بعد عقودٍ من الغياب، يعود الشاعر علي كنعان إلى دمشق. يعود وقد تجاوز التسعين، كأن العمر، بعد كل هذه المسافات، يعيده إلى النقطة الأولى، ولعلّ عودته الآن، بعد كل هذه العقود، تجعل الرحلة وكأنها دائرة تحمل سرّها. فالشاعر الذي ذهب بعيداً، إلى مدن ولغات وثقافات أخرى، لا يعود كما ذهب، ولا تعود دمشق المدينة التي غادرها، فبينهما عمرٌ كامل من المسافة والذاكرة والشعر.
كتب لي بعد عودته: “وصلت إلى دمشق سدرة الروح متعباً حتى العياء”.
ليس سهلاً أن نتحدث عن علي كنعان بوصفه شاعراً فحسب. ثمة شاعر، وثمة مترجم، وثمة رحّالة عبر المدن واللغات والثقافات، وثمة ذاكرة واسعة عبرت أمكنة كثيرة، لكنها ظلّت، في أعمق طبقاتها، مشدودة إلى مدينة واحدة اسمها دمشق، وربما أخذت أبوظبي مكانة أخرى، كونه عاش فيها عقوداً في بيت بحجم القلب والأصدقاء.
وهنا أيضاً تتقاطع خطاه مع الشاعر الإماراتي محمد أحمد السويدي، الذي جعل في مرحلة ما من المجمع الثقافي قبلةً للجمال والمعرفة، ومن مشروع “ارتياد الآفاق”، وجوائز ابن بطوطة لأدب الرحلات جسراً يصل المدن بالحكايات. في هذا الفضاء عمل علي كنعان، وكأن الرحلة التي عاشها في حياته وجدت امتدادها الطبيعي في مشروعٍ يحتفي بالترحال بوصفه كتابةً أخرى للعالم، فترك فيه، كما في أمكنته الكثيرة، أثراً لا يُنسى.

كان السفر عنده انتقالاً في الرؤية أيضاً، فالمدينة الجديدة لا تلغي القديمة، واللغة الجديدة لا تطفئ اللغة الأولى، وما يراه الشاعر بعيداً قد يوقظ في داخله شيئاً من طفولته، من بيته الأول، من امرأة، أو شارع، أو نهر ظلّ مقيماً فيه رغم الغياب.
وربما لهذا تبدو مجموعة “أطياف من لياليها”، التي كتبها في اليابان حيث اكتشف نفسه وربما ثار عليها، واحدة من أكثر تجاربه دلالة على علاقته بالمكان والزمن والحنين. فكلما اتسعت المسافة، ضاقت العبارة.
اليابان أرض الشعر والاكتشاف
حين نقرأ اليابان في شعر علي كنعان، فإنها تدخل في التجربة الداخلية، وتتحول مرآة يرى فيها الشاعر نفسه، ويرى من خلالها دمشق أيضاً.
تتجاور في القصائد مفردات يابانية وشرقية كثيرة: بوذا، الساكي، القمر، المحيط، اللؤلؤ، الزنبقة، القلعة، المقهى، الشاي، الغيم، الشفق، ثم تظهر بابل والشام والأندلس، كأن الشاعر لا يريد أن يقيم حدوداً بين الأمكنة، بل يريد أن يجعلها تتجاور داخل القصيدة يقول:
دارتِ الأرضُ
بها دهراً
عسى أن يترامى
ظلها حولي
ودار الفلك المحموم دهرين بنا
دون لقاء
سنواتٌ قُطِّرت بضعَ سويعاتٍ
سرقناها معاً..
وأنا أبحر في آلائها
شبه غريق
وهذا أحد مفاتيح شعر كنعان، الزمن ليس ما تقوله الساعة، بل ما تفعله التجربة بالإنسان، التجربة تعني الطريق والرحلة والسفر والعزلة، فالطريق عنده ليس مجرد وسيلة للوصول إلى مكان آخر. إنه فضاء للقاء الوجوه، واكتشاف الذات، ومغادرة يقين قديم نحو سؤال جديد، كل مدينة طريق، وكل طريق وجه، وكل وجه احتمال لقصيدة.
ولهذا فإن المدن التي مرّ بها تظهر في شعره بوصفها وجوهاً متراكبة. الوجه الياباني قد يحمل ظلال دمشق، والمرأة التي يلتقيها في اليابان تستدعي في داخله وادي بردى، ومدينة بعيدة قد تفتح باباً على بابل أو الأندلس..
“وأنا ألتمُّ في
زاوية المقهى كنايٍ خشبي
عافه ركبُ الغجر”
المقهى ليس مقهى، إنه محطة، ومكان يجلس فيه العابر وهو يشعر أن العالم يتحرك من حوله. أما الشاعر فهو “نايٌ خشبي”، عافه ركب الغجر، صوت يبحث عمّن يصغي إليه..
المرأة.. حين تصبح جغرافيا
المرأة في شعر علي كنعان ليست شخصية واحدة، إنها مهرة، وجنية، وريحانة، وتائكو، وريكو، ويوكو. تتبدل أسماؤها، لكن شيئاً جوهرياً يبقى، و هو أنها طريق آخر إلى اكتشاف الذات.
في «طقوس ملوّنة» تبدو المرأة كائنا حرا:
“كانت المهرة تجتاز المدى
جامحةً دون عنان”، وهو ما يدفعه للسؤال:” “هل من حرجٍ يا ناس، إن آويتُها تحت رفيف القلب؟”.

ثم تتحول المرأة إلى ضوء وسراج وربيع ومطر، ويتحول الحب إلى طقس من طقوس الذاكرة. ولذلك تبدو المرأة في هذه النصوص وسيطاً بين الإنسان والمكان والزمن، والطبيعة.
وفي «جنية الفصول» تسافر مخيلته بين الحضارات بعلاماتها الفارقة، بابل، الشام، بوذية اليابان، الغجر، الماء، الياسمين، البنفسج؛ والتي تدخل في جسد امرأة واحدة..
تائكو
جِنِّيَّةٌ من أوكيناوا
خاضتِ الحربَ
كما حدَّثها التاريخُ عنها
في كتابِ المدرسة
خَلعت قُبّعةَ الحربِ
وعادت رايةً منكسرة
وهي لا تذكر شيئاً
من فصولِ المجزرة”.
وهنا يصبح الشعر أكثر من قصة حب، يصبح سؤالاً عن الذاكرة نفسها: من يملك حق تذكّر الماضي؟ وهل ما يكتبه التاريخ يساوي بالضرورة ما عاشه الإنسان؟
لكن كنعان لا يترك تائكو في الحرب. سرعان ما ينقلها إلى الحب والزمن:
“دُرّةٌ من كهنوتِ الماءِ
في خلوةِ بوذيٍّ
وروح غجرية
نفحاتٌ من خوابٍ بابليّة
جسدٌ من ياسمينِ الشامِ
ملفوفٌ
بأوراقِ البنفسج”
يقول كنعان في مقدمة الكتاب: “جعلتني اليابان أكتشف أن لي جسداً، وكان اكتشافاً متأخراً جداً، إذ كنت في السابعة والخمسين يوم حدثت تلك الصدمة الرائعة”.. وقد أهدى كتابه إلى طوكيو:
(ثالث مدينة أعشقها بعد دمشق وأثينا)
وإلى حدائقها.. ومعابدها..
وحاناتها.. وحتى مقابرها…
إلى سيداتها اللواتي يشبهن الدمى
في لباسهن التقليدي..
وأخص منهن أولئك الأمهات – الشموع
في معاهد اللغة اليابانية.
لهذا يقول:
تائكو بحرٌ من الألغاز
مجهولُ المواني
البحر لا يُمتلك، كما لا يُمتلك الإنسان تماماً. كلما اقتربنا من الآخر اكتشفنا مساحات جديدة لا نعرفها. وهذا يجعل المرأة عند كنعان أقرب إلى سؤال منها إلى إجابة..
اليابان وطقوس العابر
يمكن الاقتراب من اليابان في شعر علي كنعان من خلال ما تمنحه الثقافة اليابانية من حساسية تجاه العابر والزائل: الغيم، الشفق، الوردة، الماء، القمر، المواسم، الطقوس الصغيرة، اللحظة التي لا تتكرر، ففي نصوصه تبدو التفاصيل العابرة لحظات شعرية مثل نص الهايكو...
المقهى، كأس الساكي، طقوس الشاي، القمر، الماء، الحديقة، المعابد، الصباح، والأهم، الرحيل، حتى أجمل الأشياء لا تملك وعد البقاء..
لهذا تأتي ريكو المرأة اليابانية في قصيدة “تشكيل”، وكأنها لوحة طبيعية، اليد زنبقة، والصوت يمام، والفم برعم، والجسد كرز، لكن الشاعر لا يكتفي بتشكيلها. فجأة يتسلل إلى دمشق، وهنا تحدث المفارقة الأجمل: كلما ابتعد الشاعر عن دمشق، وجدها في مكان آخر. كلما نظر إلى امرأة يابانية، ظهرت في الخلفية امرأة من ذاكرته. كلما رأى طبيعة جديدة، استيقظت طبيعة قديمة. وفي النهاية يقول: “ومع الإصباح أمحو ما رسمت“.
هنا حب وفراق، رسم ومحو، سفر وعودة، وكأننا نقف عند دهشة البداية ثم نفارقها. والمرأة هنا هي مركز هذا العالم المتحوّل، مرة تكون مهرة، ومرة جنية، ومرة ريحانة، ومرة يوكو، المرأة التي تفتح باب الأدب على ثقافة الشرق.
“عشقتْ يوسف إدريس
ولم تسمح لطير الموت
أن يخطفه من دارها”.
وهذا يجعل الشاعر أكثر أكثر اقتراباً من الشرق الذي جاء منه، ليمد الشرق يده إلى الشرق. يظل علي كنعان عابراً بين اللغات كما كان عابراً بين المدن، يدخل لغة أخرى، ثم يعود إلى لغته الأولى حاملاً شيئاً من الضوء الذي رآه هناك، لهذا تبدو الترجمة في تجربته الوجه الآخر للرحلة…
يسافر الشاعر بين المدن، والمترجم يسافر بين اللغات، وكلاهما يعود إلى البيت الأول محملاً بوجوه جديدة. والبيت الأول هنا ليس دمشق وحدها، إنه اللغة، اللغة التي يستطيع أن يسكنها حتى حين لا يسكن المكان...
لكن دمشق تظل المركز الخفي لكل هذه الرحلات، قد لا يكتب كنعان اسم دمشق في كل قصيدة، لكنها تظهر بين ثنايا الضوء.
أفرش في بوابة الشام
له قلبي
ليرتاح قليلاً
ولعل هذه الصورة تلخص علاقة الشاعر بالمكان الأول، دمشق المكان الذي يسكنه أبدا. .
شقة صغيرة.. ومدن كثيرة
عاش علي كنعان أكثر من ربع قرن في أبوظبي، في شقة صغيرة وهنا كان أثر الشاعر في النصوص والترجمات، ومنها قصة سان ميشيل وأكسل مونتي، شاعر حمل في ذاكرته اليابان، وبابل، والأندلس، والشام، والبحر والصحراء، واللغات والوجوه، يمكن أن يعيش في مساحة صغيرة جداً، بينما يتسع داخله إلى جغرافيا العالم، فثمة بيوت صغيرة تتسع للمدن كلها، وثمة مدن شاسعة لا تكفي لوجه واحد.
الآن، حين يعود علي كنعان إلى دمشق بعد هذا الغياب الطويل، يبدو السؤال عن العمر أقل أهمية من السؤال عن الشعر. ماذا يفعل الشاعر عندما يبلغ التسعين؟
ربما يكتشف أن العمر لم يكن خطاً مستقيماً، بل مجموعة طرق، وأن الوجوه التي ظن أنها غادرت بقيت في مكان ما.
وأن النساء اللواتي عبرن قصائده لم يكنّ دائماً نساء بالمعنى الواقعي، كنّ أحياناً أسماءً للحب، أو للزمن، أو للمدينة، أو للغياب، وأن اليابان لم تكن آخر العالم، بل كانت طريقاً آخراً إلى الذات، وأن دمشق لم تكن الماضي، كانت المستقبل الذي ظل يتجه إليه، وبقي وجه مؤنس لرحلته هو وجه فاطمة عطفة.
وها هو يعود بجناحين أنهكتهما المسافة، وبذاكرة امتلأت بالمدن، وبقلب يعرف أن المكان الأول لا يغادرنا، حتى حين نغادره. ولا تعود دمشق هي دمشق التي تركها.
لقد ابتعدتَ كثيراً يا علي كنعان، لكن الطريق كان يعود بك، دائماً إلى دمشق.
علي كنعان..عودة الشاعر من آخِر العالم إلى دمشق
علي كنعان..عودة الشاعر من آخِر العالم إلى دمشق
