك، إلى الأمانة والاستقلاليّة والنزاهة واحترام كرامة الإنسان وخصوصيّته، وإلى شجاعةٍ مهنيّةٍ تتيح له طرح الأسئلة الصعبة من دون أن يتحوّل السؤال إلى اتّهام، أو النقد إلى تصفية حسابات. فالمهنة ليست امتلاك ميكروفونٍ أو كاميرا، وإنّما امتلاك أهليةٍ تجعل صاحبها جديرًا بثقة الجمهور.
ومن هنا تبرز مسؤوليّة وزارة الإعلام والجهات الرسميّة المعنيّة بتنظيم القطاع. فهل يكفي أن تبقى القوانين أسيرةَ زمنٍ كانت فيه الصحيفة والإذاعة والتلفزيون هي المنابر الأساسيّة، بينما أصبح الفضاء الرقميّ مفتوحًا أمام الجميع؟ المطلوب تطوير التشريعات بما يواكب التحوّل التكنولوجيّ، وتوضيح شروط ممارسة المهنة، وتعزيز التدريب والتأهيل، ووضع أطرٍ واضحةٍ للمسؤوليّة الإعلاميّة في البيئة الرقميّة، بما يحفظ حرّيّة التعبير ويصون في الوقت نفسه حقّ الجمهور في معلومةٍ موثوقة.
وتتحمّل الجهات الأمنيّة والقضائيّة والرقابيّة مسؤوليّةً موازيةً في حماية المجتمع وتطبيق القانون. غير أنّ هذه المسؤوليّة تحتاج إلى توازنٍ دقيقٍ بين مقتضيات الأمن وحقوق الأفراد وحرّيّة الصحافة. فالرقابة السليمة تقوم على قانونٍ واضحٍ وإجراءاتٍ عادلةٍ وأدلّةٍ موثوقة، وتحاسب على التجاوز المهنيّ حين يتحقّق، وتحمي الصحافيّ حين يمارس عمله المشروع. فكيف نحمي المجتمع من التضليل من دون أن يتحوّل التنظيم إلى تضييق؟ وكيف نصون حرّيّة الإعلام من دون أن تتحوّل الحرّيّة إلى ذريعةٍ للفوضى؟
وفي لبنان، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرةُ تهافُت بعض الذين يقدّمون أنفسهم بصفةٍ إعلاميّةٍ من دون امتلاك المقوّمات المهنيّة الكافية. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعيّ لأيّ شخصٍ تقريبًا إنشاء صفحةٍ أو منصّةٍ والوصول إلى جمهورٍ واسع. وظهرت، في مناسباتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ واجتماعيّةٍ متعدّدة، صفحاتٌ وحساباتٌ تنشر أخبارًا عاجلةً من دون مصادر واضحة، أو تعيد تداول معلوماتٍ قبل التحقّق منها، ثمّ تضطرّ إلى الحذف أو التصحيح بعد انتشارها. كما ظهرت ممارساتٌ تخلط بين العمل الإعلاميّ والدعاية الشخصيّة، وبين نقل الخبر واستثمار الحدث لتحقيق الشهرة أو النفوذ.
وهنا ينبغي التمييز بين المواطن الذي يوثّق واقعةً، والناشط الذي يعبّر عن موقفه، والمؤثّر الذي ينتج محتوى، والإعلاميّ الذي يمارس مهنةً لها قواعدها. فلكلّ واحدٍ حقّه في التعبير، ولكلّ واحدٍ مسؤوليّته. والمشكلة تبدأ حين تُستعمل الصفة الإعلاميّة غطاءً للحصول على نفوذٍ أو منفعةٍ أو قدرةٍ على الضغط، وحين يصبح عدد المتابعين معيارًا للمهنيّة، وسرعة النشر معيارًا للنجاح، والإثارة معيارًا للقيمة.
وتتداخل في نشوء هذه الظاهرة أسبابٌ عدّة: سهولة إنتاج المحتوى، وانخفاض كلفة الوصول إلى الجمهور، والرغبة في الشهرة، وضعف الثقافة الإعلاميّة لدى بعض المتلقّين، وتراجع الحدود بين الإعلام والإعلان والدعاية، إضافةً إلى طبيعة المنصّات التي تكافئ المحتوى السريع والمثير. وتتمثّل النتائج في إضعاف الثقة بالإعلام، وتشويه سمعة الأشخاص، وإرباك الرأي العام، ونشر الشائعات، وتعميق الانقسامات، وإضعاف موقع الإعلاميّ المحترف الذي يبني خبره على التحقّق والتوثيق.
ولا يكفي علاج هذه المشكلة بالعقوبة وحدها. المطلوب منظومةٌ متكاملةٌ تبدأ بتحديث القوانين، وتطوير آليات الاعتماد والتأهيل، ووضع مواثيق سلوكٍ مهنيّة، وتعزيز دور النقابات والهيئات الإعلاميّة، وإيجاد آليّاتٍ واضحةٍ للتصحيح والمساءلة. كما يتحمّل الجمهور مسؤوليّةً أساسيّةً؛ فالمتلقي الذي يسأل عن المصدر، ويميّز بين الخبر والرأي، ويتريّث قبل إعادة النشر، يصبح شريكًا في حماية الحقيقة.
وتبرز التربية الإعلاميّة هنا بوصفها استثمارًا في مستقبل المجتمع. فهل يمكن أن يبقى المواطن في عصر الذكاء الاصطناعيّ مستهلكًا سلبيًّا للمعلومة؟ وكيف نعلّم أبناءنا التمييز بين الخبر الحقيقيّ والصورة المصطنعة، وبين المصدر المهنيّ والحساب المجهول؟ إنّ إدخال مهارات التحقّق والتفكير النقديّ إلى التربية والتعليم أصبح ضرورةً تتجاوز المجال الإعلاميّ إلى صميم المواطنة.
إنّ مستقبل الإعلام اللّبنانيّ مرهونٌ بقدرته على استعادة معنى الاحتراف والثقة. وستتّسع المنصّات، وتتطوّر أدوات الإنتاج، ويزداد حضور الذكاء الاصطناعيّ، لكنّ السؤال الجوهريّ سيبقى: من يملك الحقّ في أن يسمّي نفسه إعلاميًّا، ومن يملك القدرة على أن يحمل مسؤوليّة الكلمة أمام الناس؟
الإعلام في المستقبل يحتاج إلى دولةٍ تنظّم وتحمي، ومؤسّساتٍ تلتزم، وجهاتٍ رقابيّةٍ تطبّق القانون بعدالة، وإعلاميّين يحترمون مهنتهم، وجمهورٍ يمتلك وعيًا نقديًّا. وعندها تستعيد الكلمة مكانتها، ويصبح الإعلام عينًا يقظةً على المجتمع، وذاكرةً تحفظ الوقائع، ومنبرًا للحوار، وجسرًا بين المواطن والدولة. فالمستقبل الإعلاميّ الذي نريده ليس مستقبل كثرة المنابر، بل مستقبل ارتفاع منسوب الثّقة؛ وليس مستقبل مَن يعلو صوته، بل مستقبل مَن تصمد كلمتُه أمام الحقيقة.

جميل حسين معلّم
٦ تشرين الأوّل ٢٠٢٦

اترك تعليقاً