الليل والقمر شعر: نجوى غزال

الليل والقمر

قال القمرُ للّيل:

يا لسوادِ لونك!
أمِنَ الحزنِ استمددتَ عتمتَك،
أم من بُعدِكَ عن البشر
زادَتْ عزلتُك،
فصرتَ ليلًا لا يُرى
إلّا من خلالِ ما يخفيه؟

فأجابه الليل:

لستُ أسودَ لأنني حزين،
ولا لأنني أكرهُ البشر،
إنما أنا المساحةُ التي يحتاجها النور
كي يُرى.

لولا سوادي
ما عرفتَ كيف تُشعلُ وجهَك في السماء،
ولا أطلّت النجومُ من شُرفاتي
كجواهرَ معلّقةٍ في صدرِ الغيب،
ولا وجدتِ الكواكبُ في فضائي
مرآةً لوهجها،
ولا رقصَ الضوءُ على كتفِ العتمة
كأنّه يعرفُ أن الجمال
لا يكتملُ إلّا بنقيضه.

ثم قال الليل:

لولا سوادي،
أين كان العشّاق سيخبّئون ارتجافَ قلوبهم؟
وأين كانوا سيودعون أسرارهم
حين تضيقُ بهم الكلمات؟

أنا مخبأُ الاعترافات التي لا تُقال،
وحضنُ اللقاءات التي تخشى أعينَ النهار،
وسترُ القلوب حين تنزعُ عنها
كلَّ ما ترتديه أمامَ الآخرين.

أنا لا أخفي الأشياء،
أنا أحمي ما لا يحتملُ انكشافَه.

ولولا سوادي،
ما كنتَ أنتَ سيّدَ الليل،
ولا رفيقَ العشّاق،
ولا نافذةَ السهّار
حين يبحثون في السماء
عن شيءٍ يشبه أحلامهم.

أنا سرُّ الأسرار،
وأنتَ سرُّ النور.

كلما اشتدَّ سوادي،
ازدادَ مجدُك،
وتألّقَ وجهُك،
وصار حضورُك أكثرَ وضوحًا.

ثم اقترب القمرُ من عتمته،
وقال:

يا ليل،
لعلّنا لسنا ضدَّين كما يظنّون،
بل روحانِ لا يكتملُ أحدُهما إلّا بالآخر.

أنا آخذُ منك عتمتَك
وأمنحُها ضوءًا،
وأنتَ تأخذُ من نوري
وتمنحهُ سماءً تتّسعُ له.

قال الليل:

وأنتَ وليُّ نعمتي،
فبفضلي يُرى نورُك،
وبنورِك تُرى عتمتي.

أنا سلطانُك،
وأنتَ زينتي.

لا أنتَ تستطيعُ أن تُغادرَ ليلَك،
ولا أنا أستطيعُ أن أستغنيَ عن ضيائك.

فبيننا عهدٌ أقدمُ من الضوء،
وأعمقُ من العتمة:

أن نبقى معًا،
لا لأننا متشابهان،
بل لأن اختلافَنا
هو الذي يصنعُ جمالَ السماء.

فكِلاَنا رفيقُ الآخر،
وكِلاَنا شاهدٌ على أن الحياة
لا تقومُ على النور وحده،
ولا على العتمة وحدها؛

بل على تلك المسافةِ الخفيّة
التي يتعانقُ فيها الليلُ والقمر،
ويولدُ من عناقِهما
ذلك الجمالُ الذي لا اسمَ له.

نجوى الغزال

اترك تعليقاً